فهرس الكتاب

الصفحة 262 من 522

وعلى ذلك فما معنى المنافاة عند ابن الصلاح؟ وما الفرق بين المخالفة والمنافاة؟ لنشير إلى الفرق بينهما عموما نورد هنا مثالين: ورد عن عبد الله بن عمر في الطلاق البدعي حديث اختلف الرواة فيه؛ فروى جماعة من الثقات ما يفيد أن ابن عمر طلق تطليقة ،وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: حُسِبَتْ عَلَىَّ بِتَطْلِيقَةٍ [1] ، في حين روى أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَيْمَنَ مَوْلَى عُرْوَةَ يَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ وَأَبُو الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ قَالَ كَيْفَ تَرَى فِى رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا قَالَ طَلَّقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ وَهِىَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِىَ حَائِضٌ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَرَدَّهَا عَلَىَّ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا وَقَالَ « إِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أَوْ لِيُمْسِكْ » . قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَقَرَأَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - (يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ) فِى قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَنَسُ بْنُ سِيرِينَ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَأَبُو الزُّبَيْرِ وَمَنْصُورٌ عَنْ أَبِى وَائِلٍ مَعْنَاهُمْ كُلُّهُمْ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - أَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَالِمٍ وَنَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - أَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَرُوِىَ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِىِّ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُ رِوَايَةِ نَافِعٍ وَالزُّهْرِىِّ وَالأَحَادِيثُ كُلُّهَا عَلَى خِلاَفِ مَا قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ [2] .

وقال البيهقي عقبه:"قَالَ الشَّافِعِىُّ: وَنَافِعٌ أَثْبَتُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ أَبِى الزُّبَيْرِ وَالأَثْبَتُ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ أَوْلَى أَنْ يُقَالَ بِهِ إِذَا خَالَفَهُ قَالَ وَقَدْ وَافَقَ نَافِعٌ غَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ الثَّبَتِ فِى الْحَدِيثِ فَقِيلَ لَهُ: أَحُسِبَتْ تَطْلِيقَةُ ابْنِ عُمَرَ عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - تَطْلِيقَةً قَالَ فَمَهْ وَإِنْ عَجَزَ يَعْنِى أَنَّهَا حُسِبَتْ وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تُحْسَبُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) لَمْ يُخَصِّصْ طَلاَقًا دُونَ طَلاَقٍ ثُمَّ سَاقَ الْكَلاَمَ إِلَى أَنْ قَالَ وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَمْ تُحْسَبْ شَيْئًا صَوَابًا غَيْرَ خَطَإٍ كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ أَخْطَأَ فِى فِعْلِهِ وَأَخْطَأَ فِى جَوَابٍ أَجَابَ بِهِ لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا يَعْنِى لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا صَوَابًا. أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِىٍّ الرُّوذْبَارِىُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ هُوَ السِّجِسْتَانِىُّ قَالَ الأَحَادِيثُ كُلُّهَا عَلَى خِلاَفِ مَا قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ." [3]

وأفاد هذا الحديث أن الطلاق لم يقع، وهو ينافي حديث الجماعة الذي يدل على وقوع الطلاق. وعلى هذا الأساس أعلَّ النقاد حديث أبي الزبير. والجدير بالذكر أنه لم يكن تعليل هذا الحديث لمجرد مخالفة أبي الزبير غيره من الثقات، وإنما لدلالة القرائن على خطئه الذي كان سبب مخالفته للآخرين [4]

وأما مثال المخالفة دون المنافاة ما روي في سنن أبى داود (748 ) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَاصِمٍ - يَعْنِى ابْنَ كُلَيْبٍ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أَلاَ أُصَلِّى بِكُمْ صَلاَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ فَصَلَّى فَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلاَّ مَرَّةً. قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ وَلَيْسَ هُوَ بِصَحِيحٍ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ.

وهذا يخالف ما في سنن أبى داود (747 ) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الصَّلاَةَ فَكَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَلَمَّا رَكَعَ طَبَّقَ يَدَيْهِ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ قَالَ فَبَلَغَ ذَلِكَ سَعْدًا فَقَالَ صَدَقَ أَخِى قَدْ كُنَّا نَفْعَلُ هَذَا ثُمَّ أُمِرْنَا بِهَذَا يَعْنِى الإِمْسَاكَ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ.

وبين الحديثين مخالفة دون منافاة؛ حيث قال سفيان في الحديث إنه لم يرفع يديه إلا مرة واحدة، بينما قال ابن إدريس في الحديث نفسه موضوع التطبيق [5] دون تطرقه لموضوع رفع اليدين، وتعدُّ مثل هذه الحالة مخالفة في الحديث، ويكون من شأنها أن تقتضي الترجيح أو الجمع على أصول النقد عند المحدثين.

وإذا كانت المنافاة أخصَّ من المخالفة كما لمسنا في هذين المثالين فإن اعتماد هذه المنافاة كميزان لرد الحديث المخالف لا يستبعد صدوره من ابن الصلاح لكونه منتميا إلى مدرستي الفقه والأصول. ولذا كان ذلك أساس هذا التقسيم الذي آثره ابن الصلاح في زيادة الثقة، قصد الخروج من تباين الآراء حولها؛ إذ جعل حكم القسم الأول منوطا بوجود المنافاة كشرط زائد على المخالفة بينما توقف عن بيان حكم القسم الثالث المتمثل في زيادات الثقات؛ نظرا لعدم وجود المنافاة فيها.

هذا وقد جاء عن الحافظ ابن حجر أقوال مختلفة في تفسير كلمة المنافاة؛ منها قوله:''وإما أن تكون (الزيادة) منافية بحيث يلزم من قبولها رد الرواية الأخرى فهذه هي التي يقع الترجيح بينها وبين معارضها'' [6] ومنها قوله: ''إلا إن كانت الزيادة منافية بحيث يتعذر الجمع'' [7] . وبهذا فسر الحافظ ابن حجر المخالفة حيث قال:''وأما المخالفة وينشأ عنها الشذوذ والنكارة فإذا روى الضابط أو الصدوق شيئا فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددا بخلاف ما روى بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين فهذا شاذ'' [8] .

وإن كانت هذه الأقوال غير متفقة في ظاهرها لكنها في مجملها تكون أقرب إلى منهج المحدثين منها إلى منهج الفقهاء والأصوليين؛ لكونها تتجه نحو تحديد المخالفة التي تكون أساسا في الشاذ والمنكر بأنها ما يتعذر الجمع على قواعد المحدثين، دون أن تكون المخالفة على عمومها.

وبما أن المقصود بالمنافاة هو كل ما يتعذر الجمع على قواعد المحدثين فإن المنافاة لا تعد قيدا زائدا على المخالفة التي لا تكون على إطلاقها عند المحدثين النقاد. ولذا أصبح تفسير ابن حجر للمنافاة موافقا لمنهج المحدثين في النقد. هذا ولم يرد ذكر لفظ المنافاة كشرط لرد الحديث المخالف إلا في نص الإمام ابن الصلاح، وذلك لتوجهه الفقهي في معالجة بعض قضايا النقد عند المحدثين. (والله أعلم) وللأسف لم ينتبه إلى ذلك كثير من الباحثين حين قلدوا ابن الصلاح في مقدمته [9] .

وعلى كل حال فإن مسألة زيادة الثقة ينبغي طرحها في ضوء صلتها الوثيقة بالأنواع التي سبق البحث فيها، لكنه (رحمه الله تعالى) حين توسط بين نهج الفقهاء والأصوليين في معالجة مسألة زيادة الثقة ، وبين طريقة المحدثين النقاد - كما نص على ذلك الحافظ العلائي - [10] جاء التقسيم والقبول والرد فيها على أساس وجود المنافاة وعدمها، وهذه النظرة تعد غريبة في منهج المحدثين النقاد الذي يقوم على تتبع الملابسات والقرائن في الرواية. ومنهجهم هذا في تحري المرويات والمنقولات يكون هو الصواب؛ إذ لو كان رد الحديث المخالف متوقفا على وجود المنافاة وحدها للزم أن نضيف إلى النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) ما لم يقله إذ لا يكون بالضرورة أن يكون ( - صلى الله عليه وسلم - ) قد قال كل ما أضيف إليه بأي شكل كان بمجرد عدم المنافاة لما رواه الناس أو الأوثق، وكذا الأمر في كل ما يضاف إلى الرواة الذين اختلف عليهم بذلك.ونخلص أخيرا إلى أن الحكم في زيادة الثقة أو فيما ينفرد به عموما متوقف على نوعية القرائن والملابسات التي تحتف بها، وعلى هذا الأساس جاء عمل أولئك النقاد في كتب العلل والصحاح وكتب الضعفاء، وجاءت نصوص كثيرة عن كثير من المحققين تؤكد ذلك، ونذكر هنا بعضا منها.

