وكان من حكمته تعالى ورحمته - لما أرسل محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم المرسلين - أن لا يهلك قومه بعذاب الاستئصال ، بل عذب بعضهم بأنواع العذاب كالمستهزئين الذين قال الله فيهم: ! ( إنا كفيناك المستهزئين ) ! الآيات . والذي دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يسلط عليه كلبًا من كلابه فافترسه الأسد ، كما قال تعالى: ! ( قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ) ! الآية . فأخبر سبحانه أنه يعذب الكفار تارة بأيدي المؤمنين بالجهاد والحدود ، وتارة بغير ذلك . فكان ذلك مما يوجب إيمان أكثرهم ، كما جرى لقريش وغيرهم . فإنه لو أهلكهم لبادوا ، وانقطعت المنفعة بهم ، ولم يبق لهم ذرية تؤمن ، بخلاف ما عذبهم به من الإذلال والقهر ، فإن في ذلك ما يوجب عجزهم ، والنفوس إذا كانت قادرة على كمال أغراضها ، فلا تكاد تنصرف عنها . بخلاف عجزها عنها . فإنه يدعوها إلى التوبة ، كما قيل: من العصمة أن لا تقدر ، ولهذا آمن عامتهم . وقد ذكر الله في التوراة لموسى: ' إني أُقَسي قلب فرعون . فلا يؤمن بك لتظهر آياتي وعجائبي ' . بيّن أن في ذلك من الحكمة: انتشار آياته الدالة على صدق أنبيائه في الأرض إذ كان موسى أخبر بتكليم الله له ، وبكتابة التوراة له ، فأظهر