صلى الله عليه وسلم أن يصدع بما جاءه منه، وأن ينادي الناس بأمره ويدعو إليه، فكان مدة إخفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره إلى أن أمره الله بإظهاره الدين ثلاث سنين فيما بلغني، ثم قال الله له {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} ثم قال {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} ن فلما نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدع به كما أمره الله لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه حتى ذكر آلهتهم وعابها، فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه وأجمعوا على خلافه وعداوته إلا من عصم الله منهم بالإسلام، وهم قليل مستخفون. وحدب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو طالب ومنعه وقام دونه، لأنه كان شريفا معظما في قريش مطاعا في أهل مكة لا يتجاسرون على مكاشفته بشيء من الأذى. قال ابن القيم: وكان من حكمة أحكم الحاكمين بقاؤه على دين قومه لما في ذلك من المصالح التي تبدو لمن تأملها. وأما أصحابه فمن كانت له عشيرة تحميه امتنع بعشيرته، وسائرهم تصدوا له بالأذى والعذاب، ومنهم عمار بن ياسر وأمه وأهل بيته فإنهم عذبوا في الله، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر بهم وهم يعذبون يقول:"صبرا يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة"، ولقي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العذاب أمرا عظيما لما ذخره الله لهم في الآخرة من الكرامة، فطعن الفاسق أبو جهل سمية أم عمار بحربة في قبلها فقتلها رضي الله عنها. وكان سادات بلال وهم من بني جمح يأخذونه ويبطحونه على الرمضاء في حر مكة ثم يلقون على بطنه الصخرة العظيمة ثم يأخذونه ويلبسونه في ذلك الحر الشديد درع حديد ويضعون في عنقه حبلا ويسلمونه إلى الصبيان يطوفون به وهو في كل ذلك صابر محتسب لا يبالي بما لقي في ذات الله، وكان كلما اشتد به العذاب يقول:"أحد، أحد".
وأسلم سلمة بن [هشام والوليد] بن الوليد بن المغيرة وأبو حذيفة مهسم ابن عتبة بن ربيعة وغيرهم، وأعتق أبو بكر الصديق رضي الله عنه بلال بن رباح وأمه حمامة مولاته، وأعتق ابن فهيرة وأعتق أم عبس وزبيرة والنهدية ابنتها وجارية لبني عدي كان عمر بن الخطاب يعذبها على الإسلام وذلك قبل أن يسلم، وقيل إن أبا قحافة قال له: يا بني أراك تعتق رقابا ضعافا فلو أعتقت قوما جلدا يمنعوك.. فقال له أبو بكر: يا أبت إني أريد ما أريد، ففيه نزلت {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} إلى آخر السورة. قال ابن إسحاق: وكان