ص -192- فشجعهم عبد الله بن رواحة، وقال: والله إنّ الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون: الشّهادة، وما نقاتل النّاس بقوّة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلاّ بهذا الدّين الذي أكرمنا الله به فانطلقوا؛ فإنّما هي إحدى الحسنين: إما ظفر، وإمّا شهادة.
فمضى النّاس، حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم الجموع. فانحاز المسلمون إلى مُؤتة ثم اقتتلوا عندها والرّاية في يد زيد، فلم يزل يقاتل حتى شاط في رماح القوم، فأخذها جعفر فقاتل بها حتى إذا أرهقه القتال اقتحم عن فرسه فعقرها ثم قاتل حتى قطعت يمينه، فأخذ الرّاية بيساره، فقطعت يساره. فاحتضن الرّاية حتى قتل. وله ثلاث وثلاثون سنة ـ رضي الله عنهم ـ.
ثم أخذها عبد الله بن رواحة فتقدم بها، وهو على فرسه، فجعل يستنْزل نفسه ويقول:
أقسم بالله لتَنْزِلِنّه لتنْزلن أو لتُكْرَهِنّه
يا طالما قد كنتِ مطمئنهْ إن أجلب النّاس وشدّوا الرَّنّه
مالي أراك تكرهين الجنّة؟
ويقول أيضًا:
يا نفس إن لم تُقْتلِي تموتي هذا حِمام الموت قد صَلِيت
وما تمنيتِ فقد أُعطيت إن تفعلي فِعْلَها هُديت
ثم نزل. فأتاه فناداه ابن عمّ له بعرق من لحم. فقال: شُدَّ بهذا صلبك، فإنّك لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذها فانتهس منها نهسة،