وفي حدبث أبي رافع: لما جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر كبت الله أبا لهب وأخزاه، فقام يجر رجليه بشر حتى جلس. فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قدم، قال فقال أبو لهب: هلم إلي، عندك لعمري الخبر. قال فجلس إليه والناس قيام فقال: يا ابن أخي، أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا ويأسروننا كيف شاءوا. وايم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض لا يقوم لها شيء. قال أبو رافع وكان غلاما للعباس: وكان الإسلام قد دخلنا وسرنا ذلك، تلك والله الملائكة. فرفع أبو لهب يده فضربني في وجهي ضربة شديدة، فقامت أم الفضل إلى عمود فضربت به في رأس أبي لهب وقالت: استضعفته أن غاب عنه سيده؟ قال: فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة وهي قرحة تتشاءم بها العرب فتباعد عنه بنوه حتى قتله الله. وبقي ثلاثة أيام لا تقرب جنازته، ولا يحاول دفنه. فلما خافوا السبة في تركه حفروا له ثم دفعوه بعود في حفرته وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى واروه. وذكر قاسم بن ثابت في دلائله أن قريشا لما توجهت إلى بدر مر هاتف من الجن على مكة في اليوم الذي وقع به المسلمون وهو ينشد بأبعد صوت ولا يرى شخصه:
أراد الحنيفيون بدرا وقيعة ... سينقض منها ركن كسرى وقيصرا
أبادت رجالا من قريش وأبرزت ... خرائد يضربن الترائب حسرا
فيا ويح من أمسى عدو محمدا ... لقد جار عن قصد الهدى وتحيرا
فقال قائلهم: من الحنيفيون؟ قالوا: محمد وأصحابه، يزعمون أنهم على دين إبراهيم الحنيف. ثم لم يلبث أن جاءهم الخبر.
قال ابن إسحاق: فلما انقضى أمر بدر أنزل الله فيها سورة الأنفال بأسرها.