فهرس الكتاب

الصفحة 252 من 522

فائدة أخرى: ذكر الخطيب البغدادي في كتاب الفقيه والمتفقه عن الشافعي أنه قال:الْأَصْلُ قُرْآنٌ وَسُنَّةٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيَاسٌ عَلَيْهِمَا ، وَإِذَا اتَّصَلَ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَصَحَّ الْإِسْنَادُ عَنْهُ فَهُوَ سُنَّةٌ . وَالْإِجْمَاعُ أَكْثَرُ مِنَ الْخَبَرِ الْمُنْفَرِدِ ، وَالْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ . وَإِذَا احْتَمَلَ الْمَعَانِيَ فَمَا أَشْبَهَ مِنْهَا ظَاهِرَهُ أَوْلَاهَا بِهِ . وَإِذَا تَكَافَأَتِ الْأَحَادِيثُ فَأَصَحُّهَا إِسْنَادًا أَوْلَاهَا . وَلَيْسَ الْمُنْقَطِعُ بِشَيْءٍ مَا عَدَا مُنْقَطِعُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ . وَلَا يُقَاسُ أَصْلٌ عَلَى أَصْلٍ . وَلَا يُقَالُ لِأَصْلٍ: لِمَ وَلَا كَيْفَ ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لِلْفَرْعِ: لِمَ ، فَإِذَا صَحَّ قِيَاسُهُ عَلَى الْأَصْلِ صَحَّ ، وَقَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَكُلًّا قَدْ رَأَيْتُهُ اسْتَعْمَلَ الْحَدِيثَ الْمُنْفَرِدَ ؛ اسْتَعْمَلَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ حَدِيثَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي التَّغْلِيسِ ، وَاسْتَعْمَلَ أَهْلُ الْعِرَاقِ حَدِيثَ الْغَرَرِ . وَكُلٌّ قَدِ اسْتَعْمَلَ الْحَدِيثَ هَؤُلَاءِ أَخَذُوا بِهَذَا وَتَرَكُوا الْآخَرَ ، وَهَؤُلَاءِ أَخَذُوا بِهَذَا وَتَرَكُوا الْآخَرَ . وَالَّذِي لَزِمَ قُرْآنٌ وَسُنَّةٌ ، وَأَنَا أَظْلِمُ فِي إِلْزَامِ تَقْلِيدِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَإِذَا اخْتَلَفُوا نَظَرًا أَتْبَعُهُمْ لِلْقِيَاسِ ، إِذَا لَمْ يُوجَدْ أَصْلٌ يُخَالِفُهُمْ ، أَتَّبِعُ أَتْبَعَهُمْ لِلْقِيَاسِ . قَدِ اخْتَلَفَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ ؛ الْقِيَاسُ فِيهَا مَعَ عَلِيٍّ ، وَبِقَوْلِهِ آخُذُ ، مِنْهَا الْمَفْقُودُ ، قَالَ عُمَرُ: يُضْرَبُ الْأَجَلُ إِلَى أَرْبَعِ سِنِينَ ، ثُمَّ تَعْتَدُّ امْرَأَتَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا . وَقَالَ عَلِيٌّ: امْرَأَتُهُ لَا تُنْكَحُ أَبَدًا . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ عَلِيٍّ حَتَّى يَتَّضِحَ بِمَوْتٍ أَوْ فِرَاقٍ . وَقَالَ عُمَرُ فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ فِي سَفَرٍ ، ثُمَّ يَرْتَجِعُهَا فَسَيَبْلُغُهَا الطَّلَاقُ ، وَلَا تَبْلُغُهَا الرَّجْعَةُ حَتَّى تَحِلَّ وَتُنْكَحُ: إِنَّ زَوْجِهَا الْآخَرَ أَوْلَى بِهَا إِذَا دَخَلَ بِهَا . وَقَالَ عَلِيٌّ: هِيَ لِلْأَوَّلِ ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا . وَقَالَ عُمَرُ فِي الَّذِي يَنْكِحُ الْمَرْأَةَ فِي الْعِدَّةِ ، وَيَدْخُلُ بِهَا أَنَّهُ يفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ، ثُمَّ لَا يَنْكِحُهَا أَبَدًا وَقَالَ عَلِيٌّ: يَنْحِكُهَا بَعْدُ . وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَقْرَاءِ ، وَأَصَحُّ ذَلِكَ أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِعُمَرَ:"مُرْهُ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ". فَلَمَّا سَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عِدَّةً كَانَ أَصَحَّ الْقَوْلِ فِيهَا لِأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - سَمَّى الْأَطْهَارَ الْعِدَّةَ". [1] "

وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي في كتاب الأصول الخمسة عشر": أربعة من الصحابة تكلموا في جميع أبواب الفقه, وهم: علي وزيد وابن عباس وابن مسعود. وهؤلاء الأربعة متى أجمعوا على مسألة على قول فالأمة فيها مجمعة على قولهم غير مبتدع لا يعتد بخلافه. وكل مسألة انفرد فيها علي بقول عن سائر الصحابة تبعه فيها ابن أبي ليلى والشعبي وعبيدة السلماني, وكل مسألة انفرد فيها زيد بقول تبعه الشافعي ومالك في أكثره. وتبعه خارجة بن زيد لا محالة. وكل مسألة انفرد بها ابن مسعود تبعه علقمة والأسود وأبو أيوب."

فصل [التفريع على أن قول الصحابي ليس بحجة] .

وإن قلنا: ليس بحجة فلا يكون قول بعضهم حجة على البعض, ولا يجوز لأحد الفريقين تقليد الآخر, ولا يمنع من تقليدهم من ليس بمجتهد, لكن الذي صرف الناس عن تقليدهم أنهم اشتغلوا بالجهاد وفتح البلاد ونشر الدين وإعلامه فلم يتفرغوا لتفريع الفروع وتدوينها, ولا انتشر لهم مذاهب يعرف آحادهم بها, كما جرى ذلك لمن بعدهم.

وأما تقليد المجتهد لهم ففيه ثلاثه أقوال للشافعي, ثالثها: يجوز إن انتشر قوله ولم يخالف, وإلا فلا. وقد أفرد الغزالي رحمه الله هذه المسألة بالذكر بعد الكلام في أن قول الصحابة حجة أم لا؟ فقال في المستصفى": إن قال قائل: إذا لم يجب تقليدهم, هل يجوز تقليدهم؟ قلنا: أما العامي فيقلدهم. وأما العالم فإن جاز له تقليد العالم جاز له أن يقلدهم, وإن حرمنا تقليد العالم للعالم فقد اختلف قول الشافعي في تقليد الصحابة, فقال في القديم: يجوز إذا قال قولا وانتشر قوله ولم يخالف. وقال في موضع آخر: يقلد وإن لم ينتشر. وقال: ورجع في الجديد إلى أنه لا يقلد العالم صحابيا كما لا يقلد العالم عالما آخر. نقل المزني عنه ذلك وأن العمل على الأدلة التي فيها يجوز للصحابي الفتوى, وهو الصحيح المختار عندنا [2] . انتهى."

وقد تبعه على إفراد هذه المسألة وجعلها فرعا لما قبلها ابن السمعاني والرازي وأتباعه والآمدي. ويوافقه حكاية ابن القطان في كتابه قولين في الصحابي إذا قال قولا ولم ينتشر:"أحدهما": أن تقليده واجب, وليس للتابعي مخالفته. و"الثاني": أن له مخالفته والنظر في الأدلة. وأعرض ابن الحاجب عن إفراد هذه المسألة بالذكر, لأنها عين ما قبلها, وهو الحق, لأن الظاهر أن الشافعي حيث صرح بتقليد الصحابي لم يرد به التقليد المشهور, وهو قبول قول غيره ممن لا يجب عليه اتباعه من غير حجة, بل مراده بذلك الاحتجاج فإنه استعمله في موضع الحجة فقال في مختصر المزني, في باب القضاء في الكلام على المشاور: ولا يقبل وإن كان أعلم منه حتى يعلم كعلمه أن ذلك لازم له, فأما أن يقلده فلم يجعل الله ذلك لأحد بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - . هذا نصه.

فأطلق اسم التقليد على الاحتجاج بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - , ولا سيما مع ما استقر من قوله المتكرر في غير موضع بالنهي عن التقليد والمنع منه. ويدل على ذلك قول الماوردي والجوري: إن مذهب الشافعي في القديم أن قول الصحابي حجة بمفرده إذا اشتهر ولم يظهر له مخالف. قال الماوردي: لا سيما إذا كان الصحابي إماما, وأغرب ابن الصباغ فحكى ذلك عن الجديد وقد سبق.

ثم قول الغزالي أنه رجع عنه في الجديد معارض بما نص عليه في كتاب الأم في غير موضع بتقليد الصحابة, كما سبق في البيع بشرط البراءة. وقوله:"قلته تقليدا لعثمان" [3] ، نقله المزني في مختصره, والربيع في اختلاف العراقيين"فإن كان أراد الشافعي بالتقليد للصحابي في القديم معناه المعروف فهو كذلك هنا أيضا في الجديد. والأظهر أنه أراد به الاحتجاج بقول الصحابي, وأطلق اسم التقليد عليه مجازا كما أطلقه في الاحتجاج بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ."

وقد قال الغزالي في"المستصفى" [4] بعدما سبق: فإن قيل: فقد ترك الشافعي في الجديد القياس في تغليظ الدية في الحرم لقول عثمان. ولذلك فرق بين الحيوان وغيره في شرط البراءة لقول عثمان. قلنا له: في مسألة شرط البراءة أقوال, فلعل هذا مرجوع عنه. انتهى. وهذا مردود بأنا قد بينا أنه نص عليه في غير موضع من كتبه الجديدة وقال: إنه الذي ذهب إليه, وبه قطع أبو إسحاق المروزي وابن خيران وغيرهما, ولم يجعلا للشافعي قولا في المسألة غيره, وهو الذي صححه المتأخرون. وأما مسألة تغليظ الدية فقد احتج الشافعي فيها بما روي عن عثمان أنه قضى في امرأة قتلت بالدية وثلث الدية, وروي نحوه عن عمر وابن عباس, ولا مخالف لهم من الصحابة, فيكون اعتمد ذلك بناء على أنه إجماع سكوتي, أو لأنه قضى به عثمان, وهو قد نص في الجديد على الرجوع إلى قول أحد الخلفاء الأربعة لأنه يشتهر غالبا بخلاف قول المفتى.

وقد حكى الغزالي أيضا في الموضع المشار إليه أيضا أن الشافعي اختلف قوله فيما إذا اختلف الإفتاء والحكم من الصحابة, فقال مرة: الحكم أولى, لأن العناية به أشد والمشورة فيه أبلغ. وقال مرة: الفتوى أولى, لأن سكوتهم على الحكم يحمل على الطاعة لأولي الأمر. وعزا هذا الاختلاف للقديم وجعله مرجوعا عنه. وفيه من النظر ما سلف نصه في كتبه الجديدة.

ظهر مما ذكرناه أن ذكر المنهاج هذا القول الثالث في أصل مسألة الحجية ليس بغلط, كما زعم شراحه, بل هو الصواب.

أما إذا انضم إلى قول الصحابي القياس ففيه مسألتان:

إحداهما: إذا تعارض قول صحابيين واعتضد أحدهما بالقياس. وقد سبقت عن النص.

الثانية: إذا تعارض قياسان واعتضد أحدهما بقول الصحابي, فحكى الرافعي عن الغزالي أنه قد قيل تميل نفس المجتهد إلى ما يوافق قول الصحابي ويرجح عنده. قال النووي: وقد صرح الشيخ في اللمع"وغيره من الأصحاب بالجزم بالموافق انتهى. وأنا أقول: من يرى أن قول الصحابي بمفرده حجة مقدمة على القياس يكون احتجاجه هنا بقول الصحابة بطريق الأولى. ومن يرى أنه ليس بحجة فإما أن يكون القياسان صحيحين متساويين أو لا, فإن كانا كذلك ولم يترجح أحدهما على الآخر بمرجح في الأصل أو حكمه, أو في العلة, أو دليلها, أو في الفرع, فالظاهر أن القياس المعتضد بقول الصحابي مقدم, ويكون ذلك من الترجيحات بالأمور الخارجية, كما ترجح أحد الخبرين المعارضين بعمل بعض الصحابة دون الآخر. وأما إذا كان أحد القياسين مرجحا على الآخر في شيء مما ذكرنا, ومع المرجوح قول بعض الصحابة فهذا محل النظر على القول بأن قوله ليس بحجة, والاحتمال منقدح."

وقد تقدم حكاية ابن الصباغ عن بعض أصحابنا أن القياس الضعيف إذا اعتضد بقول الصحابي يقدم على القياس القوي, وذاك هنا بطريق الأولى, وتقدم نقل الماوردي عن الشافعي أن رأيه في الجديد أن قياس التقريب إذا انضم إلى قول الصحابي كان أولى من قياس التحقيق, ومثل الماوردي قياس التقريب [5] بما ذكره الشافعي في مسألة البيع بشرط البراءة من العيوب أن الحيوان يفارقه ما سواه, لأنه يغتذى بالصحة والسقم, وتحول طبائعه, وقلما يخلو من عيب وإن خفي فلا يمكن الإخبار عن عيوبه الخفية بالإشارة إليها والوقوف عليها, وليس كذلك غير الحيوان, لأنه قد يخلو من العيوب ويمكن الإخبار فيها بالإشارة إليها لظهورها, فدل على افتراق الحيوان وغيره من جهة المعنى, مع ما روي معه من قصة عثمان.

وحاصله - على ما نقله الماوردي عن الجديد من مذهب الشافعي - أن القياس المرجوح إذا اعتضد بقول الصحابي كان مقدما على القياس الراجح, فيحتمل أن

يكون هذا تفريعا منه على أن قول الصحابي حجة, كما تقدم عنه في"الرسالة الجديدة"ويحتمل أن يكون على القول الآخر الذي اشتهر عند الأصحاب عن الجديد أنه ليس بحجة. وهو ظاهر كلام الماوردي, وقد ترجم القاضي في التقريب لهذه المسألة, وحكى خلاف القياس, وأنه هل يترجح قول الصحابي بذلك القياس الضعيف على القياس القوي, أو يجب العمل بأقوى القياسين؟ ثم رجح هذا الثاني.

مسألة فإن قال التابعي قولا لا مجال للقياس فيه لم يلتحق بالصحابي عندنا, خلافا للسمعاني كما سبق. قال صاحب الغاية من الحنابلة:"من قام من نوم الليل فغمس يده في إناء قبل أن يغسلها ذهب الحسن البصري [إلى] زوال طهوريته, وهو يخالف القياس. والتابعي إذا قال مثل ذلك كان حجة, لأن الظاهر أنه قال توقيفا عن الصحابة, أو عن نص ثبت عنده. قال صاحب المسودة": وظاهر كلام أحمد وأصحابنا أنه لا اعتبار بذلك, بل يجعل كمجتهداته.اهـ

وقال الشوكاني [6] :

"أنهم قد اتفقوا على أن قول الصحابي في مسائل الاجتهاد ليس بحجة على صحابي آخر، وممن نقل هذا الاتفاق القاضي أبو بكر، والآمدي، وابن الحاجب، وغيرهم."

واختلفوا هل يكون حجة على من بعد الصحابة من التابعين، ومن بعدهم، على أقوال [7] :

الأول: أنه ليس بحجة مطلقًا، وإليه ذهب الجمهور.

الثاني: أنه حجة شرعية، مقدمة على القياس، وبه قال أكثر الحنفية، ونقل عن مالك، وهو قديم قولي الشافعي.

الثالث: أنه حجة إذا انضم إليه القياس، فيقدم حينئذ على قياس ليس معه قول صحابي، وهو ظاهر قول الشافعي في"الرسالة".

قال: وأقوال الصحابة إذا تفرقا نصير منها إلى ما وافق الكتاب، أو السنَّة، أو الإجماع، أو كان أصح في القياس، وإذا قال واحد منهم القول لا يحفظ عن غيره منهم له فيه موافقة ولا مخالفة، صرت إلى إتباع قول واحدهم إذا لم أجد كتابا، ولا سنة، ولا إجماعا، ولا شيئًا يحكم له بحكمه، أو وجد معه قياس. انتهى.

وحكى القاضي حسين، وغيره من أصحاب الشافعي عنه أنه يرى في الجديد أن قول الصحابي حجة، إذا عضده القياس، وكذا حكاه عنه القفال الشاشي، وابن القطان.

قال القاضي في"التقريب": إنه الذي قاله الشافعي في الجديد، واستقر عليه مذهبه، وحكاه عنه المزني، وابن أبي هريرة.

الرابع: أنه حجة إذا خالف القياس؛ لأنه لا محمل له إلا التوقيف، وذلك أن القياس والتحكم في دين الله باطل، فيعلم أنه لم يقلد إلا توقيفا.

قال ابن برهان في"الوجيز": وهذا هو الحق المبين، قال: ومسائل الإمامين أبي حنيفة، والشافعي رحمهما الله تدل عليه. انتهى [8] .

ولا يخفاك أن الكلام في قول الصحابي إذا كان ما قاله من مسائل الاجتهاد، أما إذا لم يكن منها، ودل دليل على التوقيف، فليس مما نحن بصدده.""

والحقُّ: انه ليس بحجة فإن الله سبحانه لم يبعث إلى هذه الأمة إلا نبينا محمدا - صلى الله عليه وسلم - ، وليس لنا إلا رسول واحد، وكتاب واحد، وجميع الأمة مأمورة باتباع كتابه، وسنة نبيه، ولا فرق بين الصحابة"وبين"من بعدهم، في ذلك، فكلهم مكلفون بالتكاليف الشرعية، وباتباع الكتاب والسنة، فمن قال: إنها تقوم الحجة في دين الله عز وجل بغير كتاب الله، وسنة رسوله، وما يرجع إليهما، فقد قال في دين الله بما"لم"يثبت، وأثبت في هذه الشريعة الإسلامية شرعا لم يأمر الله به، وهذا أمر عظيم، وتقوُّل بالغ فعن الحكم لفرد أو أفراد من عباد الله بأن قوله، أو أقوالهم حجة على المسلمين يجب عليهم العمل بها وتصير شرعا ثابتا متقررا تعم به البلوى، مما لا يدان الله عز وجل به، ولا يحل لمسلم الركون إليه، ولا العمل عليه، فإن هذا المقام لم يكن إلا لرسل الله، الذين أرسلهم بالشرائع إلى عباده لا لغيرهم، وإن بلغ فالعلم والدين عظم المنزلة أي مبلغ، ولا شك أن مقام الصحبة مقام عظيم، ولكن ذلك في الفضيلة، وارتفاع الدرجة، وعظمة الشأن، وهذا مسلَّم لا شك فيه، ولهذا"صار مد"أحدهم لا"تبلغ إليه"من غيرهم الصدقة بأمثال الجبال، ولا تلازم بين هذا وبين جعل كل واحد منهم بمنزلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجية قوله، وإلزام الناس باتباعه، فإن ذلك مما لم يأذن الله به، ولا ثبت عنه فيه حرف واحد.

وأما ما تمسك به بعض القائلين بحجية قول الصحابي، مما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"فهذا لم يثبت قط، والكلام فيه معروف عند أهل هذا الشأن، بحيث لا يصح العمل بمثله في أدنى حكم من أحكام الشرع، فكيف مثل هذا الأمر العظيم والخطب الجليل، على أنه لو ثبت من وجه صحيح لكان معناه أن مزيد عملهم بهذه الشريعة المطهرة، الثابتة من الكتاب والسنة، وحرصهم على اتباعها، ومشيهم"في"طريقتها، يقتضي أن اقتداء الغير بهم في العمل بها، واتباعها هداية كاملة؛ لأنه لو قيل لأحدهم لِمَ قلت كذا"أو لِمَ فعلت كذا، لَمْ ٍْْْيعجز من إبراز الحجة من الكتاب والسنة، ولَمْ يتلعثم في بيان ذلك."

وعلى مثل هذا الحمل يحمل ما صحَّ عنه - صلى الله عليه وسلم - من قوله:"اقتدوا باللذين من بعدي؛ أبي بكر وعمر"وما صح عنه من قوله - صلى الله عليه وسلم -:"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين الهادين".

فاعرف هذا، واحرص عليه، فإن الله لم يجعل إليك وإلى سائر هذه الأمة رسولا إلا محمدا - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يأمرك باتباع غيره، ولا شرع لك على لسان سواه من أمته حرفا واحدا ولا جعل شيئًا من الحجة عليك في قول غيره، كائنا من كان. اهـ

قلت: ويردُّ على الشوكاني من وجهين:

الأول- هذا الكلام الذي قاله الشوكاني مليء بالمغالطات ، فمن من الأئمة قال: نترك القرآن والسُّنَّة ونتبع قول الصحابي ؟

والذين قالوا بجواز العمل بقول الصحابي هو فيما إذا لم يكن في المسألة الشرعية نصٌّ صريح لا في الكتاب ولا في السنَّة النبوية، وقدمه الكثيرون على القياس .

وهل اتباع قول الصحابي في ذلك هو إيجاد شرع جديد غير شرع محمد - صلى الله عليه وسلم - ؟!!!

وهل يقارن أي مجتهد في الأرض بالصحابة في العلم والفضل ؟!!

وهل الصحابة - رضي الله عنهم- كانوا يستنبطون الأحكام الشرعية من غير الكتاب والسُّنَّة؟!!

وهل أقوالهم خارجة عما يدلُّ عليه الكتاب والسُّنَّة دلالة عامة أو خاصة ؟!

وهل نقل لنا الكتاب والسُّنَّة سوى هؤلاء ؟!!

فإذا كان الذين عاصروا التنزيل مثلهم مثل غيرهم فعلى الدنيا العفاء !

بل نصوص القرآن والسُّنَّة تدل على عكس ما ذهب إليه ، ومن راجع كلام ابن القيم - وهو ممن يمنع التقليد- لرأى تهافت كلام الشوكاني رحمه الله .

والثاني-لقد ناقض نفسه وأيد القول بحجية الصحابي في كتابه (التقليد والإفتاء والاستفتاء) [9]

قال:"منصوص الشافعي في قوله القديم والجديد أن قول الصحابي حجة."

أمَّا قوله القديم فأصحابه مقِرُّون به، وأما الجديد فحكى عنه كثير من أصحابه فيه، أن قول الصحابي ليس بحجة، إلا أن هذه الحكاية غير محرَّرة؛ إذ لا يحفظ عن الإمام قول في الجديد أن قول الصحابي ليس بحجة.

وغاية ما يتعلق به هؤلاء الذين نقلوا عنه عدم حجية قول الصحابي، هو قولهم: إن الشافعي -رحمه الله- يحكي أقوال الصحابة في مذهبه الجديد، ثم يخالفها، وهذا يدل على أن أقوال الصحابة ليست بحجة عنده، ولو كانت عنده حجة لم يخالفها.

ويتعلَّق بعضهم بأن الشافعي في الجديد إذا ذكر أقوال الصحابة لا يعتمد عليها وحدها، كما يعتمد على النصوص وحدها، بل نراه يعضدها بضروب من الأقيسة: فنراه تارة يذكرها ويصرح بخلافها، وتراه تارة أخرى يوافقها ولا يعتمد عليها، بل يعضدها بذكر دليل آخر.

وما تعلَّق به كل من الفريقين ضعيف جدًّا.

أما ما تعلق به الفريق الأول فيجاب عنه، بأن المجتهد إذا خالف الدليل المعين لدليل هو أقوى في نظره منه، فإنه لا يدل على أنه لا يرى الأول دليلا، وهذا من حيث الجملة.

وأما ما تعلق به الفريق الثاني، فيجاب عنه: بأن الشافعي -رحمه الله- إذا عضد قول الصحابي بضروب من الأقيسة، فهذا من باب تظافر الأدلة وتناصرها، وهذا من عادة أهل العلم قديمًا وحديثًا، فلا يدل سردهم للأدلة المتتابعة على أن ما ذكروه من الأدلة مقدَّمًا ليس بدليل.

ويجاب أيضًا عن ما توهمه كل من الفريقين الذين حكوا عن الشافعي في الجديد أن قول الصحابي ليس بحجة، بأن الشافعي صرَّح في الجديد من رواية الربيع عنه، بأن قول الصحابي حجة يجب المصير إليه، قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْمُحْدَثَاتُ مِنَ الْأُمُورِ ضِرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا أُحْدِثَ يُخَالِفُ كِتَابًا أَوْ سَنَةً أَوْ أَثَرًا أَوْ إِجْمَاعًا , فَهَذِهِ لَبِدْعَةُ الضَّلَالَةِ . وَالثَّانِيةُ: مَا أُحْدِثَ مِنَ الْخَيْرِ لَا خِلَافَ فِيهِ لِوَاحِدٍ مِنْ هَذَا , فَهَذِهِ مُحْدَثَةٌ غَيْرُ مَذْمُومَةٍ وَقَدْ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ:"نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ"يَعْنِي أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ لَمْ تَكُنْ , وَإِنْ كَانَتْ فَلَيْسَ فِيهَا رَدٌّ لِمَا مَضَى". [10] "

فقد جعل -رحمه الله- مخالفة الأثر الذي ليس بكتاب ولا سنة ولا إجماع، ضلالة، فكيف يقال بعد هذا إنه لا يرى قول الصحابي حجة، والربيع إنما أخذ عنه بمصر.

(1) - الفقيه والمتفقه ( 457 )

(2) - انظرالمستصفى"2/267, 268".

(3) - انظر الأم"7/99".

(4) - انظر المستصفى ص"171".

(5) - الحاوي في فقه الشافعي - الماوردي - (ج 5 / ص 271)

(6) - إرشاد الفحول - (ج 2 / ص 187) فما بعد

(7) - انظر فواتح الرحموت 2/ 185 والبحر المحيط 6/ 53.

(8) - انظر تتمة البحث مفصلا في البحر المحيط 6/ 59.

(9) - التقليد والإفتاء والاستفتاء للشوكاني - (ج 1 / ص 51) فما بعدها

(10) - الْمَدْخَلُ إِلَى السُّنَنِ الْكُبْرَى لِلْبَيْهَقِيِّ (190 ) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت