فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 522

وَمن الْمَعْلُوم: أَن قِلال هجر كَانَت مَعْرُوفَة عِنْدهم ، مَشْهُورَة ، يدل عَلَيْهِ حَدِيث أبي ذَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، الثَّابِت فِي «الصَّحِيحَيْنِ» ، أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - (أخْبرهُم) لَيْلَة الإِسراء (فَقَالَ) : «رُفِعَتْ إليَّ سِدرْة الْمُنْتَهَى ، فَإِذا وَرقهَا مثل آذان الفيلة ، وَإِذا نَبِقُها مثل قِلال هَجَر» .

فعُلِم بِهَذَا: أنَّ القلال عِنْدهم مَعْلُومَة ، مَشْهُورَة ، وَكَيف يُظن أَن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - (يُحدد) لَهُم ، أَو يمثل لَهُم بِمَا لَا يعلمونه ، وَلَا يَهْتَدُونَ إِلَيْهِ ؟

قَالَ الشَّافِعِي: كَانَ مُسلم - يَعْنِي ابْن خَالِد الزنْجِي - يذهب إِلَى (أنَّ) ذَلِك الشَّيْء الْمَذْكُور فِي قَول ابْن جريج أقل (من نصف قربَة ، أَو نصف الْقرْبَة ، فَيَقُول: خمس قرب هُوَ أَكثر مَا يسع قُلَّتَيْنِ ، وَقد تكون) القلتان أقل من خمس .

قَالَ الشَّافِعِي: فالاحتياط أَن تكون [ الْقلَّة ] قربتين وَنصفا ، فَإِذا كَانَ المَاء خمس قرب لم يحملْ خبثًا ، فِي (جَرَيَان) ، أَو غَيره .

إلاَّ أَن يظْهر فِي المَاء ريح أَو طعم أَو لون .

قَالَ: وَقِرَب الْحجاز كبار ، فَلَا يكون المَاء الَّذِي لَا يحمل النَّجَاسَة إلاَّ بِقِرَبٍ كبار .

قلت: لِأَن الْقلَّة فِي اللُّغَة: الجرة الْعَظِيمَة ، الَّتِي يُقلها الْقوي من الرِّجَال ، أَي: يحملهَا و (يرفعها) . قَالَ الْخطابِيّ: قلال هجر مَشْهُورَة الصَّنْعَة ، مَعْلُومَة الْمِقْدَار ، لَا تخْتَلف كَمَا لَا تخْتَلف المكاييل والصيعان المنسوبة إِلَى الْبلدَانِ ، قَالَ: وقلال هجر أكبرها وأشهرها ؛ لأنَّ الْحَد لَا يَقع بِالْمَجْهُولِ .

وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد فِي «تَعْلِيقه» : قَالَ أَبُو إِسْحَاق ، إِبْرَاهِيم بن جَابر ، صَاحب «الْخلاف» : سَأَلت قوما من ثِقَات هجر ، فَذكرُوا أنَّ القلال بهَا لَا تخْتَلف ، وَقَالُوا: قايسنا الْقلَّتَيْنِ ، فوجدناهما خَمْسمِائَة رَطْل .

فَإِذا تقرر عنْدك مَا قَرَّرْنَاهُ ، ظهر لَك أنَّ الْعَمَل بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور مُتَعَيّن ، وَلَا جَهَالَة فِي مِقْدَار الْقلَّتَيْنِ .

فإنْ قُلْتَ: قد جَاءَ فِي آخر حَدِيث ابْن عمر ، الَّذِي ذكرته من طَرِيق ابْن عدي ، بعد قَوْله: «إِذا كَانَ المَاء قُلَّتَيْنِ من قلال هجر لَمْ يُنجِّسه شَيْء» .: «وَذكر (أَنَّهُمَا) فرقان» . فَلَا يَصح مَا قَرّرته ؛ لِأَن الْفرق: سِتَّة عشر رطلا ، فَيكون مَجْمُوع الْقلَّتَيْنِ: اثْنَان وَثَلَاثُونَ رطلا ، وَلَا تَقولُونَ بِهِ ؟

فَالْجَوَاب: أنَّ هَذِه اللَّفْظَة مدرجة فِي الحَدِيث ، جمعا بَينه وَبَين مَا قَرَّرْنَاهُ: من أَن قلال هجر لن تخْتَلف ، وأنهما خَمْسمِائَة رَطْل .

