الثالث: أنه حجة إذا انضم إليه قياس،فيقدم حينئذ على قياس ليس معه قول صحابي،نص عليه الشافعي - رحمه الله - في كتاب الرسالة"فقال [1] :"
"قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي أَقَاوِيلِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَرَضِيَ عَنْهُمْ:"إِذَا تَفَرَّقُوا فِيهَا نَصِيرُ إِلَى مَا وَافَقَ الْكِتَابَ أَوِ السُّنَّةَ أَوِ الْإِجْمَاعَ ، أَوْ كَانَ أَصَحَّ فِي الْقِيَاسِ , وَإِذَا قَالَ الْوَاحِدُ مِنْهُمُ الْقَوْلَ لَا نَحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْهُمْ فِيهِ لَهُ مُوَافَقَةً وَلَا خِلَافًا , صِرْتُ إِلَى اتِّبَاعِ قَوْلِ وَاحِدِهِمْ ، إِذَا لَمْ أَجِدْ كِتَابًا وَلَا سُنَّةً وَلَا إِجْمَاعًا وَلَا شَيْئًا فِي مَعْنَاهُ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِهِ أَوْ وُجِدَ مَعَهُ قِيَاسٌ". هذا نصه بحروفه."
وفي جَامِعُ بَيَانِ الْعِلْمِ - بَابُ جِامِعِ بَيَانِ مَا يَلْزَمُ النَّاظِرَ فِي اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ (1066 ) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ ثنا الْمَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ الْحُسَيْنِيُّ بِمِصْرَ ثنا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ ، ثنا أَبُو إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى الْمُزَنِيُّ ، ح وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ: نا أَبُو عَلِيٍّ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ شُعَيْبِ بْنِ زِيَادٍ الْمَدَائِنِيُّ ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى الْمُزَنِيُّ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ"فِي اخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَصِيرُ مِنْهُمَا إِلَى مَا وَافَقَ الْكِتَابَ أَوِ السُّنَّةَ أَوِ الْإِجْمَاعَ أَوْ كَانَ أَصَحَّ فِي الْقِيَاسِ وَقَالَ فِي قَوْلِ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ: إِذَا لَمْ يُحْفَظْ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْهُمْ صِرْتُ إِلَيْهِ وَأَخَذْتُ بِهِ إِذَا لَمْ أَجِدْ كِتَابًا وَلَا سُنَّةً وَلَا إِجْمَاعًا وَلَا دَلِيلًا مِنْهَا هَذَا إِذَا وَجَدْتُ مَعَهُ الْقِيَاسَ ، قَالَ: وَقَلَّ مَا يُوجَدُ ذَلِكَ"قَالَ الْمُزَنِيُّ:"فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ قَبِلَ قَوْلَهُ بِحُجَّةٍ فَفِي هَذَا مَعَ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْعُلَمَاءَ فِي كُلِّ قَرْنٍ يُنْكِرُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ قَضَاءٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنْ لَا يُقَالَ إِلَّا بِحُجَّةٍ وَأَنَّ الْحَقَّ فِي وَجْهٍ وَاحِدٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقُضَاةِ أَنَّ الْقَاضِيَ وَالْمُفْتِيَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ وَيُفْتِيَ حَتَّى يَكُونَ عَالِمًا بِالْكِتَابِ وَبِمَا قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ وَعَالِمًا بِالسُّنَنِ وَالْآثَارِ وَعَالِمًا بِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ ، حَسَنَ النَّظَرِ صَحِيحَ الْأَوَدِ وَرِعًا مُشَاوِرًا فِيمَا اشْتُبِهَ عَلَيْهِ وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَسَائِرُ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مِصْرٍ يَشْتَرِطُونَ أَنَّ الْقَاضِيَ وَالْمُفْتِيَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِلَّا فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ"، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَمَرَّةً قَالَ: أَمَّا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَآخُذُ بِقَوْلِ مَنْ شِئْتُ مِنْهُمْ وَلَا أَخْرُجُ عَنْ قَوْلِ جَمِيعِهِمْ وَإِنَّمَا يَلْزَمُنِي النَّظَرُ فِي أَقَاوِيلِ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ دُونَهُمْ"قَالَ أَبُو عُمَرَ:"قَدْ جَعَلَ لِلصِّحَابَةِ فِي ذَلِكَ مَا لَمْ يَجْعَلْ لِغَيْرِهِمْ وَأَظُنُّهُ مَالَ إِلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ"أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ"وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَإِلَى نَحْوِ هَذَا كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَذْهَبُ""
وقال ابن الرفعة في المطلب": حكى القاضي الحسين وغيره من أصحابنا عن الشافعي أنه يرى في الجديد أن قول الصحابي حجة إذا عضده القياس. وكذا حكاه ابن القطان في كتابه فقال: نقول بقول الصحابي إذا كان معه قياس. انتهى. وكذا قال القفال الشاشي في كتابه, فقال: قال في الجديد: إنه حجة إذا اعتضد بضرب من القياس يقوى بموافقته إياه. وقال القاضي في التقريب في باب القول في منع تقليد العالم للعالم: إن الذي قاله الشافعي في الجديد, واستقر عليه مذهبه, وحكاه عنه المزني فقال في الجديد: أقول بقول الصحابي إذا كان معه قياس. وقال ابن أبي هريرة في تعليقه"في باب الربا: عندنا أن الصحابي إذا كان له قول وكان معه قياس وإن كان ضعيفا فالمضي إلى قوله أولى, خصوصا إذا كان إماما, ولهذا منع الشافعي بيع اللحم بالحيوان المأكول بجنسه وغيره, لأثر أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
قلت: ويشهد له أن الشافعي استدل في الجديد على عدم وجوب الموالاة في الوضوء بفعل ابن عمر رضي الله عنهما, ثم قال: وفي مذهب كثير من أهل العلم أن الرجل إذا رمى الجمرة الأولى ثم الأخيرة ثم الوسطى أعاد الوسطى ولم يعد الأولى, وهو دليل في قولهم على أن تقطيع الوضوء لا يمنع أن يجزئ عنه, كما في الجمرة. انتهى. فاستدل بفعل الصحابي المعتضد للقياس, وهو رمي الجمار, وعلى الغسل أيضا, كما وقع في أول كلامه.
نعم, المشكل على هذا القول أن القياس نفسه حجة, فلا معنى حينئذ لاعتبار قول الصحابي فيه, ويؤول حينئذ هذا إلى القول بأنه ليس بحجة على انفراده. ولهذا حكى ابن السمعاني وجهين لأصحابنا أن الحجة في القياس, أو في قوله, بعد أن قطع أنه حجة إذا وافق القياس. ولأجل هذا الإشكال قال ابن القطان: أجاب أصحابنا بجوابين:
"أحدهما": أن الشافعي أراد بالقياس أن يكون في المسألة قياسان, فيكون قول الصحابة مع أحد القياسين أولى من القياس المجرد. قال: وهذا كالبراءة من العيوب, فإنه اجتذبه قياسان: أحدهما يشبه. وذلك أن البراءة إنما تجوز فيما علمه, فأما البراءة مما لا يعلمه فممتنعة. وهذا الذي يوجبه القياس على غير الحيوان أن يوجب قياسا آخر, وهو أن الحيوان مخصوص بما سواه من حيث يغتذى بالصحة والسقم ويخفي عيوبه, صار إلى تقليد عثمان مع هذا القياس.
والثاني: كان الشافعي يتحرج أن يقال عنه: إنه لا يقول بقول الصحابة فاستحسن العبارة فقال بقول الصحابي إذا كان معه القياس. انتهى.
وقال ابن فورك: إن قيل: كيف قال الشافعي إنه حجة إذا كان معه قياس, والقياس في نفسه حجة وحده؟ قيل: اجتذب المسألة وجهان من القياس قوي وضعيف, فقوَّى القياس الضعيف بقول عثمان. فإن قيل: كيف ترك أقوى القياسين بقول صحابي واحد فإنه لو انفرد القياسان عن قول الصحابي كان إما أن يتساويا فيسقطا, أو يصح أحدهما فيبطل الآخر. وإن كان قول الصحابي مع الصحيح فهو تأكيد له.
قيل له: إن قول الصحابي إذا لم يعلم له مخالف له قوة على قول الصحابي الذي ظهر خلافه كما نقول: إن قول الصحابي إذا انتشر قوله ولم يعلم له مخالف أقوى من قول من لم ينشر ولم يعلم له مخالف فكان أدون هذه المنازل إذا عضده بعض الأشياء ملحقة بمنزلة الشبه ، وإن كان ذلك الشبه لو انفرد لم يكن حجة. فأما أولى القياسين فلا يسلم من معارضة ما تبطل معه دلالته وهو قول الصحابي الذي لا مخالف له مقترنا بالشبه الذي ذكرناه.
وقال الصيرفي في الدلائل": معنى قول الشافعي في الجديد أنه ليس بحجة, أنه إذا تجاذب المسألة أصلان محتملان يوافق أحدهما قول الصحابي, فيكون الدليل الذي معه قول الصحابي أولى في هذا على التقوية وأنه أقوى المذهبين فلا يغلط على الشافعي. هذا وجه قوله: إن تقليده لا يلزم إلا أن يوجد في الكتاب أو السنة ما يخالفه ويعضده ضرب من القياس. وعلى هذا فهو مقو للقياس ومغلبٌ له كما يغلب بكثرة الأشباه."
وظاهر نص الرسالة المذكورة يقتضي تساوي القياسين, لأنه لم يفرق بين قياس وقياس. نعم, قوله: ولا شيئا في معناه يحكم له بحكمه ظاهر في تقديم القياس الجلي على قول الصحابي, وهو مستند إمام الحرمين في قوله: إن الشافعي قال في بعض أقواله: القياس الجلي. ولما حكى الروياني في البحر"القولين الأولين قال: ومن أصحابنا من قال: القولان إذا لم يكن معه قياس أصلا, فإن كان مع قوله قياس ضعيف فقوله معه يقدم على القياس القوي وهو اختيار القفال وجماعة وهو ضعيف عندي, لأنه لا يجب الرجوع لقول الصحابي بانفراده, وكذلك القياس الضعيف, فكيف إذا اجتمع ضعيفان غلبا القوي؟ انتهى."
وما حكاه عن القفال حكاه الشيخ في اللمع"عن الصيرفي, ثم خطأه, وحكاه ابن الصباغ في العدة"عن حكاية بعض الأصحاب عن الشافعي أنه إذا كان مع قول الصحابي قياس ضعيف فهو أولى من القياس الصحيح قولا واحدا, ثم ضعفه ابن الصباغ. وحكاه الماوردي في كتاب الأقضية من الحاوي"عن القديم. لكنه قال: ذلك في القياس الخفي مع الجلي, وأن الخفي يقدم على الجلي إذا كان مع الأول قول الصحابي. قال: ثم رجع الشافعي عنه في الجديد, وقال: العمل بالقياس الجلي أولى. وقال الماوردي أيضا في الحاوي"في مسألة البيع بشرط البراءة من العيوب: مذهب الشافعي في الجديد أن قياس التقريب إذا انضم إلى قول الصحابي أولى من قياس التحقيق. وكذلك قال أبو الحسن الجوري في شرح مختصر المزني", قلت: وهو ظاهر إطلاقه في الرسالة", وقال ابن كج في كتابه: إذا قال الصحابي قولا وعارضه القياس القوي نظر: فإن كان مع الصحابي قياس خفي كان المصير إلى قول الصحابي أولى, لقضية عثمان في بيع اللحم بالحيوان. وإن كان قول الصحابي فقط وقد عارضه القياس فقال الشافعي في القديم: إن قوله يقدم, لعلمه بظواهر الكتاب, وقال في الجديد: أولى, ولأن الله أمر بالرجوع عند التنازع إلى الكتاب, ولأن الصحابي يجوز عليه السهو.
الرابع: أنه حجة إذا خالف القياس.
لأنه لا محمل له إلا التوقف, وذلك أن القياس والتحكم في دين الله باطل فيعلم أنه ما قاله إلا توقيفا. قال ابن برهان في الوجيز": وهذا هو الحق المبين. قال: ومسائل الإمامين أبي حنيفة والشافعي - رضي الله عنهما - تدل عليه. فإن الشافعي غلظ الدية بالأسباب الثلاثة بأقضية الصحابة, وقدر دية المجوسي بقول عمر, وأبا حنيفة قدر الجعل في رد الآبق بأربعين درهما لأثر ابن مسعود."
وقال الإبياري في شرحه"هو أشبه المذاهب. وقال ابن المنير: هذا المذهب لا يختص الصحابي, فكل عالم عدل إذا خالف القياس ظن به المخالفة للتوقيف. والظاهر إصابته في شروطه. قلت: وقد طرده ابن السمعاني فيه كما سيأتي. ثم قال: ثم هو لا يختص غير الصحابي إذا كان المخالف صحابيا, فيجب إذا على الصحابي الاقتداء بالصحابي المخالف للقياس."
والحاصل عن الشافعي أقوال:
أحدها: أنه حجة مقدمة على القياس, كما نص عليه في اختلافه مع مالك, وهو من الجديد.
والثاني: أنه ليس بحجة مطلقا, وهو المشهور بين الأصحاب أنه الجديد.
والثالث: أنه حجة إذا انضم إليه قياس, فيقدم حينئذ على قياس ليس معه قول صحابي, كما أشار إليه في الرسالة", ثم ظاهر كلامه فيها أن يكون القياسان متساويين."
وتقدم في نقل إمام الحرمين عنه في قول تخصيص القياس الجلي بتقديمه على قول الصحابي. فعلى هذا يكون المراد ب"القياس يعتضد بقول الصحابي"القياس الخفي, ويكون فيما نقله الإمام قول رابع في المسألة من أصلها.
وتقدم أيضا عن الماوردي: إذا اعتضد بقياس التقريب فهو أولى من قياس التحقيق.
وعن حكاية ابن الصلاح: إذا اعتضد بقياس ضعيف فهو أولى من القياس القوي, فيتخرج من هذا قولان للشافعي إن جعلنا القياس الضعيف أعم من قياس التقريب وغيره, وإلا فقول خامس. وخص الماوردي القولين الأولين بما إذا كان موافقا لقياس جلي, فإن لم يكن معه قياس جلي قدم القياس الجلي قطعا وخص القديم بما إذا لم يظهر له مخالف, فإن ظهر خلافه من صحابي آخر فلا يكون حجة على القديم.
وفي كتاب الرضاع, في الكلام على اعتبار العدد, حكاية حكاها الماوردي تقتضي أن قول الشيخين بخصوصهما حجة, فإنه حكى عن الشافعي أنه قال [2] :"مَنْ سَأَلَنِي عَنْ شَيْءٍ أَخْبَرْتُهُ مِنَ الْقُرْآنِ ، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ مُحْرِمٍ قَتَلَ زُنْبُورًا فَقَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ: فَأَيْنَ هَذَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَقَالَ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الْحَشْرِ: ] وَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: اقْتَدُوا بِالَّذِينِ مِنْ بَعْدِي أَيْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ [3] ، وَسُئِلَ عَنْ مُحْرِمٍ قَتَلَ زُنْبُورًا ، فَقَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ."
قال ابن الرفعة: فإن صحت هذه الحكاية عن الشافعي لزم منها أن يكون قول كل من الشيخين عنده حجة. ومذهبه الجديد أنه ليس بحجة. انتهى.
وقال السنجي في أول شرح التلخيص": قول الواحد من الصحابة إذا انتشر ولم يعلم له مخالف وانقرض العصر عليه كان عندنا حجة مقطوعا بصحتها. وهل يسمى إجماعا؟ على وجهين: فقيل: لا, لقول الشافعي: لا ينسب إلى ساكت قول. والصحيح من المذهب أنه إجماع مقطوع على الله بصحته وهو مذهب كافة المتكلمين, ولم يخالف فيه إلا الجعل ومن تابعه فقالوا: لا يكون حجة. قال: فأما إذا لم ينتشر ولم يعرف له مخالف فللشافعي فيه قولان: القديم أنه حجة, والجديد أن القياس أولى منه."
وقال في القواطع": إذا لم ينتشر ولم يعرف له مخالف نظر: فإن كان موافقا للقياس فهو حجة. إلا أن أصحابنا اختلفوا: هل الحجة في القياس أو في قوله؟ على وجهين: وأما إذا خالف القياس أو كان مع الصحابي قياس خفي, والجلي مخالف مثله, فهذا موضع قولي الشافعي ففي القديم: قول الصحابي أولى من القياس, وفي الجديد: القياس أولى."
وقال السهيلي في أدب الجدل": إن انتشر ورضوا به فهو حجة مقطوع بها, وهل يسمى إجماعا؟ وجهان. وإن انتشر ولم يعلم منهم الرضا به فوجهان. وإن لم ينتشر فاختلف أصحابنا فيه على طريقين:"إحداهما": أن المسألة على قولين: أحدهما: وهو الجديد - أنه ليس بحجة. و"الثانية": أنه إن لن ينتشر في الباقين فهو حجة بلا خلاف, وإنما الخلاف إذا عارضه قياس جلي فحينئذ قول خفي. انتهى."
وقال إلكيا: إن لم يعرف له مخالف فهو موضع الخلاف. فإذا اختلفوا فلا شك أنه لا حجة فيه. وقيل: يحتج بأقوالهم وإن اختلفت على تقدير اتباع قول الأعلم منهم, وبه قال الشافعي في رسالته القديمة", لأنه جوز تقليد الصحابي وقال: إن اختلفوا أخذ بقول الأئمة أو بقول أعلمهم بذلك, ورجحه على القياس المخالف له. قال إلكيا: وإن لم يكن بد من تقليد الصحابة فالواجب أن لا يفصل بين أن يختلفوا أو لا, لأن فقد معرفة الخلاف لا ينتهض إجماعا. وفي جواز تقليد العالم من هو أعلم منه, خلاف, رأى محمد بن الحسن جوازه وإن لم ينقل عنه وجوب ذلك."
قال: ثم مذهب الشافعي قديما وجديدا اتباع قضاء عمر - رضي الله عنه - في تقدير دية المجوسي بثمانمائة درهم, وتغليظ الدية بالأسباب الثلاثة اتباعا لآثار الصحابة واختلف الأصحاب في سبب ذلك, فقيل: لأن الواقعة اشتهرت وسكتوا وذلك دليل الإجماع. وقيل: لأنه يرى الاحتجاج بقول الصحابي إذا خالف القياس من حيث لا محمل له سوى التوقيف. قال: ويظهر هذا في التابعي إذا علم مسالك الأحكام وكان مشهورا بالورع لا يميل إلى الأهواء, إلا أن يلوح لنا في مجاري نظره فساد في أصل له عليه بنى ما بنى.
ويخرج من هذا قول آخر أنه حجة إذا لم يكن مدركا بالقياس دون ما للقياس فيه مجال, وهذا القول هو المختار. وبه تجمع نصوص الشافعي رضي الله عنه, وهذا حكاه القاضي في التقريب والغزالي استنباطا من قول الشافعي في كتاب اختلاف الحديث"أنه روي عن علي - كرم الله وجهه - أنه صلى في ليلة ست ركعات, كل ركعة بست سجدات, ثم قال: إن ثبت ذلك عن علي قلت به, فإنه لا مجال للقياس فيه, فالظاهر أنه جعله توقيفا. هذا لفظه. قال القاضي: وهذا من قوله يدل على أنه كان يعتقد أن الصحابي إذا قال قولا ليس للاجتهاد فيه مدخل فإنه لا يقوله إلا سمعا وتوقيفا وأنه يجب اتباعه عليه, لأنه لا يقول ذلك إلا عن خبر. انتهى."
لكن الغزالي جعله من تفاريع القديم. وهو مردود, لأن اختلاف الحديث من الكتب الجديدة قطعا, رواه عنه الربيع بن سليمان بمصر, وبهذا جزم ابن الصباغ في كتاب الكامل في الخلاف"وقال إلكيا في التلويح"إنه الصحيح, وكذا صاحب المحصول"في باب الأخبار. وعلى هذا ينزل كل ما وقع في الجديد من التصريح فيه بالتقليد, كاتباعه الصديق في عدم قتل الراهب, وتقليده عثمان في البراءة, وعمر في أمهات الأولاد. قال في الأم [4] : إذا أصاب الرجل بمكة حماما من حمامها فعليه شاة, اتباعا لعمر وعثمان وابن عباس وابن عمر وغيرهم. وقال في"اختلاف الحديث": أخذت بقول عمر في اليربوع والضبع حمل. وحكى في القديم هذا القول عن الكرخي, واختاره البزدوي وابن الساعاتي وغيرهم من الحنفية. وهذا هو الذي يعبر عنه ابن الحاجب بقوله: إنه حجة إذا خالف القياس."
نعم, تصرفات الشافعي في الجديد تقتضي أن قوله حجة بشرطين:
"أحدهما": أن لا يكون للاجتهاد فيه مجال.
"الثاني": أن يرد في موافقة قوله نص, وإن كان للاجتهاد فيه مجال كما فعل في مسائل الفرائض مقلدا زيدا فيها, لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"أفرضكم زيد" [5] قال إمام الحرمين في النهاية": اختار الشافعي أن يتبع مذهب زيد ولم يضع لذلك كتابا في الفرائض لعلمه بعلم الناس بمذهب زيد, وإنما نص في مسائل متفرقة في الكتاب فجمعها المزني وضم إليها مذهب زيد في المسائل, ولم يقل:"تحريت مذهب الشافعي"كقوله في أواخر كتب مضت, فإن التحري اجتهاد, ولا اجتهاد في النقل. وقد تحقق اتباع الشافعي زيدا, وتردد قول الشافعي حيث تردد قول زيد, وقرب مذهب زيد إلى القياس أن جعل الأم دون الأب في النصيب, قياس ميراث الذكر والأنثى. وكذا قوله: أولاد الأبوين يشاركون ولد الأم لاشتراكهم في القرابة, وجعل الأبوين مانعين الأخوة في رد الأم إلى السدس قياسا على جعل البنين في معنى البنات في استحقاق الثلثين. وقد أورد على هذا أنه خالف القياس في مسائل الجد والإخوة, والمعادة, وإعطاء الأم ثلث ما يبقى, وليس فيه كتاب ولا سنة ولا قياس, لأنا سوينا بين الأبوين مع الابن ومشاركة أولاد الأم خارجة عن القياس, لأنا نعطي العشرة من إخوة الأبوين نصف السدس مثلا, ونعطي الأخت الواحدة للأم السدس, فأي مراعاة لاتخاذ القرابة؟"
فإن قيل: إذا كان دليل التقليد الحديث السابق فينبغي أن يتبع عليا رضي الله عنه في قضائه ومعاذا في الحلال والحرام لقوله:"أقضاكم علي, وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ" [6] , والجواب - كما قال - إن القضاء يتسع, ويتعلق بما لا يسوغ التقليد فيه, وكذلك الحلال والحرام.
قال: وعندنا أن المذهب لا يستقل بتقليد زيد: وما انتحل مذهبه إلا عن أصل يجوز فيه الرأي, ولهذا خالف الصحابة. والشافعي لم يخل بمسألة عن احتجاج, وإنما اعتصم بشهادة النبي - صلى الله عليه وسلم - ترجيحا وبهذا تبين. انتهى. وجرى على ذلك الرافعي.
وأما ابن الرفعة فقال: الظاهر أن اختيار الشافعي لمذهب زيد اختيار تقليد, كما يقتضيه ظاهر لفظ الأم إذ قال الشافعي: وقلنا إذا ورث الجد مع الإخوة قاسمهم ما كانت المقاسمة خيرا له من الثلث, فإذا كان الثلث خيرا له منها أعطيه. وهذا قول زيد بن ثابت, وعنه قبلنا أكثر الفرائض وهي التي لا نص فيها ولا إجماع [7] .
وجعل الرافعي موضع القولين ما إذا لم ينتشر فيهم, قال: ثم عن الصيرفي والقفال أن القول فيما إذا لم يكن معه قياس أصلا, فإن كان مع قوله قياس ضعيف احتج به وترجح على القياس القوي. قال: والأكثرون على أنه لا فرق. قال: وإن انتشر فإما أن يخالفه غيره أو يوافقه سائر أصحابه أو يسكتوا. فإن خالفه فعلى قوله الجديد هو كاختلاف المجتهدين. وعلى القديم هما حجتان تعارضتا, فترجح من خارج, وإن وافقه جميع الصحابة فهو إجماع منهم.
التفريع على أن قول الصحابي حجة
واحد منهم وفاقه لا خلافه فقد اختلف فيه. والواجب عندنا المصير إليه, لأنه في المعنى راجع إلى أن العصر قد انخرم والحق معدوم, وهذا مع اختصاص الصحابة بمشاهدة الرسول ومعرفة الخطاب منه, إذ الشاهد يعرف بالحال ما يخفى على من بعده. انتهى.
فائدة: قال ابن عبد السلام في فتاويه الموصلية: إذا صح عن بعض الصحابة مذهب في حكم من الأحكام لم يجز مخالفته إلا بدليل أوضح من دليله, ولا يجب على المجتهدين تقليد الصحابة في مسائل الخلاف, ولا يحل لهم ذلك مع ظهور أدلتهم على أدلة الصحابة, لأن الله تعالى أمرنا باتباع الأدلة ولم يوجب تقليد العلماء إلا على العامة الذين لا يعرفون أدلة الأحكام.
(1) - انظر الرسالة ص"597".
(2) - الحاوي في فقه الشافعي - الماوردي - (ج 11 / ص 364)
(3) - الحديث رواه الترمذي"5/609"كتاب المناقب باب في منافب أبي بكر وعمر حديث"3662"ورواه ابن ماحة"1/37"حديث"97"وهو حديث صحيح.
(4) - انظر الأم"7/147".
(5) - رواه الترمذي"5/665"كتاب المناقب باب منافب معاذ بن جبل وزيد بن ثابت ...حديث"3917"وابن ماجة"1/55"في المفدمة حديث"155"وهو حديث صحيح.
(6) - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « أَرْحَمُ أُمَّتِى بِأُمَّتِى أَبُو بَكْرٍ وَأَشَدُّهُمْ فِى أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلاَلِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَقْرَؤُهُمْ أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ » سنن الترمذى (4159 ) وهو حسن لغيره .
(7) - انظر الأم"4/81".