فهرس الكتاب

الصفحة 514 من 618

الآخر لو كان الأول مثل الآخر استويا, ولم جاز الأول لوجود الثاني, ولما فرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما, وقال عن الآخر قال: «كلا إنه قد غل شمله وأنها تشتعل عليه في نار جهنم» عُلم أن حكمها مغاير لأحكام من سبقها, وعُلم أن هذا إقرار لمن قال عنه: فلان شهيد، وفلان شهيد, وفلان شهيد. وهذه مسألة خلافية بين العلماء, هل يقال: عن فلان بأنها شهيد؟ بل اختلف فيها الصحابة واختلف فيها التابعون, واختلف فيها أئمة الهدى, لأن بعض العلماء يظن أنه إذا قيل: فلان شهيد أن هذا يستلزم الحكم له بالجنة وهذا فيه نظر, فإن الحكم بالشهادة لا يستلزم الحكم بالجنة لأن هذه أحكام الدنيا, فأنت تحكم بالظاهر بناءً على أحكام الدنيا, ولذلك الصواب: أنه لا بأس أن يقال: فلان مات شهيدًا.

لكن لا نحكم له بالجنة لأننا نحكم على ظاهره, ومن ثم قال الفقهاء: لو أن رجلًا كافرًا ليس بمسلم أصلًا قاتل مع المسلمين نخوةً أو حميةً أو عصبية وهم لا يعلمونه, لكن رأوه في القتلى بين المسلمين يبنون على أنه من أهل الإسلام بناءً على الظاهر, ويدفنونه في مقابر المسلمين وإن كان هذا من أهل الجحيم, لأنهم يبنون على الظاهر, فأحكام الدنيا تختلف عن أحكام الآخرة, فمن ثم يُحكم بهذه المسائل على أحكام الظاهر وإن كان الباطن بخلاف ذلك.

أما مسألة الفرق بين المقتصد والسابق بالخيرات؟ فالله - عز وجل - فرق بينهما {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} [فاطر:32] , فالظالم لنفسه هو المعروف الذي يأتي بالسيئات وقد يدع بعض الواجبات فهذا الظالم لنفسه.

وأما المقتصد فهو العامل بالطاعات المنتهي عن المحرمات, أما السابق بالخيرات فهذا أعلى منزلةً من المقتصد وهذا هو المسارع إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت