وعَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، قَالَ:"وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَمَا يُقَالُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، وَمِنْ طَوَائِفِ الْعَرَبِ: مِنْ أَسْلَمَ ، وَغِفَارٍ ، وَمُزَيْنَةَ ، وَجُهَيْنَةَ ، وَمِنْ بَنِي سُلَيْمٍ ، وَقَادُوا الْخُيُولَ ، فَأَخْفَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَسِيرَهُ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ ، حَتَّى نَزَلُوا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ ، وَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ أَبَا سُفْيَانَ ، وَحَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ، وَمَعَهُمَا بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ ، فَلَمَّا طَلَعُوا عَلَى مَرِّ الظَّهْرَانِ حِينَ بَلَغُوا الْأَرَاكَ ، وَذَلِكَ عِشَاءً رَأَوُا النِّيرَانَ وَالْفَسَاطِيطَ وَالْعَسْكَرَ ، وَسَمِعُوا صَهِيلَ الْخَيْلِ ، فَرَاعَهُمْ ذَلِكَ ، فَقَالُوا: هَذِهِ بَنُو كَعْبٍ حَشَّتْهَا الْحَرْبُ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا: هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ بَنِي كَعْبٍ ، قَالُوا: فَلَعَلَّهُمْ هَوَازِنُ انْتَجَعُوا الْغَيْثَ بِأَرْضِنَا ، وَلَا وَاللَّهِ مَا نَعْرِفُ هَذَا أَيْضًا ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ لَمْ يَشْعُرُوا حَتَّى أَخَذَهُمْ نَفَرٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَهُمْ عُيُونًا لَهُ بِخَطِيمِ أَبْعِرَتِهِمْ ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ ؟ قَالُوا: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابُهُ ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: هَلْ سَمِعْتُمْ بِمِثْلِ هَذَا الْجَيْشِ نَزَلُوا عَلَى أَكْبَادِ قَوْمٍ لَمْ يَعْلَمُوا بِهِمْ ؟ ، فَلَمَّا دَخَلَ بِهِمُ الْعَسْكَرُ لَقِيَهُمْ عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأَجَارَهُمْ وَقَالَ: يَا أَبَا حَنْظَلَةَ ، ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ وَعَشِيرَتُكَ ، هَذَا مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - فِي جَمْعِ الْمُؤْمِنِينَ فَادْخِلُوا عَلَيْهِ فَأَسْلَمُوا ، فَدَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَمَكَثُوا عِنْدَهُ عَامَّةَ اللَّيْلِ يُحَادِثُهُمْ وَيَسْأَلُهُمْ ، ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ ، فَقَالَ لَهُمُ:"اشْهَدُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَشَهِدُوا ، ثُمَّ قَالَ: اشْهَدُوا أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ، فَشَهِدَ حَكِيمٌ ، وَبُدَيْلٌ ، وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا أَعْلَمُ ذَلِكَ ، وَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ مَعَ الْعَبَّاسِ ، فَلَمَّا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ ثَارَ النَّاسُ فَفَزِعَ أَبُو سُفْيَانَ وَقَالَ لِلْعَبَّاسِ: مَاذَا يُرِيدُونَ ؟ قَالَ: الصَّلَاةَ ، وَرَأَى أَبُو سُفْيَانَ الْمُسْلِمِينَ يَتَلَقَّوْنَ وَضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ مُلْكًا قَطُّ كَاللَّيْلَةِ وَلَا مُلْكَ كِسْرَى ، وَلَا مُلْكَ قَيْصَرَ ، وَلَا مُلْكَ بَنِي الْأَصْفَرِ ، فَسَأَلَ أَبُو سُفْيَانَ الْعَبَّاسَ أَنْ يُدْخِلَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَدْخَلَهُ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا مُحَمَّدُ قَدِ اسْتَنْصَرْتُ آلِهَتِي وَاسْتَنْصَرْتَ إِلَهِكَ ، فَوَاللَّهِ مَا لَقِيتُكَ مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا ظَهَرْتَ عَلَيَّ ، فَلَوْ كَانَ إِلَهِي مُحِقًّا وَإِلَهُكَ مُبْطِلًا لَقَدْ غَلَبْتُكَ ، فَشَهِدَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ ، وَحَكِيمٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَجِئْتَ بِأَوْبَاشِ النَّاسِ مَنْ يُعْرَفُ وَمَنْ لَا يُعْرَفُ إِلَى أَصْلِكَ وَعَشِيرَتِكَ ؟ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"هُمْ أَظْلَمُ وَأَفْجَرُ ، قَدْ غَدَرْتُمْ بِعَقْدَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَظَاهَرْتُمْ عَلَى بَنِي كَعْبٍ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ فِي حَرَمِ اللَّهِ وَأَمْنِهِ". فَقَالَ بُدَيْلٌ: قَدْ صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ فَقَدْ غَدَرُوا بِنَا وَاللَّهِ ، لَوْ أَنَّ قُرَيْشًا خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَدُوِّنَا مَا نَالُوا مِنَّا الَّذِي نَالُوا ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ ، وَحَكِيمٌ: قَدْ كُنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَقِيقًا أَنْ تَجْعَلَ عِدَّتَكَ وَكَيْدَكَ لِهَوَازِنَ ، فَإِنَّهُمْ أَبْعَدُ رَحِمًا وَأَشَدُّ عَدَاوَةً ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَجْمَعَهُمَا لِي رَبِّي: فَتْحَ مَكَّةَ وَإِعْزَازَ الْمُسْلِمِينَ بِهَا ، وَهَزِيمَةَ هَوَازِنَ وَغَنِيمَةَ أَمْوَالِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ وَحَكِيمٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ادْعُ لَنَا بِالْأَمَانِ ، أَرَأَيْتَ إِنِ اعْتَزَلَتْ قُرَيْشٌ فَكَفَّتْ أَيْدِيَهَا آمِنُونَ هُمْ ؟ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"نَعَمْ ، مَنْ كَفَّ يَدَهُ وَأَغْلَقَ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ ، قَالُوا: فَابْعَثْنَا نُؤْذِنُ بِذَلِكَ فِيهِمْ: قَالَ:"انْطَلِقُوا ، فَمَنْ دَخَلَ دَارَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ وَدَارَكَ يَا حَكِيمُ ، وَكَفَّ يَدَهُ فَهُوَ آمِنٌ". وَدَارُ أَبِي سُفْيَانَ بِأَعْلَى مَكَّةَ ، وَدَارُ حَكِيمٍ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ ، فَلَمَّا تَوَجَّهَا ذَاهِبَيْنِ قَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي لَا آمَنُ أَبَا سُفْيَانَ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ إِسْلَامِهِ ، فَيَكْفُرَ ، فَارْدُدْهُ حَتَّى نَقِفَهُ فَيَرَى جُنُودَ اللَّهِ مَعَكَ ، فَأَدْرَكَهُ عَبَّاسٌ فَحَبَسَهُ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَغَدْرًا يَا بَنِي هَاشِمٍ ؟ فَقَالَ الْعَبَّاسُ: سَتَعْلَمُ أَنَّا لَسْنَا نَغْدِرُ وَلَكِنْ لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ ، فَأَصْبِحْ حَتَّى تَنْظُرَ إِلَى جُنُودِ اللَّهِ وَإِلَى مَا عَدَّ لِلْمُشْرِكِينَ فَحَبَسَهُمْ بِالْمَضِيقِ دُونَ الْأَرَاكِ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى أَصْبَحُوا ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُنَادِيًا فَنَادَى: لِتُصْبِحْ كُلُّ قَبِيلَةٍ قَدِ ارْتَحَلَتْ وَوَقَفَتْ مَعَ صَاحِبِهَا عِنْدَ رَايَتِهِ ، وَتُظْهِرْ مَا مَعَهَا مِنَ الْأَدَاةَ وَالْعُدَّةِ ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ عَلَى ظَهْرٍ وَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ يَدَيْهِ الْكَتَائِبُ ، فَمَرَّتْ كَتِيبَةٌ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ ، فَقَالَ: يَا عَبَّاسُ ، أَفِي هَذِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ؟ قَالَ: لَا ، قَالَ: فَمَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ: قُضَاعَةُ ، ثُمَّ مَرَّتِ الْقَبَائِلُ عَلَى رَايَاتِهَا ، فَرَأَى أَمْرًا عَظِيمًا رَعَّبَهُ اللَّهُ بِهِ ، وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَخَيْلِهِمْ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ كَدَاءٍ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ ، وَأَعْطَاهُ رَايَتَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَغْرِزَهَا بِالْحَجُونِ وَلَا يَبْرَحُ حَيْثُ أَمَرَهُ أَنْ يَغْرِزَهَا حَتَّى يَأْتِيَهُ ، وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِيمَنْ كَانَ أَسْلَمَ مِنْ قُضَاعَةَ وَبَنِي سُلَيْمٍ وَنَاسًا أَسْلَمُوا قَبْلَ ذَلِكَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَغْرِزَ رَايَتَهُ عِنْدَ أَدْنَى الْبُيُوتِ ، وَبِأَسْفَلِ مَكَّةَ: بَنُو بَكْرٍ ، وَبَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ وَهُذَيْلٌ ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنَ الْأَحَابِيشِ قَدِ اسْتَنْصَرَتْ بِهِمْ قُرَيْشٌ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يَكُونُوا بِأَسْفَلِ مَكَّةَ ، وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي كَتِيبَةِ الْأَنْصَارِ فِي مُقَدِّمَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَدَفَعَ سَعْدٌ رَايَتَهُ إِلَى قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، وَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَلَا يقَاتِلُونَ أَحَدًا إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُمْ ، وَأَمَرَهُمْ بِقَتْلِ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ مِنْهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ ، وَالْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذٍ ، وَابْنُ خَطَلٍ ، وَمِقْيَسِ بْنِ صُبَابَةَ أَحَدِ بَنِي لَيْثٍ وَهُوَ مِنْ كَلْبِ بْنِ عَوْفٍ ، وَأَمَرَ بِقَتْلِ قَيْنَتَيْنِ لِابْنِ خَطَلٍ كَانَتَا تُغَنِّيَانِ بِهِجَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَمَرَّتِ الْكَتَائِبُ يَتْلُو بَعْضُهَا بَعْضًا عَلَى أَبِي سُفْيَانَ وَحَكِيمٍ وَبُدَيْلٍ لَا تَمُرُّ عَلَيْهِمْ كَتِيبَةٌ إِلَّا سَأَلُوا عَنْهَا حَتَّى مَرَّتْ عَلَيْهِمْ كَتِيبَةُ الْأَنْصَارِ فِيهَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ، فَنَادَى سَعْدٌ أَبَا سُفْيَانَ ، فَقَالَ: الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ . الْيَوْمُ تُسْتَحَلُّ الْحُرُمَةُ . فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِأَبِي سُفْيَانَ فِي الْمُهَاجِرِينَ ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَمَرْتَ بِقَوْمِكَ أَنْ يُقْتَلُوا ؟ فَإِنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ وَمَنْ مَعَهُ حِينَ مَرُّوا بِي نَادَانِي سَعْدٌ فَقَالَ: الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ . الْيَوْمُ تُسْتَحَلُّ الْحُرُمَةُ . وَإِنِّي أُنَاشِدُكَ اللَّهَ فِي قَوْمِكَ ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَعَزَلَهُ ، وَجَعَلَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ مَكَانَهُ عَلَى الْأَنْصَارِ مَعَ الْمُهَاجِرِينَ ، فَسَارَ الزُّبَيْرُ بِالنَّاسِ حَتَّى