ص -36- المنافية لمطلق الشّركة بوجهٍ من الوجوه، ونفي الولد والوالد المقرّر لكمال صمديته وغناه وأحديته، ونفي الكفء المتضمن لنفي الشّبيه والمثيل والنّظير، فتضمنت إثبات كلّ كمالٍ، ونفي كلّ نقصٍ، ونفي إثبات شبيهٍ له أو مثيلٍ في كماله، ونفي مطلق الشّرك، وهذه الأصول هي مجامع التّوحيد العلمي الذي يُباين صاحبه جميع فرق الضّلال والشّرك، ولهذا كانت تعدل ثلث القرآن، فإنّ مداره على الخبر والإنشاء، والإنشاء ثلاثة: أمر، ونهي، وإباحة. والخبر نوعان: خبر عن الخالق تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأحكامه، وخبر عن خلقه. فأخلصت سورة الإخلاص للخبر عنه، وعن أسمائه وصفاته، فعدلت ثُلُثَ القرآن، وخلصت قارئها من الشّرك العلمي كما خلّصته سورة {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ، [الكافرون الآية: 1] ، من الشّرك العملي، ولما كان العلم قبل العمل وهو إمامه وسائقه، والحاكم عليه كانت {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، [الإخلاص الآية: 1] تعدل ثلثَ القرآن، و {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ، [الكافرون الآية: 1] ، تعدل ربعَ القرآن. ولما كان الشّرك العملي أغلب على النّفوس لمتابعة الهدى، وكثير منها ترتكبه مع علمها بمضرّته، وقلعه منها أشدّ من قلع الشّرك العلمي؛ لأنّه يزول بالحجّة، ولا يمكن صاحبه أن يعلم الشّيء على غير ما هو عليه، جاء التّأكيد والتّكرير في {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ، [الكافرون الآية: 1] ، ولهذا كان يقرأ بهما في ركعتي الطّواف؛ لأنّ الحجّ شعار التّوحيد، ويفتح بهما عمل النّهار، ويختم بهما عمل اللّيل.
وكان يضطجع بعد سُنّة الفجر على شقّه الأيمن، وقد غلا فيها طائفتان، فأوجبها طائفة من أهل الظّاهر، وكرهها جماعة، وسمّوها بدعة، وتوسّط فيها مالك وغيره، فلم يروا بها بأسًا لِمَن فعلها راحةً، وكرهوها لِمَن فعلها استنانًا.