وعن عَبْدِ اللَّهِ بنِ حَسَّانٍ الْعَنْبَرِيُّ أبي الْجُنَيْدِ، أَخُو بني كَعْبٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَتْنِي جَدَّتَايْ: صَفِيَّةُ، وَدُحَيْبَةُ ابْنَتَا عُلَيْبَةَ، وَكَانَتَا رَبِيبَتَيْ قَيْلَةَ، أَنَّ قَيْلَةَ بنتَ مَخْرَمَةَ حَدَّثَتْهُمَا:أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ حَبِيبِ بن أَزْهَرَ أَخِي بني جَنَابٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ النِّسَاءَ، ثُمَّ تُوُفِّيَ، فَانْتَزَعَ بناتَهَا مِنْهَا ثْوَبُ بن أَزْهَرَ عَمُّهُنَّ، فَخَرَجَتْ تَبْتَغِي الصَّحَابَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي أَوَّلِ الإِسْلامِ، فَبَكَتْ جُوَيْرِيَةُ مِنْهُنَّ حُدَيْبَاءَ، قَدْ كَانَتْ أَخَذْتَهَا الْفِرْصَةُ وَهِيَ أَصْغَرُهُنَّ عَلَيْهَا سُبَيِّجٌ لَهَا مِنْ صُوفٍ، فَرَحِمْتَهَا، فَاحْتَمَلَتْهَا مَعَهَا، فَبَيْنَمَا هُمَا تَرْتِكَانِ الْجَمَلَ إِذِ انْتَفَجتِ الأَرْنَبُ، فَقَالَتِ الْحُدَيْبَاءُ الْقَصَبَةُ: لا وَاللَّهِ لا يَزَالُ كَعْبُكِ أَعْلَى مِنْ كَعْبِ أَثْوَبَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَبَدًا، ثُمَّ لَمَّا شَنَّحَ الثَّعْلَبُ، فَسَمَّتْهُ اسْمًا غَيْرَ الثَّعْلَبِ، نَسِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بن حَسَّانٍ، ثُمَّ قَالَتْ فِيهِ مَا قَالَتْ فِي الأَرْنَبِ، فَبَيْنَمَا هُمَا تَرْتِكَانِ، إِذْ بَرَكَ الْجَمَلُ وَأَخَذَتْهُ رِعْدَةٌ، فَقَالَتِ الْحُدَيْبَاءُ الْقَصَبَةُ: أَدْرَكَتْكِ وَاللَّهِ أَخْدَةُ أَثْوَبَ. فَقُلْتُ: وَاضْطُرِرْتُ إِلَيْهَا، وَيْحَكِ مَا أَصْنَعُ؟ قَالَتْ: قَلِّبِي ثِيَابَكَ ظُهُورَهَا لِبُطُونِهَا، وَتَدَحْرَجِي ظَهْرَكَ لِبَطْنَكِ، وَقَلِّبِي أَحْلاسَ جَمَلِكِ، ثُمَّ خَلَعَتْ سَبِيجَهَا، فقَلَّبَتْهُ، وَتَدَحْرَجَتْ ظَهْرًها لِبَطْنِهَا، فَلَمَّا فَعَلْتُ مَا أَمَرْتَنِي، انْتَفَضَ الْجَمَلُ، ثُمَّ قَامَ فَتَفَاجَّ، وَبَالَ. فَقَالَتِ الْحُدَيْبَاءُ: أَعِيدِي عَلَيْكِ أَذاتَكِ. فَفَعَلْتُ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ فَأَعَدْتُهَا، ثُمَّ خَرَجَتَا تَرْتِكُ، فَإِذَا أَثْوَبُ عَلَى إِثْرِنَا بِالسَّيْفِ مُصْلَتًا، فَوَأَلْنَا إِلَى حِوَاءٍ ضَخْمٍ، فَدَارَهُ، حَتَّى أُلْقِيَ الْجَمَلُ إِلَى رُوَاقِ الْبَيْتِ الأَوْسَطِ جَمَلٌ ذَلُولٌ، فَاقْتَحَمْتُ دَاخِلَهُ بِالْجَارِيَةِ، فَأَدْرَكَنِي بِالسَّيْفِ، فَأَصَابَ ظُبَّتَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قُرُونِ رَأْسِي، وَقَالَ: أَلْقِي إِلَيَّ بنتَ أَخِي يَا دَفَارُ، فَرَمَيْتُ بِهَا إِلَيْهِ، فَجَعَلَهَا عَلَى مَنْكِبِهِ، فَذَهَبَ بِهَا، وَكُنْتُ أَعْلَمُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَمَضَيْتُ إِلَى أُخْتٍ لِي نَاكِحٍ فِي بني شَيْبَانَ أبْتَغِي الصَّحَابَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَوَّلَ الإِسْلامِ، فَبَيْنَمَا أَنَا عِنْدَهَا ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي تَحْسَبُ عَيْنِيَ نَائِمَةً جَاءَ زَوْجُهَا مِنَ السَّامِرِ، فَقَالَ: وَأَبِيكَ لَقَدْ وَجَدْتُ لِقَيْلَةَ صَاحِبًا صَاحِبَ صِدْقٍ. فَقَالَتْ أُخْتِي: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: حُرَيْثُ بن حَسَّانٍ الشَّيْبَانِيُّ عَادَ وَافِدَ بَكْرِ بن وَائِلٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَا صَبَاحٍ. فَقَالَتْ أُخْتِي: الْوَيْلُ لِي، لا تَسْمَعُ بِهَذَا أُخْتِي، فَتَخْرُجَ مَعَ أَخِي بَكْرِ بن وَائِلٍ بَيْنَ سَمْعِ الأَرْضِ وَبَصَرِهَا لَيْسَ مَعَهَا مِنْ قَوْمِهَا رَجُلٌ. فَقَالَ: لا تَذْكُرِيهِ لَهَا، فَإِنِّي غَيْرُ ذَاكِرَةٍ لَهَا. فَسَمِعْتُ مَا قَالا، فَغَدَوْتُ فَشَدَدْتُ عَلَى جَمَلِي، فَوَجَدْتُهُ غَيْرَ بَعِيدٍ، فَسَأَلْتُهُ الصُّحْبَةَ، فَقَالَ: نَعَمْ، وَكَرَامَةً، وَرِكَابُهُ مُنَاخَةٌ عِنْدِي، فَخَرَجْتُ مَعَهُ صَاحِبَ صِدْقٍ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ صَلاةَ الْغَدَاةِ، وَقَدْ أُقِيمَتْ حِينَ شَقَّ الْفَجْرُ، وَالنُّجُومُ شَابِكَةٌ فِي السَّمَاءِ، وَالرِّجَالُ لا تَكَادُ تَعَارَفُ مِنْ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَصَفَفْتُ مَعَ الرِّجَالِ امْرَأَةً حَدِيثَةَ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، فَقَالَ لِيَ الرَّجُلُ الَّذِي يَلِينِي مِنَ الصَّفِّ: امْرَأَةٌ أَنْتِ، أَمْ رَجُلٌ؟ فَقُلْتُ: لا بَلِ امْرَأَةٌ. فَقَالَ: إِنَّكِ قَدْ كِدْتِ تَفْتِنِينِي فَصَلِّي فِي النِّسَاءِ. وَإِذَا صَفٌّ مِنَ النِّسَاءِ قَدْ حَدَثَ عِنْدَ الْحُجُرَاتِ لَمْ أَكُنْ رَأَيْتُهُ حِينَ دَخَلْتُ، فَكُنْتُ فِيهِنَّ حَتَّى إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ دَنَوْتُ، فَجَعَلْتُ إِذَا رَأَيْتُ رَجُلا ذَا رِدَاءٍ وَذَا قِشْرٍ طَمَحَ إِلَيْهِ بَصَرِي لأَرَى رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَوْقَ النَّاسِ حَتَّى جَاءَ رَجُلٌ بَعْدَمَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: وَعَلَيْكَ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. وَعَلَيْهِ أَسْمَالُ مُلَيَّتَيْنِ قَدْ كَانَتَا بِزَعْفَرَانٍ، وَقَدْ نَفَضَتَا وَبِيَدِهِ عَسِيبُ نَخْلَةٍ مُقَصَّرٌ مَقْشُوٌّ قَفْرٌ غَيْرُ خُوصَتَيْنِ مِنْ أَعْلاهُ قَاعِدُ الْقُرْفُصَاءِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْمُتَخَشِّعَ فِي الْجِلْسَةِ أُرْعِدْتُ مِنَ الْفَرَقِ، فَقَالَ لَهُ جَلِيسُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُرْعِدَتِ الْمِسْكِينَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَيَّ وَأَنَا عِنْدَ ظَهْرِهِ:يَا مِسْكِينَةُ، عَلَيْكَ السَّكِينَةُ. فَلَمَّا قَالَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَذْهَبَ اللَّهُ عَنِّي مَا كَانَ دَخَلَ فِي قَلْبِي مِنَ الرُّعْبِ، وَتَقَدَّمَ صَاحِبِي أَوَّلَ رَجُلٍ حُرَيْثُ بن حَسَّانٍ، فَبَايَعَهُ عَلَى الإِسْلامِ وَعَلَى قَوْمِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اكْتُبْ بَيْنَنَا، وَبَيْنَ بني تَمِيمٍ بِالدَّهْنَاءِ لا يُجَاوِزُهَا إِلَيْنَا مِنْهُمْ إِلا مُسَافِرٌ أَوْ مُجَاوِزٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:اكْتُبْ بِالدَّهْنَاءِ يَا غُلامُ. فَلَمَّا أَمَرَ لَهُ بِهَا شَخَصَ بِي وَهِيَ وَطَنِي وَدَارِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ يَسْأَلْكَ السَّوِيَّةَ مِنَ الأَمْرِ إِذْ سَأَلَكَ، إِنَّمَا هَذِهِ الدَّهْنَاءُ عِنْدَكَ مَقِيدُ الْجَمَلِ، وَمَرْعَى الْغَنَمِ، وَنِسَاءُ بني تَمِيمٍ وَأَبْنَاؤُهَا وَرَاءَ ذَلِكَ. فَقَالَ: امْسِكْ يَا غُلامُ، صَدَقْتِ الْمِسْكِينَةُ، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ يَسَعُهُمَا الْمَاءُ وَالشَّجَرُ وَيَتَعَاوَنَانِ عَلَى الْقِيَانِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ حُرَيْثٌ قَدْ حِيلَ دُونَ كِتَابِهِ ضَرَبَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الأُخْرَى، ثُمَّ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَنْتِ كَمَا قَالَ: وَحَتْفَهَا تَحْمِلُ ضَأْنٌ بِأَظْلافِهَا. فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ إِنْ كُنْتُ لَدَلِيلا فِي الظَّلْمَاءِ تدولا لَدَى الرَّجُلِ عَفِيفًا عَنِ الرَّفِيقَةِ حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَلَكِنْ لا تَلُمْنِي عَلَى أَنْ أَسْأَلَ حَظِّيَ إِذْ سَأَلْتَ حَظَّكَ، قَالَ: وَمَا حَظُّكِ فِي الدَّهْنَاءِ لا أَبَا لَكِ؟ قُلْتُ: مَقِيدُ جَمَلِي تَسْأَلُهُ لِجَمَلِ امْرَأَتِكَ. قَالَ: لا جَرَمَ أَنِّي أُشْهِدُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنِّي لَكِ أَخٌ وَصَاحِبٌ مَا حَيِيتُ إِذَا ثَنَيْتَ عَلَيَّ هَذَا عِنْدَهُ. فقلتُ: إِذْ بَدَأْتُهَا فَلَنْ أُضَيِّعَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: أَيُلامُ ابْنُ هَذِهِ أَنْ يَفْصِلَ الْخُطَّةَ وَيَنْصُرَ مَنْ وَرَاءَ الْحُجْرَةِ. فَبَكَيْتُ، ثُمَّ قُلْتُ: قَدْ وَاللَّهِ وَلَدَتْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَرَامًا، فَقَاتَلَ مَعَكَ يَوْمَ الرَّبَذَةِ، ثُمَّ ذَهَبَ يَمِيرُنِي مِنْ خَيْبَرَ، فَأَصَابَتْهُ حُمَّاهَا، فَمَاتَ، فَتَرَكَ عَلَيَّ النِّسَاءَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ لَمْ تَكُونِي مِسْكِينَةً لَجَرَرْنَاكِ عَلَى وَجْهِكِ أَوْ لَجُرِرْتِ عَلَى وَجْهِكِ. شَكَّ عَبْدُ اللَّهِ بن حَسَّانٍ أَيُّ الْحَرْفَيْنِ حَدَّثَتْهُ الْمَرْأَتَانِ، أَتُغْلَبُ إِحْدَاكُنَّ أَنْ تُصَاحَبَ فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا، فَإِذَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِهِ اسْتَرْجَعَ، ثُمَّ قَالَ: رَبِّ آسِنِي مَا أَمْضَيْتُ، فَأَعِنِّي عَلَى مَا أَبْقَيْتُ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِحْدَاكُنَّ لَتَبْكِي، فَتَسْتَعِينُ لَهَا صُوَيْحِبَةً، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ لا تُعَذِّبُوا مَوْتَاكُمْ. ثُمَّ كَتَبَ لَهَا فِي قَطِيعَةِ أَدِيمٍ أَحْمَرَ لِقَيْلَةَ وَالنِّسْوَةِ مِنْ بناتِ قَيْلَةَ، أَلا يُظْلَمْنَ حَقًّا وَلا يُكْرَهْنَ عَلَى مَنْكَحٍ وَكُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُسْلِمٍ لَهُنَّ نَصِيرٌ، أَحْسِنَّ وَلا تُسِئْنَ. [1]
وعَنْ ضِرْغَامَةَ بْنِ عُلَيْبَةَ بْنِ حَرْمَلَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ الْغَدَاةَ ، قَالَ: فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ نَظَرْتُ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ مَا كَادَ تَسْتَبِينُ وُجُوهُهُمْ بَعْدَمَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ ، فَلَمَّا قَرُبْتُ أَرْتَحِلُ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَوْصِنِي ، قَالَ:"عَلَيْكَ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَإِذَا قُمْتَ مِنْ عِنْدِ الْقَوْمِ فَسَمِعْتَهُمْ يَقُولُونَ لِكَ مَا يُعْجِبُكَ فَأْتِهِ ، وَمَا سَمِعْتَهُمْ يَقُولُونَ لَكَ مِمَّا تَكْرهُ فَاتْرُكْهُ"، قَالَ: وَكَانَ أَبِي عُلَيْبَةُ بَرًّا بِأَبِيهِ حَرْمَلَةَ ، قُلْتُ: وَمَا كَانَ بِرُّهُ بِهِ ؟ قَالَ: كَانَ إِذَا قَرَّبَ الطَّعَامَ نَظَرَ أَوْفَرَ عَظْمٍ وَأَطْيَبَهُ ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ ، وَإِذَا كَانَ فِي الْمَسِيرِ نَظَرَ أَوْطَى بَعِيرٍ وَأَجَلَّهُ فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ فَكَانَ هَذَا بِرَّهُ بِهِ" [2] "
وعن يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ أَنّ عَمْرَو بْنَ أُمَيّةَ أَخَا بَنِي عِلَاجٍ كَانَ مُهَاجِرًا لِعَبْدِ يَالَيْلَ بْنِ عَمْرِو ، الّذِي بَيْنَهُمَا سُبِئَ وَكَانَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ مِنْ أَدْهَى الْعَرَبِ ، فَمَشَى إلَى عَبْدِ يَالَيْلَ بْنِ عَمْرٍو ، حَتّى دَخَلَ دَارَهُ ثُمّ أَرْسَلَ إلَيْهِ أَنّ عَمْرَو بْنَ أُمَيّةَ يَقُولُ لَك: اخْرَجْ إلَيّ قَالَ فَقَالَ عَبْدُ يَالَيْلَ لِلرّسُولِ وَيْلَك أَعَمْرٌو أَرْسَلَك إلَيّ ؟ قَالَ نَعَمْ وَهَا هُوَ ذَا وَاقِفًا فِي دَارِك ، فَقَالَ إنّ هَذَا الشّيْءَ مَا كُنْت أَظُنّهُ لَعَمْرٌو كَانَ أَمْنَعَ فِي نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ فَخَرَجَ إلَيْهِ فَلَمّا رَآهُ رَحّبَ بِهِ فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: إنّهُ قَدْ نَزَلَ بِنَا أَمْرٌ لَيْسَتْ مَعَهُ هِجْرَةٌ إنّهُ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ هَذَا الرّجُلِ مَا قَدْ رَأَيْت ، قَدْ أَسْلَمَتْ الْعَرَبُ كُلّهَا ، وَلَيْسَتْ لَكُمْ بِحَرْبِهِمْ طَاقَةٌ فَانْظُرُوا فِي أَمْرِكُمْ . فَعِنْدَ ذَلِكَ ائْتَمَرَتْ ثَقِيفٌ بَيْنَهَا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ أَحَدٌ إلّا اُقْتُطِعَ فَأْتَمِرُوا بَيْنَهُمْ وَأَجْمَعُوا أَنْ يُرْسِلُوا إلَى رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلًا ، كَمَا أَرْسَلُوا عُرْوَةَ فَكَلّمُوا عَبْدَ يَالَيْلَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ ، وَكَانَ سِنّ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَرَضُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ فَأَبَى أَنْ يَفْعَلَ وَخَشِيَ أَنْ يُصْنَعَ بِهِ إذَا رَجَعَ كَمَا صُنِعَ بِعُرْوَةِ . فَقَالَ لَسْت فَاعِلًا حَتّى تُرْسِلُوا مَعِي رِجَالًا ، فَأَجْمَعُوا أَنْ يَبْعَثُوا مَعَهُ رَجُلَيْنِ مِنْ الْأَحْلَافِ ، وَثَلَاثَةً مِنْ بَنِي مَالِكٍ فَيَكُونُوا سِتّةً فَبَعَثُوا مَعَ عَبْدِ يَالَيْلَ الْحَكَمَ بْنَ عَمْرِو بْنِ وَهْبِ بْنِ مُعَتّبٍ ، وَشُرَحْبِيلَ بْنَ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ مُعَتّبٍ ، وَمِنْ بَنِي مَالِكٍ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ بِشْرِ بْنِ عَبْدِ دُهْمَانَ ، أَخَا بَنِي يَسَارٍ وَأَوْسَ بْنَ عَوْفٍ ، أَخَا بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ وَنُمَيْرَ بْنَ خَرَشَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، أَخَا بَنِي الْحَارِثِ فَخَرَجَ بِهِمْ عَبْدُ يَالَيْلَ وَهُوَ نَابَ الْقَوْمَ وَصَاحِبُ أَمْرِهِمْ وَلَمْ يَخْرُجْ بِهِمْ إلّا خَشْيَةَ مِنْ مِثْلِ مَا صُنِعَ بِعُرْوَةِ بْنِ مَسْعُودٍ لِكَيْ يَشْغَلَ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَى الطّائِفِ رَهْطَهُ .فَلَمّا دَنَوْا مِنْ الْمَدِينَةِ ، وَنَزَلُوا قَنَاةَ ، أَلْفَوْا بِهَا الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ ، يَرْعَى فِي تَوْبَتِهِ رِكَابَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَكَانَتْ رِعْيَتُهَا نُوَبًا عَلَى أَصْحَابِهِ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمّا رَآهُمْ تَرَكَ الرّكَابَ عِنْدَ الثّقَفِيّينَ وَضَبَرَ يَشْتَدّ ، لِيُبَشّرَ رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِقُدُومِهِمْ عَلَيْهِ فَلَقِيَهُ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَخْبَرَهُ عَنْ رَكْبِ ثَقِيفٍ أَنْ قَدْ قَدِمُوا يُرِيدُونَ الْبَيْعَةَ وَالْإِسْلَامَ بِأَنْ يَشْرُطَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - شُرُوطًا ، وَيَكْتَتِبُوا مِنْ رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - كِتَابًا فِي قَوْمِهِمْ وَبِلَادِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِلْمُغِيرَةِ أَقْسَمْت عَلَيْك بِاَللّهِ لَا تَسْبِقُنِي إلَى رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتّى أَكُونَ أَنَا أُحَدّثُهُ فَفَعَلَ الْمُغِيرَةُ . فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - .فَأَخْبَرَهُ بِقُدُومِهِمْ عَلَيْهِ ثُمّ خَرَجَ الْمُغِيرَةُ إلَى أَصْحَابِهِ فَرَوّحَ الظّهْرَ مَعَهُمْ وَعَلّمَهُمْ كَيْفَ يُحَيّونَ رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ يَفْعَلُوا إلّا بِتَحِيّةِ الْجَاهِلِيّةِ . وَلَمّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ضَرَبَ عَلَيْهِمْ قُبّةً فِي نَاحِيَةِ مَسْجِدِهِ كَمَا يَزْعُمُونَ فَكَانَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ، هُوَ الّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتّى اكْتَتَبُوا كِتَابَهُمْ وَكَانَ خَالِدٌ هُوَ الّذِي كَتَبَ كِتَابَهُمْ بِيَدِهِ وَكَانُوا لَا يَطْعَمُونَ طَعَامًا يَأْتِيهِمْ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتّى يَأْكُلَ مِنْهُ خَالِدٌ حَتّى أَسْلَمُوا وَفَرَغُوا مِنْ كِتَابِهِمْ وَقَدْ كَانَ فِيمَا سَأَلُوا رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَدَعَ لَهُمْ الطّاغِيَةَ ، وَهِيَ اللّاتِي ، لَا يَهْدِمُهَا ثَلَاثَ سِنِينَ فَأَبَى رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَمَا بَرِحُوا يَسْأَلُونَهُ سَنَةً سَنَةً وَيَأْبَى عَلَيْهِمْ حَتّى سَأَلُوا شَهْرًا وَاحِدًا بَعْدَ مَقْدَمِهِمْ فَأَبَى عَلَيْهِمْ أَنْ يَدَعَهَا شَيْئًا مُسَمّى ، وَإِنّمَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ فِيمَا يُظْهِرُونَ أَنْ يَتَسَلّمُوا بِتَرْكِهَا مِنْ سُفَهَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَذَرَارِيّهِمْ وَيَكْرَهُونَ أَنْ يُرَوّعُوا قَوْمَهُمْ بِهَدْمِهَا حَتّى يَدْخُلَهُمْ الْإِسْلَامُ فَأَبَى رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - إلّا أَنْ يَبْعَثَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ فَيَهْدِمَاهَا ، وَقَدْ كَانُوا سَأَلُوهُ مَعَ تَرْكِ الطّاغِيَةِ أَنْ يُعْفِيَهُمْ مِنْ الصّلَاةِ وَأَنْ لَا يَكْسِرُوا أَوْثَانَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَمّا كَسْرُ أَوْثَانِكُمْ بِأَيْدِيكُمْ فَسَنُعْفِيكُمْ مِنْهُ وَأَمّا الصّلَاةُ فَإِنّهُ لَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَا صَلَاةَ فِيهِ فَقَالُوا: يَا مُحَمّدُ فَسَنُؤْتِيكهَا ، وَإِنْ كَانَتْ دَنَاءَةً ،فَلَمّا أَسْلَمُوا وَكَتَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - كِتَابَهُمْ أَمّرَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ ، وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنّا ، وَذَلِكَ أَنّهُ كَانَ أَحْرَصَهُمْ عَلَى التّفَقّهِ فِي الْإِسْلَامِ وَتَعَلّمِ الْقُرْآنِ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَا رَسُولَ اللّهِ إنّي قَدْ رَأَيْتُ هَذَا الْغُلَامَ مِنْهُمْ مِنْ أَحْرَصِهِمْ عَلَى التّفَقّهِ فِي الْإِسْلَامِ وَتَعَلّمِ الْقُرْآنِ"."