وَقَفَ بِالْحَجُونِ وَغَرَزَ بِهَا رَايَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَانْدَفَعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ حَتَّى دَخَلَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ فَلَقِيَتْهُ بَنُو بَكْرٍ فَقَاتَلُوهُ فَهُزِمُوا ، وَقُتِلَ مِنْ بَنِي بَكْرٍ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ رَجُلًا ، وَمِنْ هُذَيْلٍ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ ، وَانْهَزَمُوا وَقُتِلُوا بِالْحَزْوَرَةِ حَتَّى بَلَغَ قَتَلُهُمْ بَابَ الْمَسْجِدِ ، وَفَرَّ بَعْضُهُمْ حَتَّى دَخَلُوا الدُّورَ ، وَارْتَفَعَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ عَلَى الْجِبَالِ ، وَأَتْبَعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِالسُّيُوفِ ، وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَأُخْرَيَاتِ النَّاسِ ، وَصَاحَ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ: مَنْ أَغْلَقَ دَارَهُ وَكَفَّ يَدَهُ فَهُوَ آمِنٌ ، فَقَالَتْ لَهُ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ وَهِيَ امْرَأَتُهُ: قَبَّحَكَ اللَّهُ مِنْ طَلِيعَةِ قَوْمٍ وَقَبَّحَ عَشِيرَتَكَ مَعَكَ ، وَأَخَذَتْ بِلِحْيَةِ أَبِي سُفْيَانَ وَنَادَتْ: يَا آلَ غَالِبٍ ، اقْتُلُوا الشَّيْخَ الْأَحْمَقَ ، هَلَّا قَاتَلْتُمْ وَدَفَعْتُمْ عَنْ أَنْفُسِكُمْ وَبِلَادِكُمْ ، فَقَالَ لَهَا أَبُو سُفْيَانَ: وَيْحَكِ اسْكُتِي ، وَادْخُلِي بَيْتَكِ فَإِنَّهُ جَاءَنَا بِالْخَلْقِ ، وَلَمَّا عَلَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ثَنِيَّةَ كَدَاءٍ نَظَرَ إِلَى الْبَارِقَةِ عَلَى الْجَبَلِ مَعَ فَضَضِ الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ:"مَا هَذَا ؟ وَقَدْ نَهَيْتُ عَنِ الْقِتَالِ"، فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: نَظُنُّ أَنَّ خَالِدًا قُوتِلَ وَبُدِئَ بِالْقِتَالِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ أَنْ يُقَاتِلَ مَنْ قَاتَلَهُ ، وَمَا كَانَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِيَعْصِيَكَ وَلَا يُخَالِفَ أَمْرَكَ ، فَهَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الثَّنِيَّةِ فَأَجَازَ عَلَى الْحَجُونِ ، فَانْدَفَعَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ حَتَّى وَقَفَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ ، وَجُرِحَ رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ أَخُو بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ ، وَحُبَيْشُ بْنُ خَالِدٍ وَخَالِدٌ يُدْعَى الْأَشْعَرَ وَهُوَ أَحَدُ بَنِي كَعْبٍ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَئِذٍ فِي قَتْلِ النَّفِيرِ أَنْ يُقْتَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ وَكَانَ قَدِ ارْتَدَّ بَعْدَ الْهِجْرَةِ كَافِرًا ، فَاخْتَبَأَ حَتَّى اطْمَأَنَّ النَّاسُ ، ثُمَّ أَقْبَلَ يُرِيدُ أَنْ يُبَايِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ لِيَقُومَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ لِيَقْتُلَهُ ، فَلَمْ يَقُمْ إِلَيْهِ أَحَدٌ وَلَمْ يَشْعُرُوا بِالَّذِي كَانَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: لَوْ أَشَرْتَ إِلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَضَرَبْتُ عُنُقَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"لَا تَفْعَلْ ذَلِكَ"، وَيُقَالُ: أَجَارَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَانَ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، وَقُتِلَتْ إِحْدَى الْقَيْنَتَيْنِ وَكُتِمَتِ الْأُخْرَى حَتَّى اسْتُؤْمِنَ لَهَا . وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ ، زَعَمُوا بِمِحْجَنٍ ، وَكَثُرَ النَّاسُ حَتَّى امْتَلَأَ الْمَسْجِدُ وَاسْتَكَفَّ الْمُشْرِكُونَ يَنْظُرُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابِهِ ، فَلَمَّا قَضَى طَوَافَهُ نَزَلَ ، وَأُخْرِجَتِ الرَّاحِلَةُ ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى زَمْزَمَ فَاطَّلَعَ فِيهَا وَقَالَ:"لَوْلَا أَنْ تُغْلَبَ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى سِقَايَتِهِمْ لَنَزَعْتُ مِنْهَا بِيَدِي دَلْوًا"ثُمَّ انْصَرَفَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ قَرِيبًا مِنَ الْمَقَامِ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَكَانَ الْمَقَامُ ، زَعَمُوا ، لَاصِقًا بِالْكَعْبَةِ . فَأَخَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَكَانَهُ هَذَا ، وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِسَجْلٍ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ فَشَرِبَ ، وَتَوَضَّأَ وَالْمُسْلِمُونَ يَبْتَدِرُونَ وَضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَصُبُّونَهُ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَالْمُشْرِكُونَ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ يَتَعَجَّبُونَ وَيَقُولُونَ: مَا رَأَيْنَا مُلْكًا قَطُّ بَلَغَ هَذَا وَلَا سَمِعْنَا بِهِ . وَمَرَّ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ عَامِدًا لِلْبَحْرِ ، وَأَقْبَلَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبِ بْنِ خَلَفٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُؤَمِّنَ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ ، وَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ هَرَبَ فَارًّا نَحْوَ الْبَحْرِ ، وَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يُهْلِكَ نَفْسَهُ ، فَأَرْسِلْنِي إِلَيْهِ بِأَمَانٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَإِنَّكَ قَدْ أَمَّنْتَ الْأَحْمَرَ وَالْأَسْوَدَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"أَدْرِكِ ابْنَ عَمِّكَ فَهُوَ آمِنٌ". ، فَطَلَبَهُ عُمَيْرٌ فَأَدْرَكَهُ ، فَقَالَ: قَدْ أَمَّنَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ لَا وَاللَّهِ لَا أُقِرُّ لَكَ حَتَّى أَرَى عَلَامَةً بِأَمَانٍ أَعْرِفُهَا ، فَقَالَ عُمَيْرٌ: امْكُثْ مَكَانَكَ حَتَّى آتِيَكَ بِهَا ، فَرَجَعَ عُمَيْرٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ: إِنَّ صَفْوَانَ أَبَى أَنْ يُوقِنَ لِي حَتَّى يَرَى مِنْكَ آيَةً يَعْرِفُهَا ، فَانْتَزَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بُرْدَ حَبَرَةٍ كَانَ مُعْتَجِرًا بِهَا حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ ، فَدَفَعَهُ إِلَى عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ ، فَلَمَّا رَأَى صَفْوَانُ الْبُرْدَ أَيْقَنَ وَاطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ وَأَقْبَلَ مَعَ عُمَيْرٍ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ صَفْوَانُ: أَعْطَيْتَنِي مَا يَقُولُ هَذَا مِنَ الْأَمَانِ ؟ قَالَ:"نَعَمْ". ، قَالَ: اجْعَلْ لِي شَهْرًا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"بَلْ لَكَ شَهْرَانِ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَكَ". وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: نَادَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - صَفْوَانَ وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَمَّنْتَنِي كَمَا قَالَ هَذَا ؟ إِنْ رَضِيتَ وَإِلَّا سَيَّرْتَنِي شَهْرَيْنِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"انْزِلْ أَبَا وَهْبٍ ، قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَنْزِلُ حَتَّى تُبَيِّنَ لِي ، قَالَ:"فَلَكَ تَسِيرُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ". وَأَقْبَلَتْ أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَهِيَ مُسْلِمَةٌ يَوْمَئِذٍ ، وَكَانَتْ تَحْتَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَاسْتَأْذَنَتْهُ فِي طَلَبِ زَوْجِهَا ، فَأَذِنَ لَهَا وَأَمَّنَهُ ، فَخَرَجَتْ بِعَبْدٍ لَهَا رُومِيٍّ فَأَرَادَهَا عَلَى نَفْسِهَا ، فَلَمْ تَزَلْ تُمَنِّيهِ وَتُقَرِّبُ لَهُ حَتَّى قَدِمَتْ عَلَى نَاسٍ مِنْ عَكٍّ ، فَاسْتَغَاثَتْ بِهِمْ عَلَيْهِ فَأَوْثَقُوهُ لَهَا ، وَأَدْرَكَتْ زَوْجَهَا ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عِكْرِمَةَ وَثَبَ إِلَيْهِ فَرِحًا وَمَا عَلَيْهِ رِدَاءٌ حَتَّى بَايَعَهُ وَأَدْرَكَتْهُ امْرَأَتُهُ بِتِهَامَةَ ، فَأَقْبَلَ مَعَهَا وَأَسْلَمَ . وَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ حِينَ هُزِمَتْ بَنُو بَكْرٍ عَلَى امْرَأَتِهِ فَارًّا ، فَلَامَتْهُ وَعَجَّزَتْهُ وَعَيَّرَتْهُ بِالْفِرَارِ ، فَقَالَ:"
وَأَنْتِ لَوْ رَأَيْتِنَا بِالْخَنْدَمَهْ إِذْ فَرَّ صَفْوَانٌ وَفَرَّ عِكْرِمَةْ
وَلَحِقَتْنَا بِالسُّيُوفِ الْمُسْلِمَةْ يَقْطَعْنَ كُلَّ سَاعِدٍ وَجُمْجُمَهْ
لَمْ تَنْطِقِي فِي اللَّوْمِ أَدْنَى كَلِمَةْ
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَهَا حِمَاسٌ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ . قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ:"لِمَ قَاتَلْتَ وَقَدْ نَهَتْيُكَ عَنِ الْقِتَالِ"؟ ، فَقَالَ: هُمْ بَدَءُونَا بِالْقِتَالِ ، وَوَضَعُوا فِينَا السِّلَاحَ وَأَشْعَرُونَا بِالنَّبْلِ ، وَقَدْ كَفَفْتُ يَدِي مَا اسْتَطَعْتُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"قَضَاءُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرٌ". قَالَ: وَكَانَ دُخُولُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ وَالْفَتْحُ فِي رَمَضَانَ سَنَةِ ثَمَانٍ" [1] "
وعَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ إِنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ مِمَّا عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلُ أَخْبَاءٍ - أَوْ خِبَاءٍ - أَحَبَّ إِلَىَّ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ أَخْبَائِكَ - أَوْ خِبَائِكَ ، شَكَّ يَحْيَى - ثُمَّ مَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ أَهْلُ أَخْبَاءٍ - أَوْ خِبَاءٍ - أَحَبَّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ أَخْبَائِكَ أَوْ خِبَائِكَ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « وَأَيْضًا وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ » . قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ ، فَهَلْ عَلَىَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِى لَهُ قَالَ « لاَ إِلاَّ بِالْمَعْرُوفِ » . [2]
(1) - دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ لِلْبَيْهَقِيِّ (1782) حسن مرسل
(2) - صحيح البخارى ( 6641 )