فَائِدَة: هَجَر: بِفَتْح الْهَاء وَالْجِيم ، قَرْيَة بِقرب الْمَدِينَة ، لَيست هجر الْبَحْرين . كَذَا قَالَه ابْن الصّلاح وَتَبعهُ النَّوَوِيّ .

وَحَكَى الْمُنْذِرِيّ فِي «حَوَاشِي السّنَن» قولا آخر: أَنَّهَا تُنسب إِلَى هجر الَّتِي بِالْيمن ، وَهِي قَاعِدَة الْبَحْرين .

وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْحَازِمِي فِي كتاب «الْمُخْتَلف والمؤتلف فِي أَسمَاء الْأَمَاكِن» : هجَر - بِفَتْح الْجِيم - الْبَلَد ، قَصَبَة بِبِلَاد الْبَحْرين ، بَينه إِلَى (سِرَّين) سَبْعَة أَيَّام ، والهجر: بلد بِالْيمن ، بَينه وَبَين (عثر) يَوْم وَلَيْلَة .

وَقَالَ أَبُو عبيد فِي «مُعْجَمه» : هَجَر - بِفَتْح أَوله وثانيه - مَدِينَة الْبَحْرين ، مَعْرُوفَة ، وَهِي مُعَرَّفة لَا يدخلهَا الْألف وَاللَّام ، وَهُوَ اسْم فَارسي ، مُعرب (أَصله) «هكر» ، وَقيل: إنَّما سمي (بهجر) بنت مِكْنَف من العماليق .

وَقَالَ ابْن دحْيَة فِي كِتَابه «التَّنْوِير فِي مولد السراج الْمُنِير» : هجر - وَيُقَال: الهجر بِالْألف وَاللَّام -: مَدِينَة جليلة ، قَاعِدَة الْبَحْرين ، بَينهَا وَبَين الْبَحْرين عشر مراحل .

وَقَالَ مُحَمَّد بن عمر بن وَاقد: هِيَ عَلَى ثَمَان لَيَال من مَكَّة إِلَى الْيمن ، مِمَّا يَلِي الْبَحْر . قَالَه فِي «مغازيه» .

وَمَا ذكره ابْن دحْيَة - أَولا - تبع فِيهِ صَاحب «الْمطَالع» ، (فَإِنَّهُ قَالَ) : وهجر مَدِينَة بِالْيمن ، وَهِي قَاعِدَة الْبَحْرين ، بِفَتْح الْهَاء وَالْجِيم ، وَيُقَال فِيهِ: الهجر بِالْألف وَاللَّام بَينهَا وَبَين الْبَحْرين عشر مراحل .

فَائِدَة أُخرى:

قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: «لم يحمل الْخبث» ، مَعْنَاهُ: لَمْ ينجس بِوُقُوع النَّجَاسَة فِيهِ . كَمَا فَسَّره فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ، الَّتِي (رَوَاهَا) أَبُو دَاوُد ، وَابْن حبَان ، وَغَيرهمَا: «إِذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ ، لم ينجس» .

وَهَذِه الرِّوَايَة: ذكرهَا الإِمام الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب الْآتِي ، وَهِي صَحِيحَة من غير شكّ وَلَا مرية ، لَا مطْعن لأحد فِي اتصالها ، وثقة رجالها . قَالَ يَحْيَى بن معِين: إسنادها جيد ، وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح .

وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: مَوْصُول . وَقَالَ الشَّيْخ زكي الدَّين: لَا غُبَار عَلَيْهِ .

وتقديرها: لَا يقبل النَّجَاسَة ، بل يَدْفَعهَا عَن نَفسه ، كَمَا يُقال: فلَان لايحمل الضَّيْم ، أَي: لَا يقبله ، وَلَا يصبر عَلَيْهِ ، (بل) يأباه .