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَطِيّةَ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ رَبِيعَةَ الثّقَفِيّ ، عَنْ بَعْضِ وَفْدِهِمْ . قَالَ كَانَ بَلَالٌ يَأْتِينَا حِينَ أَسْلَمْنَا وَصُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا بَقِيَ مِنْ رَمَضَانَ بِفِطْرِنَا وَسَحُورنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَيَأْتِينَا بِالسّحُورِ وَإِنّا لَنَقُولُ إنّا لَنَرَى الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ فَيَقُولُ قَدْ تَرَكْت رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَسَحّرُ لِتَأْخِيرِ السّحُورِ وَيَأْتِينَا بِفِطْرِنَا ، وَإِنّا لَنَقُولُ مَا نَرَى الشّمْسَ كُلّهَا ذَهَبَتْ بَعْدُ . فَيَقُولُ مَا جِئْتُكُمْ حَتّى أَكَلَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ثُمّ يَضَعُ يَدَهُ فِي الْجَفْنَةِ فَيَلْتَقِمُ مِنْهَا . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بِفَطُورِنَا وَسَحُورِنَا .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ مُطَرّفِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الشّخّيرِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ، قَالَ كَانَ مِنْ آخِرِ مَا عَهِدَ إلَيّ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ بَعَثَنِي عَلَى ثَقِيفٍ أَنْ قَالَ يَا عُثْمَانُ تُجَاوِزْ فِي الصّلَاةِ ، وَاقْدُرْ النّاسَ بِأَضْعَفِهِمْ فَإِنّ فِيهِمْ الْكَبِيرَ وَالصّغِيرَ وَالضّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ" [3] "
وهكذا ساعدت العوامل التي ذكرنا على ذيوع السنة وانتشارها بحيث وصلت إلى كل قلب، وجرت على كلِّ لسانٍ. [4]
ـــــــــــــــ
(1) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 18 / ص 183) (20525 ) حسن
قَالَ مُحَمَّدُ بن هِشَامٍ: فَسَّرَهُ لَنَا ابْنُ عَائِشَةَ، فَقَالَ: الْفِرْصَةُ: ذَاتُ الْحَدَبِ، وَالْفِرْصَةُ: الْقِطْعَةُ مِنَ الْمِسْكِ، وَالْفِرْصَةُ: الدَّوْلَةُ، يُقَالُ: انْتَهِزْ فِرْصَتَكَ أَيْ دولتكَ. السَّبِيجُ شَمْلُ كِسَاءٍ، الرَّتْكَانُ ضَرْبٌ مِنَ السَّيْرِ، الانْتِفَاجُ السَّعْيُ، السَّفَرُ، شَنَّحَ أَيْ وَلاكَ مَيَامِنَهُ، وَبَعْضُ الْعَرَبِ يَجْعَلُ مَيَاسِرَهُ وَهُمْ يَتَطَيَّرُونَ بِأَحَدِهِمَا وَيَتَفاءَلُونَ بِالآخَرِ، تَفَاخَّ تُفْتَحُ، فَوَأَلْنَا لُحْبَأنًا إِلَى حِوَاءٍ، دَفَارُ يَا مُنْتِنَةُ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْعَرَبِ فِي الدُّنْيَا: أُمُّ دَفْرٍ لِنَتَنِهَا، ثُمَّ نَشَدَتْ عَنْهُ اسْتَخْبَرَتْ عَنْهُ الْمَقْشُوُّ الْمَقْشُورُ، الْفُتَّانُ الشَّيَاطِينُ، وَاحِدَتُهَا قاتِنٌ، حَتْفَهَا تَحْمِلُ ضَأْنٌ بِأَظْلافِهَا، مَثَلٌ مِنْ أَمْثَالِ الْعَرَبِ فِي شَاةٍ بَحَثَتْ بِأَظْلافِهَا فِي الأَرْضِ فَأَظَهْرَتْ مُدْيَةً فَذُبِحَتْ بِهَا فَصَارَتْ مَثَلا. الْقَضِيَّةُ: انْقَضَاءُ الأُمُورِ، وَشَخَصَ أَيِ ارْتَفَعَ بَصَرِي. فَكِبْرًا مِنْ إِكْبَارٍ، مَا سَمِعْتُ. آسِنِي أَيِ اجْعَلْ لِي أُسْوَةً بِمَا تُعْطِي بِهِ، قَالَ ابْنُ مُتَمِّمِ بن نُوَيْرَةَ: فَقُلْتُ لَهَا: طُولُ الأَسَى إِذْ سَأَلْتَنِي وَلَوْعَةُ حُزْنٍ تَتْرُكُ الْوَجْهَ أَسْفَعَاأَسْفَعُ: أَيْ أَسْوَدُ .
(2) - مُسْنَدُ عَبْدِ بْنِ حُمَيدٍ (435 ) حسن
(3) - سيرة ابن هشام - (ج 2 / ص 538) حسن مرسل
(4) - انظر السنة قبل التدوين للدكتور محمد عجاج الخطيب ص 68-74 بتصرف كثير.