ص -174- فصوّب رأيهما. وقال: (( إنّما هو شيء أصنعه لكم، لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوسٍ واحدةٍ ) ).
ثم إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ وله الحمد ـ صنع أمرًا عنده خذل به العدو.
فمن ذلك: أنّ رجلًا من غطفان ـ يقال له: نعيم بن مسعود ـ جاء إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ. فقال: قد أسلمتُ، فمرني بما شئت. فقال: (( إنّما أنت رجل واحد، فَخَذِّل عنّا ما استطعت، فإن الحرب خَدْعَة ) ).
فذهب إلى بني قريظة ـ وكان عشيرًا لهم ـ فدخل عليهم، وهم لا يعلمون بإسلامه. فقال: إنّكم قد حاربتم محمّدًا، وإن قريشًا إن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلاّ انْشَمروا. قالوا: فما العمل؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن. فقالوا قد أشرت بالرّأي، ثم مضى إلى قريش فقال: هل تعلمون وُدِّي لكم ونصحي؟ قالوا: نعم. قال: إن اليهود قد ندموا على ما كان منهم، وإنّهم قد أرسلوا إلى محمّدٍ: أنّهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه، ثم يمالئونه عليكم، فإن سألوكم فلا تعطوهم. ثم ذهب إلى غطفان. فقال لهم مثل ذلك.
فلمّا كانت ليلة السّبت من شوّال بعثوا إلى يهود: إنّا لسنا معكم بأرض مقام، وقد هلك الكراع والخفّ، فاغْدُوا بنا إلى محمّد حتى نناجزه، فأرسلوا إليهم: إنّ اليوم يوم السّبت، وقد علمتم ما أصاب مَن قبلنا حين أحدثوا فيه. ومع هذا فلا نقاتل معكم حتى تبعثوا لنا رهائن.
فلما جاءتهم رسلهم قالوا: قد صدقكم والله نعيم. فبعثوا إليهم: إنا والله لا نبعث إليكم أحدًا. فقالت قريظة: قد صدقكم والله نعيم. فتخاذل الفريقان.