فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 522

قَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» : وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَار ؛ لِأَنَّهُ وَإِن لم يثبت الحَدِيث فَفِيهِ تَحْصِيل حَرِيم للْمُصَلِّي . قَالَ: وَقد اتّفق الْعلمَاء عَلَى الْعَمَل بِالْحَدِيثِ (الضَّعِيف) فِي فَضَائِل الْأَعْمَال دون الْحَلَال وَالْحرَام ، وَهَذَا من نَحْو فَضَائِل الْأَعْمَال .

فَائِدَة: اخْتلف الْعلمَاء فِي كَيْفيَّة الْخط: فَقَالَ الإِمَام أَحْمد والْحميدِي شيخ البُخَارِيّ وَصَاحب الشَّافِعِي: يَجعله مثل الْهلَال .

وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» : سَمِعت مُسَددًا يَقُول: قَالَ (ابْن) دَاوُد: الْخط (بالطول) ، وَقَالَ صَاحب الْمُهَذّب: يخط بَين يَدَيْهِ خطا إِلَى الْقبْلَة ، وَقَالَ غَيره: يخط يَمِينا وَشمَالًا كالجنازة .. اهـ

قلت: وقال الحافظ ابن حجر [1] :

"أتقن هذه الرِّوَايات: رِوَاية بِشْر وروح, وأجمعها رِوَاية حُميد بن الأسْود, ومن قال: أبو عَمرو بن مُحمَّد أرجح مِمَّن قال: أبو محمَّد بن عَمرو, فإنَّ رُواة الأوَّل أكثر, وقد اضْطَربَ من قال: أبو مُحمَّد, فمَرَّة وافق الأكثرين, فتلاشى الخلاف."

قال: والَّتي لا يُمكن الجمع بينها رِوَاية من قال: أبو عَمرو بن حُرَيث, مع رِوَاية من قال: أبو محمَّد بن عَمرو بن حُريث, ورِوَاية من قال: حُرَيث بن عمَّار, وما في الرِّوَايات يمكن الجمعُ بينها, فرِوَاية من قال: عن جدِّه لا تُنَافي من قال: عن أبيه, لأنَّ غايتهُ أنَّه أسقطَ الأب, فتبيَّن المُرَاد برواية غيره, ورِوَاية من قال: عن أبي عَمرو بن مُحمَّد بن عَمرو بن حُريث يدخل في الأثناء عَمْرًا, لا تُنَافي من أسْقَطه, لأنَّهم يكثرون نسبة الشَّخص إلى جدِّه المشهور, ومن قال: سليم, يمكن أن يكون اختصره من سليمان كالترخيم.

قال: والحق أنَّ التَّمثيل لا يليق إلاَّ بحديث لولا الاضْطراب لم يضعف, وهذا الحديث لا يَصْلح مِثَالًا, فإنَّهم اختلفُوا في ذاتٍ واحدة, فإن كان ثقة لم يضر هذا الاختلاف في اسمه أو نسبه, وقد وجد مثل ذلك في الصَّحيح, ولهذا صحَّحه ابن حبَّان (606) , لأنَّه عندهُ ثقة, ورجَّح أحد الأقوال في اسْمهِ واسم أبيه, وإن لم يَكُن ثقة, فالضَّعف حاصل بغير جهة الاضْطراب, نعم يَزْداد به ضَعْفًا.

قال: ومثل هذا يدخُل في المُضْطرب لِكَوْن رُواته اختلفُوا, ولا مُرجِّح, وهو وارد على قولهم الاضْطراب يُوجب الضعف.""

والصورة الثانية: التردد في الإسناد أو المتن من الراوي المعين ، فيقال: ( كان فلان يضطرب فيه فتارة يقول كذا ، وتارة يقول كذا ) .

مثاله: ما أخرجه الترمذي [2] من طريق شعبة بن الحجاج أَخْبَرَنِى ابْنُ أَبِى لَيْلَى عَنْ أَخِيهِ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى عَنْ أَبِى أَيُّوبَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلْيَقُلِ الَّذِى يَرُدُّ عَلَيْهِ يَرْحَمُكَ اللَّهُ وَلْيَقُلْ هُوَ يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ » . .

قال الترمذي [3] :"كَانَ ابْنُ أَبِى لَيْلَى يَضْطَرِبُ فِى هَذَا الْحَدِيثِ يَقُولُ أَحْيَانًا عَنْ أَبِى أَيُّوبَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - وَيَقُولُ أَحْيَانًا عَنْ عَلِىٍّ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - .".

قلتُ: وابن ليلى هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى أبو عبد الرحمن صدوق سيء الحفظ جدا. [4]

وفي هذا أن اضطراب الراوي المعين في أحاديثه من أسباب ضعفه في حفظه ، والحديث الذي اضطرب فيه يعلُّ من جهة لين ذلك الراوي في حفظه ، ومن جهة اضطرابه في تلك الرواية .

وربما وقع الاضطراب من الثقة ، لكن يكون قليلًا إلى جنب ما روى ، فمثله يوجب احتياطًا ومزيد تحرٍّ قبل تسليم قبول روايته ، وذلك بتتبع طرق حديثه المعين ، فإن سلِم من الاختلاف المؤثر فهو صحيح الحديث ؛ إعمالًا لما ترجح من الثقة المقتضية لضبطه .

مثال هؤلاء ( عبد الملك بن عمير ) ، فهو ثقة ، وقد ذكر بذلك ، قال أحمد بن حنبل:"مضطرب الحديث جدا مع قلة حديثه ، ما أرى له خمس مئة حديث ، وقد غلط في كثير منها"، وقال يحيى بن معين:"مخلط" [5] وهو يريد هذا المعنى .

واضطرابه بينه أحمد بن حنبل في رواية أخرى عنه ، فقال:"يختلف عليه الحفاظ" [6] .

قلتُ: وهذا يعني أن ما لم يختلف عليه فيه فهو من صحيح حديثه ، وما اختلف عليه فيه اختلافًا غير قادح على أي وجوهه كان ، فهو كذلك من صحيح حديثه ، وما كان منه غير ذلك فهو مما يعلُّ باضطرابه فيه ، ويضعف لذلك .

وقد يقع الاضطراب للرواي الثقة في روايته عن شيخ معين لا مطلقًا .

وذلك كقول أحمد بن حنبل في ( محمد بن عجلان ) :"ثقة"، فقيل له: إن يحيى ( يعني القطان ) قد ضعفه ؟ قال:"كان ثقة ، إنما اضطرب عليه حديث المقبري ، كان عن رجل ، جعل يصيره عن أبي هريرة" [7] .

قلت: فمثل هذا إن قدح في حديث الراوي ، فإنه لا يقدح إلا فيما رواه عن ذلك الشيخ ، على أن ابن عجلان لم يضرَّ حديثه عن المقبري أنه اضطرب فيه خلافًا لما قد يفهم من جرح يحيى القطان ؛ لأن اضطرابه من جهة أن سعيدًا المقبري كان يروي عن أبيه عن أبي هريرة ، وسمع كذلك من أبي هريرة ، فذكر ابن عجلان عن نفسه أنها اختلطت عليه ، فجعلها جميعًا عن سعيد عن أبي هريرة ، فما ذكر فيه من روايته عن سعيد: ( عن أبيه ) فهو مثل صحيح ، وما لم يذكر ( عن أبيه ) فإما أن يكون سعيد بين سماعه من أبي هريرة ، وإما أن يكون رواه بالعنعنة ، فإن كان مبين السماع فهو كذلك متصل ، وما لم يبين فإن وافق ابن عجلان عليه غيره ، فهو متصل ، وإلا وردت عليه مظنة الانقطاع بين سعيد وأبي هريرة ، وإذا احتملنا فيه سقوط الواسطة فهو منقطع مظنة ، لكن حيث علمنا الواسطة المظنون سقوطها وهي ( أبو سعيد المقبري ) وهو ثقة ، فلك أن تقول: عاد الإسناد إلى أن يكون صحيحًا للعلم بالساقط المتعين كونه ثقة . اهـ [8]

5-مِمَّن يقع الاضطراب ؟

أ) قد يقع الاضطراب من راو واحد، بأن يَرْوِي الحديث على أوجه مختلفة.

ب) وقد يقع الاضطراب من جماعة، بأن يَرْوِي كل منهم الحديث على وجه يخالف رواية الآخرين.

6-سبب ضعف المضطرب:

وسبب ضعف المضطرب أن الاضطراب يُشْعِر بعدم ضبط رواته .

7_ أشهر المصنفات فيه:

كتاب"المُقْتَرِب في بيان المضطرب"للحافظ ابن حجر .

ـــــــــــــــ

(1) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 202)

(2) - سنن الترمذى (2960 )

(3) - سنن الترمذى (2961)

(4) - محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي القاضي أبو عبد الرحمن صدوق سيء الحفظ جدا من السابعة مات سنة ثمان وأربعين 4 .تقريب التهذيب [ ج 1 - ص 493 ] (6081 )

(5) - الجرح والتعديل ، لابن أبي حاتم ( 2 / 2 / 361 ) .

(6) - الجرح والتعديل ( 2 / 2 / 360 _ 361 ) ، أي: أنَّ الرواة الثقات المتقنين إذا رووا عنه يذْكرون في رواياته اختلافًا ، وذلك من جهته لا من جهتهم ؛ لحفظهم .

(7) - العلل ، رواية أبي بكر المروذي وغيره ( النص: 162 ) .

(8) - تحرير علوم الحديث لعبدالله الجديع - (ج 3 / ص 251)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت