ص -150- عيرهم، فنهضوا مسرعين، ولم يتخلف من أشرافهم سوى أبي لهب؛ فإنّه عوَّض عنه رجلًا بِجُعْلٍ، وحشدوا فِيمَن حولهم من قبائل العرب. ولم يتخلف عنهم من بطون قريشٍ إلاّ بني عديّ فلم يشهدها منهم أحد. وخرجوا من ديارهم؛ كما قال تعالى: {بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} 1. فجمعهم على غير ميعادٍ، كما قال تعالى: {وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ} 2.
ولما بلغ رسولَ الله خروج قريشٍ استشار أصحابه. فتكلّم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم ثانيًا، فتكلّم المهاجرون، ثم ثالثًا. فعلمت الأنصار أنّ رسول الله إنّما يعنيهم، فقال سعد بن معاذ: كأنّك تُعرض بنا يا سول الله ـ وكان إنّما يعنيهم؛ لأنّهم بايعوه على أن يمنعوه في ديارهم ـ وكأنّك تخشى أن تكون الأنصار ترى عليهم أن لا ينصروك إلاّ في ديارهم. وإنّي أقول عن الأنصار، وأجيب عنهم. فامْضِ بنا حيث شئت، وصِلْ حبْل مَن شئت، واقطع حبل مَن شئت، وخذ من أموالنا ما شئت. وأعطنا ما شئت وما أخذت منها كان أحبَّ إلينا مما تركت. فوالله لئن سرت بنا حتى تبلغ البَرْك من غُمدان لنسيرن معك، ووالله لئن استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك.
وقال المقداد بن الأسود: إذن لا نقول كما قال قوم موسى لموسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} 3، ولكن نقاتل من بين يديك، ومن خلفك، وعن يمينك وعن شمالك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الآيات 47 من سورة الأنفال.
2 الآية 42 من سورة الأنفال.
3 الآية 24 من سورة المائدة.