يقول ابن دقيق العيد: ''من حكى عن أهل الحديث أو أكثرهم أنهم إذا تعارض رواية مسنِد ومرسِل أو رافع وواقف أو ناقص وزائد إن الحكم للزائد لم يصب في هذا الإطلاق فإن ذلك ليس قانونا مطردا، والمراجعة لأحكامهم الجزئية تعرف صواب ما نقول'' [11] .

ويقول العلائي: ''كلام الأئمة المتقدمين في هذا الفن كعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل والبخاري وأمثالهم يقتضي أنهم لا يحكمون في هذه المسألة بحكم كلي ، بل عملهم في ذلك دائر مع الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند أحدهم في كل حديث حديث'' [12] .

ويقول في موضع آخر ''ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث، بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص وإنما ينهض بذلك الممارس الفطن الذي أكثر من الطرق والروايات، ولهذا لم يحكم المتقدمون في هذا المقام بحكم كلي يشمل القاعدة ، بل يختلف نظرهم بحسب ما يقوم عندهم في كل حديث بمفرده -والله أعلم-'' [13] .

ويقول الحافظ ابن حجر: '' ... والذي يجري على قواعد المحدثين أنهم لا يحكمون عليه بحكم مستقل من قبول ورد، بل يرجحون بالقرائن كما قدمناه في مسألة تعارض الوصل والإرسال'' [14]

ويقول البقاعي: ''إن ابن الصلاح خلط هنا طريقة المحدثين بطريقة الأصوليين، فإن للحذاق من المحدثين في هذه المسألة نظرا لم يحكه، وهو الذي لا ينبغي أن يعدل عنه، وذلك أنهم لا يحكمون منها بحكم مطرد، وإنما يديرون ذلك على القرائن'' [15]

ويقول ابن الوزير: ''وعندي أن الحكم في هذا لا يستمر، بل يختلف باختلاف قرائن الأحوال، وهو موضع اجتهاد'' [16] .

وهذه النصوص كلها كانت متفقة على أن قبول زيادة الثقة أو ما ينفرد به الراوي عموما وردها يدوران على نوعية المرجحات والقرائن، بغض النظر عن وجود المنافاة وعدمها، وهو خلاف ما لاحظناه في مسألة زيادة الثقة التي تناولتها كتب المصطلح على أشكال مختلفة.

وبقي هنا شيء آخر ينبغي ذكره، وهو ما يخص الحديث الفرد الذي تفرد به الثقة من أصل الحديث، فقد نقل ابن الصلاح عن الخطيب البغدادي اتفاق العلماء على قبوله مطلقا، وهذا غير سليم؛ لأن قبول هذا النوع ليس على الإطلاق، وليس هو محل اتفاق لدى المحدثين، وقد نبه على ذلك الحافظ ابن حجر حين قال: ''ليس كل حديث تفرد به أي ثقة كان يكون مقبولا'' [17] ، على أن الإمام ابن الصلاح نفسه قد أشار إلى ذلك بقوله في مبحث العلة: ''ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي مع قرائن تنضمُّ إليه تنبه العارف بهذا الشأن''، فما أطلقه هنا من قبول ما تفرد به الثقة لا يكون سليما لتناقضه مع مبحث العلة الذي جعل الحكم فيه منوطا بنوعية القرائن التي تحف بالحديث المتفرد. [18]

5-أشهر من اعتنى بها:

هذه الزيادات من بعض الثقات في بعض الأحاديث لفتت أنظار العلماء ، فتتبعوها واعتنوا بجمعها ومعرفتها ، وممن اشتهر بذلك الأئمة:

أبو بكر عبدالله بن محمد بن زياد النيسابوري .

أبو نُعَيم الجُرْجَاني .

أبو الوليد حسان بن محمد القرشي .

6-محل وقوع زيادات الثقات:

يتبين من التعريف المتقدم لزيادة الثقة أنها تقع في الإسناد ، وتقع في المتن .

وصورها محصورة في خمس ، ثلاث في الإسناد: وصل مرسل ، ورفع موقوف أو مقطوع ، والزيادة خلال الإسناد ، ومنه: المزيد في متصل الأسانيد ، وواحدة في المتن ، وهي زيادة الكلمة ، أو الجملة أو أكثر ، ومشتركة بينهما ، وهي: الإدراج .