وقَالَ النَّوَوِيّ: وَأما قَول بعض المانعين للْعَمَل بالقلتين: إِن مَعْنَاهُ أَنه يَضْعُف عَن حمله . (فخطأ) فَاحش من أوجه:

أَحدهَا: أَن الرِّوَايَة الْأُخْرَى مصرحة بغلطه ، وَهِي قَوْله: «لم ينجس» .

الثَّانِي: أَن الضعْف عَن الْحمل إِنَّمَا يكون فِي الْأَجْسَام ، كَقَوْلِك: فلانٌ لايحمل الْخَشَبَة ، أَي: يعجز عَنْهَا لثقلها . وَأما فِي الْمعَانِي فَمَعْنَاه: لَا يقبله ، كَمَا ذكرنَا .

ثَالِثهَا: أنَّ سِيَاق الْكَلَام يُفْسِدهُ ؛ لِأَنَّهُ لَو كَانَ المُرَاد: أَنه يضعف عَن حمله ، لم يكن للتَّقْيِيد بالقلتين مَعْنَى ، فإنَّ مَا دونهَا أولَى بذلك .

فَإِن قيل: هَذَا الحَدِيث مَتْرُوك الظَّاهِر بالإِجماع فِي الْمُتَغَيّر بِنَجَاسَة ؟

فَالْجَوَاب: أَنه عَام ، خص مِنْهُ الْمُتَغَيّر بِالنَّجَاسَةِ ، فَيَبْقَى الْبَاقِي (عَلَى) عُمُومه ، كَمَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد الْأُصُولِيِّينَ .

فإنْ قيل: هَذَا الحَدِيث (يحمل) عَلَى الْجَارِي .

فَالْجَوَاب: أَن الحَدِيث يتَنَاوَل الْجَارِي والراكد ، فَلَا يَصح تَخْصِيصه بِلَا دَلِيل اهـ

وهذا مثال آخر لمضطرب السند: عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَن عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ , مَا شَيَّبَكَ ؟ قَالَ: شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَالْوَاقِعَةُ وَالْمُرْسَلاَتُ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَ إذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ." [1] "

قال الدارقطني:"هذا مضطرب ،فإنه لم يُرْوَ إلا من طريق أبي اسحق ، وقد أُخْتُلِِفَ عليه فيه على نحو عشرة أوجه ، فمنهم من رواه مرسَلا ، ومنهم من رواه موصولًا ، ومنهم من جعله من مسند أبي بكر ، ومنهم من جعله من مسند سعد ، ومنهم من جعله من مسند عائشة، وغير ذلك ، ورواته ثقات لا يمكن ترجيح بعضهم على بعض والجمع متعذر ."

ومثال مضطرب المتن: ما في سنن الترمذى عَنْ شَرِيكٍ عَنْ أَبِى حَمْزَةَ عَنِ الشَّعْبِىِّ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ سَأَلْتُ أَوْ سُئِلَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الزَّكَاةِ فَقَالَ « إِنَّ فِى الْمَالِ لَحَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ » . ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِى فِى الْبَقَرَةِ: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} (177) سورة البقرة. [2]

ورواه ابن ماجه عَنْ شَرِيكٍ عَنْ أَبِى حَمْزَةَ عَنِ الشَّعْبِىِّ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّهَا سَمِعَتْهُ - تَعْنِى النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - - يَقُولُ « لَيْسَ فِى الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ » [3] . قال العراقي"فهذا اضطراب لا يحتمل التأويل".

مثال آخر: وفي علل الحديث [4] وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ ؛ رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَلَ بَيْتَ أُمِّ سَلَمَةَ ، فَرَأَى عِنْدَهَا مُخَنَّثًا الْحَدِيثُ [5]

قَالَ أَبِي: هَذَا خَطَأٌ ، اضْطَرَبَ فِيهِ حَمَّادٌ ، إِنَّمَا هُوَ هِشَامٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ

>وَلَيْسَ عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ،عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ إِلا ذَاكَ الْوَاحِدُ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ [6]

ومثالُ الاضطرابِ في السندِ أيضًا: ما رواهُ أبو داودَ ، وابنُ ماجه ، من روايةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ أَبِى عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ جَدِّهِ حُرَيْثِ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَخُطَّ خَطًّا ثُمَّ لاَ يَضُرُّهُ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ » .. [7]

