مسجدهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحب أن تصلي فيه وتدعوا بالبركة، فأنزل الله {لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} يعني مسجد قباء إلى قوله {فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} يعني قواعده { لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ} من الشك {إِلّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} يعني بالموت. انتهى.
قال ابن إسحاق: وقد كان أهل مسجد الضرار، أتوا رسول الله وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله إنا بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه. فقال رسول الله:"إني على جناح سفر وحال شغل، ولو قدمنا إن شاء الله أتينا فصلينا لكم فيه". فلما انصرف رسول الله من تبوك ونزل بذي أوان أتاه المنافقون الذين بنوا مسجد الضرار فسألوه إتيان مسجدهم فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم فنزل عليه القرآن وأخبره الله تعالى خبرهم وما هموا به، فدعا رسول الله مالك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن فقال لهم:"انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه."فخرجوا سراعا حتى أتوا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم فقال مالك: أنظروني حتى أخرج إليكم بنار من أهلي. فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا، ثم خرجوا يشتدون حتى دخلوا المسجد فحرقوه وهدموه وتفرق أهله عنه. ولما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة خرج الناس لتلقيه وخرج النساء والصبيان والولائد يقلن:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
قال في الهدى: وبعض الرواة يهم في هذا ويقول: إنما كان ذلك عند مقدمه من مكة، وهو وهم ظاهر؛ لأن ثنيات الوداع إنما هي من ناحية الشام. فلما أشرف على المدينة قال:"هذه طابة وهذا جبل أحد يحبنا ونحبه". وفي البخاري لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك فدنا من المدينة قال:"إن بالمدينة رجالا"