7-حكم الزيادة في متن الحديث:

وهي ما يقع في ألفاظ متن الحديث الواحد المتحد في أصله ، كحديث عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، من مفردة ، أو مفردات ، أو جملة ، أو مقطع ، أو قصة ، أو ما يزيد حتى يبلغ أن يكون بمنزلة حديث آخر .

وهو كثير في الأحاديث ، ويمكن أن يستفاد بعض مثاله مما بينته من مثال لفوائد المستخرجات على"الصحيحين"، وما يقع فيها من زيادات الرواة في المتون .

وربما كان تمام الحديث بتلك الزيادة ، ومن لم يذكرها اختصره ، ففوت باختصاره ما قد يدل عليه من العلم أصل سياقه .

وقد اعتنى به جماعة من فقهاء المحدثين ، كأبي داود السجستاني في"السنن"، وأبي بكر النيسابوري في"الزيادات على كتاب المزني"، والبيهقي في"السنن"

وجمع ألفاظ الحديث ، وتبيين ما يزيد الثقات في متنه على بعضهم يحرر أصول كثير من الأحاديث ، وربما أبان عن معنى يتحصل بتلك الزيادة ، أو بتمام السياق لم يكن ليحصل بدونه .

بل في اختلاف الفقهاء مسائل كثيرة يعود سبب اختلافهم فيها إلى هذا المعنى كاختلافهم في كفارة المواقع في رمضان ، وهل هي لإفطاره بأي سبب ، أو لإفطاره بالمواقعة خاصة ، وحكم القضاء له ، أو عدمه ، وكاختلافهم في صفة القعود للتشهد من صلاة الصبح بالتورك أو الافتراش ، لما جاء به الرواة لحديث أبي حميد السَّاعديِّ في صفة الصلاة اختصارًا وتمامًا ، وغير ذلك .

ومن مثاله الذي يتنازع أئمة الحديث قبوله: زيادة"وإذا قرأ فأنصتوا"في حديثي أبي موسى الأشعري ، وأبي هريرة ، من قبل بعض الثقات في حديث كل منهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:"إنما جعل الإمام ليؤتم به"، وهو حديث معروف الصحة ، سوى هذه الزيادة ، فقد اختلفوا فيها قبولًا وردا .

وقد أورد مسلم الحديث بها في"صحيحه" (932 ) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى عَرُوبَةَ ح وَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِىُّ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنَا أَبِى ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِىِّ كُلُّ هَؤُلاَءِ عَنْ قَتَادَةَ فِى هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ. وَفِى حَدِيثِ جَرِيرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ قَتَادَةَ مِنَ الزِّيَادَةِ « وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا » . وَلَيْسَ فِى حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ « فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ » . إِلاَّ فِى رِوَايَةِ أَبِى كَامِلٍ وَحْدَهُ عَنْ أَبِى عَوَانَةَ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ أُخْتِ أَبِى النَّضْرِ فِى هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ مُسْلِمٌ تُرِيدُ أَحْفَظَ مِنْ سُلَيْمَانَ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ فَحَدِيثُ أَبِى هُرَيْرَةَ فَقَالَ هُوَ صَحِيحٌ يَعْنِى وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا. فَقَالَ هُوَ عِنْدِى صَحِيحٌ. فَقَالَ لِمَ لَمْ تَضَعْهُ هَا هُنَا قَالَ لَيْسَ كُلُّ شَىْءٍ عِنْدِى صَحِيحٍ وَضَعْتُهُ هَا هُنَا. إِنَّمَا وَضَعْتُ هَا هُنَا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ.""

ولم يبال بما قاله غيره من تفرد سليمان التيمي بها عن قتادة ، عن يونس بن جبير ، عن حطان بن عبد الله الرقاشي ، عن أبي موسى ، من أجل ما عرف من إتقان التيمي .

بينما أحجم مسلم أن يسوق الحديث بها في"صحيحه"من حديث أبي هريرة مع حكمه بصحته ، من أجل شدة إنكارهم لها على محمد بن عجلان ، إذ تفرد بها عن زيد بن أسلم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة .

أ) مثال للزيادة التي ليس فيها منافاة: ما رواه صحيح مسلم [19] وَحَدَّثَنِى عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِى رَزِينٍ وَأَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِى إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ » . ، ولم يذكرها سائر الحفاظ من أصحاب الأعمش ، وإنما رووه كما في موطأ مالك [20] عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِى إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ » . فتكون هذه الزيادة كخبر تفرد به علي بن مُسْهِرَ ، وهو ثقة [21] ، فتقبل تلك الزيادة

ب) مثال للزيادة المنافية:

زيادة"يوم عرفة"، كما في سنن أبى داود [22] عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَىٍّ قَالَ سَمِعْتُ أَبِى أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلاَمِ وَهِىَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ » .

فان الحديث من جميع طرقه بدونها ، وإنما جاء بها موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر ، والحديث أخرجه الترمذي وأبو داود وغيرهما .

جـ) مثال للزيادة التي فيها نوع منافاة: ما رواه مسلم [23] من طريق أَبِى مَالِكٍ الأَشْجَعِىِّ عَنْ رِبْعِىٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلاَثٍ جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلاَئِكَةِ وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ » ."فقد تفرد أبو مالك الأشجعي بزيادة"تربتها"ولم يذكرها غيره من الرواة ، وإنما رووا الحديث هكذا"وَجُعِلَتْ لِىَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا""

كما في صحيح البخارى برقم (335 ) عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِى نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، وَجُعِلَتْ لِىَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِى أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ ، وَأُحِلَّتْ لِىَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِى ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ ، وَكَانَ النَّبِىُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً ، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً » .

والترمذى برقم (1640 ) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَأُحِلَّتْ لِىَ الْغَنَائِمُ وَجُعِلَتْ لِىَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً وَخُتِمَ بِىَ النَّبِيُّونَ » . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وأحمد برقم (2794) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِىٌّ قَبْلِى وَلاَ أَقُولُهُنَّ فَخْرًا بُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَأُحِلَّتْ لِىَ الْغَنَائِمُ وَلَم تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِى وَجُعِلَتْ لِىَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ فَأَخَّرْتُهَا لأُمَّتِى فَهِىَ لِمَنْ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا » . (وهو صحيح )

(1) - - رواه البخاري في الطلاق باب إذا طلقت الحائض تعتد بذلك الطلاق 9/436 وفي باب مراجعة الحائض ص:599

(2) - سنن أبى داود (2187 )

(3) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 7 / ص 327) (15327)

(4) - - انظر تفصيله في جامع العلوم والحكم 1/173 - 176 لابن رجب الحنبلي

(5) - - التطبيق هو أن يجعل اليدين بين الركبتين في الركوع، وكان هذا مشروعا ثم نسخ.

(6) - نزهرة النظر شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر ص: 39

(7) - - مقدمة فتح الباري ، الفصل الثامن ، القسم الثالث ص:507

(8) - - المصدر السابق في الفصل التاسع ص: 549 وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 153) وتوجيه النظر إلى أصول الأثر - (ج 1 / ص 53) والحديث المعلول قواعد وضوابط - (ج 1 / ص 27) وزيادة الثقة في كتب مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 11) وعلوم الحديث في ضوء تطبيقات المحدثين النقاد - (ج 1 / ص 22)

(9) - كتاب تحفة الأحوذي 2/82 - 85

(10) - - نظم الفرائد ص: 215

(11) - نقله الصنعاني في توضيح الأفكار 1/343 - 344 وعلوم الحديث في ضوء تطبيقات المحدثين النقاد - (ج 1 / ص 66)

(12) - انظر النكت 2/ 604 و توضيح الأفكار - (ج 1 / ص 344)

(13) - نقله الحافظ في النكت 2/712

(14) - النكت 2/687

(15) - - نقله الصنعاني في توضيح الأفكار 1/339 - 340

(16) - - توضيح الأفكار 1/312

(17) - النكت على مقدمة ابن الصلاح 2/690

(18) - انظر زيادة الثقة في كتب مصطلح الحديث د- حمزة المليباري- (ج 1 / ص 1-16)

(19) - برقم (674 )

(20) - برقم (66 ) ومسلم من طريقه برقم (676 )

(21) - انظر ترجمته في تهذيب الكمال [ ج 21 - ص 135 ] برقم (4137 )

(22) - برقم (2421 ) وهو صحيح

(23) - صحيح مسلم برقم (1193 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت