ص -211- الله يعلم أنّي أحبّ أن أقِيَه بنفسي، ولو لقيت تلك السّاعة أبي لأوقعت به السّيف، فجعلت ألزمه فيمن لزمه، حتى تراجع النّاس، وكرّوا كرّة رجلٍ واحدٍ. وقُرِّبت بغلة رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، فاستوى عليها، وخرج رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في أثرهم حتى تفرقوا، في كلّ وجه. ورجع رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ إلى معسكره، فدخل خباءه. فدخلت عليه، ما دخل عليه غيري، حبًّا لرؤية وجهه، وسرورًا به. فقال: (( يا شيب، الذي أراد الله لك، خير من الذي أردت لنفسك ) ).
قال العباس: إنّي لمع رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وكنت امرءًا جسيمًا شديد الصّوت ـ فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ حين رأى ما رأى من النّاس ـ: (( إليَّ أيّها النّاس، أنّا النَّبِيّ لا كذب، أنا ابن عبد المطلب ) ). فلم أرَ النّاس يلوون على شيء. فقال: (( أيْ عباسُ، اهتف بأصحاب السّمُرة1 ) ). فناديت: يا أصحاب السّمرة، يا أصحاب سورة البقرة. فكان الرّجل يريد أن يردّ بعيره فلا يقدر. فيأخذ سلاحه، ويقتحم عن بعيره، ويخلي سبيله، ويؤم الصّوتَ، فأتوا من كلّ ناحيةٍ: لبّيك، لبّيك؛ حتى إذا اجتمع إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ منهم مائة استقبلوا النّاس، فاقتتلوا، فكانت الدّعوة أوّلًا: (( يا للأنصار، يا للأنصار ) )، ثم خلصت الدّعوة: (يا لبني الحارث بن الحزرج ) ) . وكانوا صُبُرًا عند الحرب.
وفي صحيح مسلم: (( ثم أخذ رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ حصيات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 هي: الشجرة التي كانت تحتها بيعة الرّضوان.