وقدِ اختُلِفَ فيه على إسماعيلَ اختلافًا كثيرًا: فرواهُ بِشْرُ بنُ المُفضَّلِ ، ورَوْحُ بنُ القاسمِ عنه ، هكذا . ورواهُ سفيانُ الثوريُّ عنه ، عن أبي عمرِو بنِ حُريثٍ ، عن أبيهِ ، عن أبي هريرةَ . ورواهُ حُميدُ بنُ الأسودِ عنه، عن أبي عمرِو بنِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حريثٍ، عن جدِّهِ حريثِ بنِ سُليمٍ عن أبي هريرةَ . ورواهُ وُهَيبُ بنُ خالدٍ ، وعبدُ الوارثِ عنه ، عن أبي عمرِو بنِ حريثٍ ، عن جدِّهِ حريثٍ . ورواهُ ابنُ جُريجٍ عنه ، عن حريثِ بنِ عمّارٍ ، عن أبي هريرةَ . ورواه ذَوَّادُ بن عُلْبَةَ الحارثيُّ عنه، عن أبي عمرِو بنِ محمدٍ، عن جدِّهِ حريثِ بنِ سليمانَ . قالَ أبو زُرعةَ الدمشقيُّ: لا نعلمُ أحدًا بيَّنَهُ ونسبَهُ غيرُ ذَوَّادٍ . ورواه سفيانُ بنُ عُيينةَ عنهُ . فاختُلِفَ فيه على ابنِ عيينة . فقال ابنُ المدينيِّ: عن ابنِ عيينةَ ، عن إسماعيلَ ، عن أبي محمدِ بنِ عمرِو بنِ حريثٍ ، عن جدِّهِ حريثٍ رجلٍ من بني عُذْرةَ . قال سفيانُ: لم نجدْ شيئًا نشدُّ به هذا الحديثَ ، ولم يجئ إلاَّ مِنْ هذا الوجهِ . قال ابنُ المدينيِّ: قلتُ له: إنّهم يختلفونَ فيه فتفكَّرَ ساعةً . ثم قال ما أحفظُهُ إلاّ أبا محمدِ بنَ عمرٍو .

ورواه محمّدُ بنُ سلامٍ البِيكَنْديُّ ، عن ابنِ عيينَة ، مثلَ روايةِ بشرِ بنِ المفضّلِ ، ورَوْحٍ . ورواهُ مُسَدَّدٌ ، عن ابنِ عيينةَ ، عن إسماعيلَ ، عن أبي عمرِو بنِ حريثٍ ، عن أبيهِ ، عن أبي هريرةَ . ورواهُ عمّارُ بنُ خالدٍ الواسطيُّ ، عن ابنِ عيينة ، عن إسماعيلَ ، عن أبي عمرِو بنِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حريثٍ ، عن جَدِّهِ حريثِ بنِ سُليمٍ ، وفيه من الاضطرابِ غيرُ ما ذكرتُ . وهو المرادُ بقولي: ( كالخطِّ ) أي: كحديثِ الخَطِّ للسُّتْرةِ جَمُّ الخُلْفِ ، أي: هو كثيرُ الاختلافِ .

في البدر المنير [8] :

"هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم ، وَأحمد فِي «الْمسند» ، وَأَبُو دَاوُد ، وَابْن مَاجَه فِي «سنَنَيْهِمَا» ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي (كِتَابيه) الْمعرفَة» و «السّنَن» من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة ، رَوَاهُ الشَّافِعِي ، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة (، عَن أبي مُحَمَّد بن عَمْرو بن حُرَيْث ، عَن جده حُرَيْث ، عَن أبي هُرَيْرَة ، وَرَوَاهُ) أَحْمد ، عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة بِهِ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، عَن مُسَدّد ، عَن بشر بن الْمفضل ، عَن إِسْمَاعِيل . وَرَوَاهُ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن فَارس ، عَن عَلّي بن الْمَدِينِيّ (عَن) سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِهِ . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن (بكر) بن خلف [ عَن ] حميد بن الْأسود (و) عَن عمار بن (خَالِد) ، عَن سُفْيَان بِهِ . وَرَوَاهُ ابْن حبَان ، عَن أبي يعْلى ، عَن أبي خَيْثَمَة [ عَن سُفْيَان ] عَن إِسْمَاعِيل بِهِ . وَرَوَاهُ أَيْضا عَن أبي يعْلى ، عَن [ مُحَمَّد ] بن الصَّباح الدُّولابي ، عَن مُسلم بن خَالِد ، [ عَن إِسْمَاعِيل ابْن أُميَّة ] عَن أبي مُحَمَّد بن عَمْرو بن حُرَيْث ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، عَن أبي هُرَيْرَة . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن أبي سعيد ، عَن أبي بَحر ، عَن بشر بن مُوسَى ، عَن الْحميدِي ، عَن سُفْيَان كَمَا سلف ."

وَاخْتلف الْحفاظ فِي هَذَا الحَدِيث: فصححه جمَاعَة مِنْهُم أَحْمد وَعلي بن الْمَدِينِيّ نَقله عَنْهُمَا ابْن عبد الْبر فِي (استذكاره) وَعبد الْحق فِي «أَحْكَامه» ، وَمِنْهُم أَبُو حَاتِم بن حبَّان ؛ فَإِنَّهُ أخرجه فِي «صَحِيحه» كَمَا سلف ثمَّ قَالَ: عَمْرو بن حُرَيْث هَذَا شيخ من أهل الْمَدِينَة رَوَى عَنهُ سعيد المَقْبُري ، وَابْنه أَبُو مُحَمَّد يروي عَن جده . قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا بِعَمْرو بن حُرَيْث المَخْزُومِي ذَاك لَهُ صُحْبَة ، وَهَذَا عَمْرو بن حُرَيْث بن عمَارَة من بني عذرة سمع أَبُو مُحَمَّد عَمْرو بن حُرَيْث جدَّهُ حُرَيْث (بن عمَارَة) ، عَن أبي هُرَيْرَة ، وَذكره أَيْضا فِي «ثقاته» فَقَالَ: عَمْرو بن حُرَيْث المَخْزُومِي الَّذِي رَوَى عَن (ابْن) عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة وَرَوَى عَنهُ سعيد بن سعيد المَقْبُري وَأهل مصر . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : رَفعه صَحِيح ، قَالَ ذَلِك بعد أَن ذكر الِاخْتِلَاف (فِي إِسْنَاده وَفِي «أَحْكَام عبد الْحق» و) «إقليد» ابْن الفركاح عَنهُ (أَنه) رَوَى حَدِيث الصَّلَاة (إِلَى) الْخط عَن أبي هُرَيْرَة من طرق ؛ وَلَا تصح وَلَا تثبت .

قلت: وَضَعفه آخَرُونَ . رَوَى أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ: لم نجد شَيْئا نَشد بِهِ هَذَا الحَدِيث ، و (لم) يجِئ إِلَّا من هَذَا الْوَجْه ، وَقَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ: قلت لِسُفْيَان: إِنَّهُم يَخْتَلِفُونَ فِيهِ بَعضهم يَقُول: أَبُو عَمْرو بن مُحَمَّد ، وَبَعْضهمْ يَقُول: أَبُو مُحَمَّد بن عَمْرو (فتفكَّر سُفْيَان سَاعَة ، ثمَّ قَالَ: مَا أحفظ إِلَّا أَبَا مُحَمَّد بن عَمْرو . قلت لِسُفْيَان: وَابْن جريج يَقُول: أَبُو مُحَمَّد بن عَمْرو) فَسكت سُفْيَان سَاعَة ، ثمَّ قَالَ: قدم هُنَا رجل بعد مَا مَاتَ إِسْمَاعِيل بن أُميَّة ، فَطلب هَذَا الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد حَتَّى وجده (فَسَأَلَهُ) عَنهُ فخلط عَلَيْهِ . قَالَ سُفْيَان: وَكَانَ إِسْمَاعِيل إِذا حدث بِهَذَا الحَدِيث يَقُول: عنْدكُمْ شَيْء تشدونه بِهِ وَأَشَارَ الإِمَام الشَّافِعِي إِلَى ضعفه وَقد كَانَ احْتج بِهِ فِي الْقَدِيم وَسنَن حَرْمَلَة ، وَتوقف فِيهِ فِي الْجَدِيد فَقَالَ فِي (كتاب) الْبُوَيْطِيّ: وَلَا يخط المصلِّي بَين يَدَيْهِ خطًّا ، إِلَّا أَن يكون فِي ذَلِك حَدِيث ثَابت ، فَيتبع . فَكَأَنَّهُ اطلع بعد ذَلِك عَلَى مَا نقل من الِاخْتِلَاف في إِسْنَاده . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا الحَدِيث قد أَخذ بِهِ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم ، وَسنَن حَرْمَلَة ، وَتوقف فِيهِ فِي الْجَدِيد . قَالَ: وَإِنَّمَا توقف فِيهِ لاخْتِلَاف الروَاة عَلَى إِسْمَاعِيل بن أُميَّة فِي أبي مُحَمَّد بن عَمْرو بن حُرَيْث ؛ فَقيل هَكَذَا ، وَقيل: عَن أبي عَمْرو بن مُحَمَّد بن حُرَيْث ، عَن جده ، وَقيل: عَن أبي عَمْرو بن حُرَيْث ، عَن أَبِيه ، وَقيل غير ذَلِك .

وَقَالَ عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» : صحّح أَحْمد بن حَنْبَل وَعلي بن الْمَدِينِيّ هَذَا الحَدِيث ، وضعَّفه غَيرهمَا من أجْلِ رِوَايَة أبي عَمْرو بن مُحَمَّد (بن عَمْرو) بن حُرَيْث ، وَيُقَال: أَبُو مُحَمَّد بدل أبي عَمْرو ، عَن جده حُرَيْث ، وَلم يقل مَالك وَلَا أَبُو حنيفَة وَلَا اللَّيْث بالخطِّ ، ثمَّ نقل مقَالَة الدَّارَقُطْنِيّ السالفة عَنهُ ، و (لما) ذكر ابْن الصَّلاح فِي علومه نوع المضطرب وَقَالَ: إِنَّه مُوجب ضعف الحَدِيث ؛ لإشعاره بِعَدَمِ الضَّبْط ، مَثَّلَهُ بِالْحَدِيثِ ، وَقَالَ: رَوَاهُ عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة ، عَن عَمْرو بن مُحَمَّد بن حُرَيْث ، عَن جده حُرَيْث ، عَن أبي هُرَيْرَة . فَرَوَاهُ بشر بن الْمفضل وروح بن الْقَاسِم ، عَن إِسْمَاعِيل هَكَذَا ، وَرَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ (عَنهُ) ، عَن أبي عَمْرو بن حُرَيْث ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة .

وَرَوَاهُ حميد بن الْأسود (عَن إِسْمَاعِيل) ، عَن أبي عَمْرو مُحَمَّد بن حُرَيْث بن سليم ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة . وَرَوَاهُ وهيب وَعبد الْوَارِث ، عَن إِسْمَاعِيل ، عَن أبي عَمْرو بن حُرَيْث ، عَن جدِّه حُرَيْث . وَقَالَ عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج: سمع إِسْمَاعِيل عَن حُرَيْث بن عمَارَة . قَالَ: وَفِيه من الِاضْطِرَاب أَكثر من هَذَا .

قلت: من صحَّحه كَأَنَّهُ لم ير هَذَا الِاضْطِرَاب قادحًا . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو سَلمَة ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا «إِذا صَلَّى أحدكُم فَليصل إِلَى شَجَرَة ، أَو إِلَى بعير ، فَإِن لم يجد ، فليخط خطا ، ثمَّ لَا يضرّهُ من مر وَرَاءه» .

قَالَ: وَرَوَى أَيْضا (مَوْقُوفا عَلَى) أبي هُرَيْرَة ، والْحَدِيث لَا يثبت . وَضَعفه من الْمُتَأَخِّرين النَّوَوِيّ فَقَالَ فِي «شرح المهذَّب» : هَذَا الحَدِيث قَالَ فِيهِ الْبَغَوِيّ وَغَيره: إِنَّه ضَعِيف ، ثمَّ نقل كَلَام الْبَيْهَقِيّ السالف فِيهِ ، ثمَّ قَالَ: وَقَالَ غير الْبَيْهَقِيّ: هُوَ ضَعِيف لاضطرابه ، وَقَالَ فِي «خلاصته» : قَالَ الْحفاظ: (هُوَ ضَعِيف لاضطرابه ، وَذكره الْمُنْذِرِيّ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب وَضَعفه . قَالَ الْبَيْهَقِيّ) وَلَا بَأْس بِالْعَمَلِ بِهَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الحكم - إِن شَاءَ الله - أَي يخْتَار مَشْرُوعِيَّة الْخط عِنْد عدم الستْرَة .

(1) -دلائل النبوة للبيهقي - (ج 1 / ص 358) برقم (327 ) ومصنف ابن أبي شيبة مرقم ومشكل - (ج 11 / ص 10) برقم (30261) وصحيح الجامع ( 3723) وهو حديث صحيح رغم إعلاله وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 203)

(2) - برقم (661 ) وطبرى 2/57 وهق 4/84 والإتحاف 4/105 وعدى 4/1328 وقط 2/125 وكثير 1/98 ومعانى 2/27 وتخ 3/90 والنيل 8/155 وقواه

(3) - برقم (1861 ) وفي السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي - (ج 4 / ص 84) برقم (7493) قال عقبه: فَهَذَا حَدِيثٌ يُعْرَفُ بِأَبِى حَمْزَةَ: مَيْمُونٍ الأَعْوَرِ كُوفِىٌّ وَقَدْ جَرَحَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فَمَنْ بَعْدَهُمَا مِنْ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ. وَالَّذِى يَرْوِيهِ أَصْحَابُنَا فِى التَّعَالِيقِ لَيْسَ فِى الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ فَلَسْتُ أَحْفَظُ فِيهِ إِسْنَادًا وَالَّذِى رُوِّيتُ فِى مَعْنَاهُ مَا قَدَّمْتُ ذِكْرَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.""

قلت:صحح بعض الأئمة وقفه على بعض الصحابة والتابعين وورد عكسه وهو ليس في المال حق سوى الزكاة وفى سنده ضعف وفى معناه: إذا أديت زكاة مالك فقد ذهب عنك شره --- هق 4/84 صحيح والجمع بينهما سهل ميسور بإذن الله ،فالحديث الثانى محمول على الحالة العادية للمسلمين حيث أن زكاة المال ونحوها من موارد الدولة الإسلامية تكفى حاجة الفقراء والمساكين .

والحديث الأول يحمل على الأحوال الطارئة: حروب كوارث طبيعية --- حيث زكاة المال لا تكفى لسد مثل هذه الضروريات فيجوز لولى الأمر العادل أخذ ما يحتاج إليه الفقراء أو الجهاد -- من فضول أموال الأغنياء -- وهذا ما قاله كثير من علماء السلف والخلف وهو الحق ، انظر الفيض 2/472 و 473 ، ومشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام للقرضاوى

(4) - برقم (2200)

(5) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 7 / ص 405) برقم (8218 ) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن دَاوُدَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بن بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بن عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بن أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - دَخَلَ بَيْتَ أُمِّ سَلَمَةَ فَرَأَى عِنْدَهُمْ مُخَنَّثًا، وَهُوَ يَقُولُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بن أَبِي أُمَيَّةَ، لَوْ قَدْ فُتِحَتِ الطَّائِفُ لأَرَيْتُكَ بَادِيَةَ بنتِ غَيْلانَ، وَهِي تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ، وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"لا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُمْ هَؤُلاءِ"

(6) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 7 / ص 402) برقم (8207 ) حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بن إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بن أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، وَوَكِيعٌ، وَعَبْدَةُ بن سُلَيْمَانَ، وَأَبُو أُسَامَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ بن عَيَّاشٍ، عَنْ هِشَامِ بن عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بن أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -"يُصَلِّي فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا".وهو حديث صحيح

(7) - انظر المسند الجامع - (ج 16 / ص 1252) (12971)

(8) - البدر المنير - (ج 4 / ص 198) فما بعد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت