فهرس الكتاب

الصفحة 292 من 522

الأول: إن هذه الزيادة لم تخرجه عن حيز الجهالة ، بل غاية نفعها أنها أزالت عنه شيئًا من جهالته ، فنقلته من مرتبة جهالة إلى مرتبة جهالة أخرى أخف منها .

الثاني: إن هذه الزيادة حتى وإن عظمت فبلغت أكثر من اثنين غير مقتضية لإثبات العدالة ، وقد نصَّ الخطيب البغدادي وغيره على ذلك ، فقال: أقلُّ ما ترتفع به الجهالة - يعني: جهالة العين - أن يروي عن الرجل اثنان فصاعدًا من المشهورين بالعلم كذلك ؟ ... إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه) [1]

الثالث: إن العبرة أصلًا ليست بكثرة الرواة وقلتهم ، بل بالمعرفة والسبر وللحافظ ابن القطان الفاسي كلام نفيس في كتابه"بيان الوهم والإيهام"حول قبول رواية المستور فقال - رحمه الله - [2] : (والحقُّ في هذا أنه لا تقبل روايته ، ولو روى عنه جماعة ، ما لم تثبت عدالته ، ومن يذكر في كتب الرجال برواية أكثر من واحد عنه مهملًا من الجرح والتعديل ، فهو غير معروف الحال عند ذاكره بذلك ، وربما وقع التصريح بذلك في بعضهم) .

وقال الإمام السيوطي في شرحه لألفية العراقي ( ص 244 ) : (الرواية تعريف له - [ يعني: للراوي ] والعدالة بالخبرة ، وبأنه قد لا يعلم عدالته ولا جرحه)

وقال أحد الباحثين: (ذكرت في المبحث السابق عن عدد من أئمة النقد أنهم قد يعدون الراوي مجهولًا إذا لم يرو عنه إلا راوٍ واحد ، وقد يعدّونه ثقة ، وقد يجهلون من روى عنه جماعة ، وقد يوثقونه ، أو يذكرون أنه معروف ، وهذا يعني أن العبرة عندهم ليست في عدد الرواة عن الشيخ ، وإنما العبرة بمعرفته واستقامة روايته) [3] .

والآن حان الوقت للدخول في مناقشة كلام المحررين:

1-إن من ذكره ابن حبان في ثقاته ، وكان له راوٍ واحد ، فهو مجهول العين وهذه قاعدة تكاد تكون محل اتفاق المحدثين [4] ، إلا أن المحررين لم يلتزما ذلك رغم كونها عميقة الأصالة لدى المحدثين ، وسأسوق أمثلة على ذلك:

أ- الترجمة ( 188 ) ، تفرد بالرواية عنه الأوزاعي ، وذكره ابن حبان في الثقات ( 6 / 21 ) ، وقال ابن حجر: مجهول ، تعقباه بأنه: ثقة !!

ففي تقريب التهذيب (188) إبراهيم بن طريف الشامي مجهول تفرد عنه الأوزاعي وقد وُثِّق من السابعة مد

وفي الجرح والتعديل [ج2 -ص 108 ] (309 ) إبراهيم بن طريف الشامي روى عن بن محيريز روى عنه الأوزاعي

وفي الثقات لابن حبان (6551 ) إبراهيم بن طريف شيخ يروى عن يحيى بن سعيد الأنصاري روى عنه عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي

وفي تهذيب التهذيب [ج1 -ص 112 ] (230 ) مد أبي داود في المراسيل إبراهيم بن طريف الشامي عن عبد الله بن محيريز ويحيى بن سعيد الأنصاري ومحمد بن كعب القرظي، وعنه الأوزاعي، قلت ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: شيخ ،ونقل بن شاهين في الثقات عن أحمد بن صالح قال: كان ثقة.

قلت: فالصواب أنه ثقة وله حديثان في كتب السنَّة ، ولكن الحافظ ابن حجر رحمه الله لم ينص على ثقته صراحة ، لأنه مخالف للقاعدة العامة ، حيث لم يرو عنه غير واحد .

ب- الترجمة ( 1385 ) ، تفرد بالرواية عنه الزهري ، وذكره ابن حبان في الثقات ( 4/159 ) وقال ابن حجر: صدوق الحديث ، ولم يتعقباه !!

ففي تقريب التهذيب (1385) حصين بن محمد الأنصاري السالمي المدني صدوق الحديث من الثانية لم يرو عنه غير الزهري خ م س

وفي تهذيب التهذيب [ج 2 -ص 336 ] (678 ) خ م سي البخاري ومسلم والنسائي في اليوم والليلة حصين بن محمد الأنصاري السالمي المدني ،وكان من سراتهم سأله الزهري عن حديث محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك فصدَّقه، قال ابن أبي حاتم عن أبيه روى عن عتبان وعنه الزهري مرسل ، وذكره ابن حبان في الثقات ..،وقال الحاكم: قلت للدارقطني حصين بن محمد السالمي الذي يروي عنه الزهري قال: ثقة إنما حكى عنه الزهري حديثين.

وفي ميزان الاعتدال (2092 ) حصين بن محمد الأنصاري [ خ، م ] السالمي فيحتجُّ به في الصحيحين، ومع هذا فلا يكاد يعرف.

فرد عليه الحافظ ابن حجر في لسان الميزان [ج 7 -ص199 ] (2686 ) .. قلت: ذكره ابن حبان في الثقات، وإنما رويا له عن محمود بن الربيع

قلت: فالصواب مع الحافظ ابن حجر ومعهما حيث وافقاه ،وقد تفرد الزهري عن رواة فقد تفرَّد الزهري عن جماعة من تابعي المدنيين ؛ لم يرو عنهم غيره،ووثقهم أئمة التزكية والتعديل .

ولهذا قال الحافظ ابن حجر:"وَهُوَ حَدِيث أَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ نَبْهَان مَوْلَى أُمّ سَلَمَة عَنْهَا وَإِسْنَاده قَوِيّ،وَأَكْثَر مَا عَلَّلَ بِهِ اِنْفِرَاد الزُّهْرِيِّ بِالرِّوَايَةِ عَنْ نَبْهَان وَلَيْسَتْ بِعِلَّةٍ قَادِحَة،فَإِنَّ مَنْ يَعْرِفهُ الزُّهْرِيُّ وَيَصِفهُ بِأَنَّهُ مُكَاتَب أُمّ سَلَمَة وَلَمْ يُجَرِّحهُ أَحَد لَا تُرَدّ رِوَايَته" [5]

قلت: وهذا أحد المواضع التي تبين معنى قول ابن حجر عن الراوي:"مقبول"بأنَّه- ثقةٌ أو صدوقٌ-عنده ؛ خلافًا للمفهوم الخاطئ لدى المتأخرين،فليتنبه لمثله !! .

وأعجب شئٍ في تضعيفهم لحديث نبهان،تقليدُ من ضعَّفه لأبي محمد بن حزمٍ،الذي زعم جهالة نبهان لتفرد الزهري بالرواية عنه !! .

فإن كنت لا تعلم ما في هذا التقليد من الخطأ والجفاء لمذاهب الأئمة الفحول،فاعلم أنَّه: قد تفرد أبو بكرٍ محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهابٍ الزهرىُّ المدني عن جماعةٍ من المدنيين وغيرهم،ممن لم يرو عنهم غيرُه . ولست أعلم أحدًا أحصى ما للزهرى من أفرادٍ على وجه التحديد،وسأذكر في هذه العجالة عشرين راويًا ممن هم في عداد المجاهيل،على طريقة أهل الإصطلاح،تفرد أبو بكرٍ الزهرى بالرواية عنهم،وتلقَّى الأئمة أحاديثهم بالقبول واحتجُّوا بها [6]

(1) إسماعيل بن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس .

(2) ثابت بن قيس الأنصارى الزرقي المدنى .

(3) حسين بن السائب بن أبي لبابة بن عبد المنذر الأنصاري .

(4) حصين بن محمد الأنصارى السالمى المدنى .

(5) حفص بن عمر بن سعد القرظ المدني المؤذن .

(6) سحيم ـ بمهملتين مصغرًا ـ مولى بنى زهرة .

(7) صالح بن بشير بن فديك أبو الفديك .

(8) عبد الرحمن بن مالك بن مالك بن جعشم،ابن أخي سراقة بن مالك المدلجي

(9) عبيد الله بن خليفة الخزاعي الكوفى .

(10) عثمان بن إسحاق بن خرشة القرشى العامرى المدنى .

(11) عقبة ويقال عتبة بن سويد الأنصاري .

(12) عكرمة بن محمد الدؤلى .

(13) عمر بن محمد بن جبير بن مطعم القرشى النوفلى .

(14) عمرو بن أبان بن عثمان بن عفان القرشى الأموى .

(15) عمرو بن عبد الله بن أنيس بن أسعد بن حرام الجهنى .

(16) محمد بن سويد بن كلثوم بن قيس القرشى الفهرى،ابن ابن أخى الضحاك بن قيس

(17) محمد بن عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمى النوفلى .

(18) محمد بن النعمان بن بشير الأنصاري .

(19) أبو عثمان بن سنة الخزاعي الكعبي الدمشقي .

(20) أبو الأحوص مولى بنى ليث أو غفار .

ونزيدك إيضاحًا وتبصيرًا،ليزداد يقينك في توثيق وتعديل أمثال من روى عنه الزهرى،فنذكر أنموذجين من هؤلاء المذكورين:

[ الأول ] ثابت بن قيس الأنصارى الزرقى .

أخرج حديثه أحمد (2/267) (7846) قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: أَخَذَتِ النَّاسَ رِيحٌ بِطَرِيقِ مَكَّةَ،وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَاجٌّ،فَاشْتَدَّتْ عَلَيْهِمْ،فَقَالَ عُمَرُ لِمَنْ حَوْلَهُ: مَنْ يُحَدِّثُنَا عَنِ الرِّيحِ ؟،فَلَمْ يُرْجِعُوا إِلَيْهِ شَيْئًا،فَبَلَغَنِي الَّذِي سَأَلَ عَنْهُ عُمَرُ مِنْ ذَلِكَ،فَاسْتَحْثَثْتُ رَاحِلَتِي حَتَّى أَدْرَكْتُهُ،فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أُخْبِرْتُ أَنَّكَ سَأَلْتَ عَنِ الرِّيحِ،وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللهِ،تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ،وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ،فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلا تَسُبُّوهَا،وَسَلُوا اللهَ خَيْرَهَا،وَاسْتَعِيذُوا بِهِ مِنْ شَرِّهَا". [7]

قلت: هذا حديث صحيح،رجاله ثقات كلهم رجال الصحيحين،خلا ثابت بن قيس الأنصارى الزرقى،وهو ثقة ممن تفرد عنهم الزهرى .

وذكره ابن حبان في الثقات [8] . وقال الحافظ المزي في تهذيب الكمال:"ثابت بن قيس الأنصاري الزرقي المدني . روى عن أبي هريرة حديث ( الريح من روح الله) . روى عنه: الزهري . قال النسائي: ثقة . وقال أبو عبد الله ابن منده: مشهور من أهل المدينة" [9] .

وقال الحافظ ابن حجر في التقريب:"ثابت بن قيس الأنصاري الزرقي المدني . ثقة من الثالثة" [10] .

[ الثانى ] عمر بن محمد بن جبير بن مطعم القرشى النوفلى .

أخرج حديثه البخارى في كتاب الجهاد والسير (2821 ) قال: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ أَخْبَرَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،وَمَعَهُ النَّاسُ،مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْنٍ،فَعَلِقَهُ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ،حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ،فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ،فَوَقَفَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ،فَقَالَ:"أَعْطُونِي رِدَائِي،لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ،ثُمَّ لا تَجِدُونِي بَخِيلًا،وَلا كَذُوبًا،وَلا جَبَانًا". [11]

قال الحافظ المزى في تهذيب الكمال:"عمر بن محمد بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي المدني،أخو سعيد وجبير وإبراهيم بني محمد بن جبير ابن مطعم . روى عن أبيه محمد بن جبير بن مطعم . روى عنه الزهري . قال النسائي: ثقة . وذكره ابن حبان في كتاب الثقات . روى له البخاري حديثًا واحدًا" [12] .

وفى تقريب التهذيب:"ثقة . ما روى عنه غير الزهرى . من السادسة" [13] .

ج- الترجمة ( 1722 ) تفرد بالرواية عنه محمد إسحاق ، وذكره ابن حبان في الثقات ( 6/271 ) وقال ابن حجر: مقبول ، فتعقباه بأنه: ثقة !!

قلت: لا يقصد الحافظ ابن حجر رحمه الله (بمقبول) الضعف ، بل هي مرتبة تعديل على الصحيح، وحديثهم يدور بين الصحيح والحسن بشقيه .

د- الترجمة ( 3569 ) تفرد بالرواية عنه أبو سعيد جعثل بنص الذهبي في الميزان ( 2 / 483 و 499 ) وذكره ابن حبان في الثقات ( 5 / 51 ) قال عنه ابن حجر: صدوق ، فتعقباه بأنه: ثقة !!

قلت: هناك اختلاف فيه هل هو الذي قبله المخضرم الثقة أم لا ؟

وعلى كل حال له حديث واحد متابع فيه ، فالصواب أنه صدوق فقط ، وليس ثقة ، كما زعما

هـ- الترجمة ( 3669 ) ، تفرد بالرواية عنه عبد الله بن أبي مليكة بنصهما وذكره ابن حبان في ثقاته ( 5 / 47 ) ، وقال عنه ابن حجر: وثقه النسائي ، فتعقباه بأنه: ثقة !!

قلت: وهذا مثال آخر على تناقضهما ، قالا في معرض نقدهما للحافظ ابن حجر رحمه الله:"وقال في ترجمة عبد الله بن أبي نهيك وثقه النسائي)، ولم يطلق توثيقه، مع كون العجلي وابن حبان قد وثقاه".

قلت:

ففي التقريب ( 3669 ) عبد الله بن أبي نهيك بفتح النون المخزومي المدني ويقال عبيد الله مصغر وثقه النسائي من الثالثة د

وفي الكاشف (3025 ) عبد الله بن أبي نهيك المخزومي عن سعد وعنه ابن أبي مليكة وثق حب د

وفي ميزان الاعتدال (5402 ) عبيد الله بن أبي نهيك [ د ] .عن سعد بن أبي وقاص.لا يعرف.

وفي الثقات لابن حبان (3921 ) عبيد الله بن أبي نهيك يروى عن سعد بن أبي وقاص روى عنه ابن أبي مليكة.

وفي الثقات للعجلي (1172) عبيد الله بن أبي نهيك ثقة

وفي تهذيب التهذيب [ج 6 -ص53 ] (111 ) د أبي داود عبد الله بن أبي نهيك المخزومي حجازي ويقال عبيد الله، قال أبو حاتم عبيد الله بن أبي نهيك القاسم بن محمد ،روى عن سعد بن أبي وقاص وعنه ابن أبي مليكة ذكره ابن حبان في الثقات قلت: لكنه ذكره في عبيد الله مصغرا وكذا ذكره جماعة وقال النسائي والعجلي عبيد الله بن أبي نهيك ثقة"."

قلت: فتحصل لنا أنه لم يرو عنه غير ابن أبي مليكة .

وكذلك تبين لنا تناقض كلام الذهبي ، فقد قال في الكاشف وثقه ابن حبان ، وفي الميزان لا يعرف ، وبعد رجوعي لتذهيب تهذيب الكمال له لم أجده زاد حرفًا عما في تهذيب الكمال، بينما نجد الحافظ ابن حجر رحمه الله أنه زاد (وقال النسائي والعجلي عبيد الله بن أبي نهيك ثقة".) يعني أنه بحث عمن تكلم في هذا الراوي فوجد أن النسائي والعجلي قد وثقاه ."

ولكن لماذا لم يذكر توثيق العجلي في التقريب ؟

قلت: اكتفى بتوفيق النسائي لأنه أعلى من العجلي ، فمن يوثقه النسائي - وهو متشدد في الرجال- أقوى بكثير ممن يوثقه العجلي .

كما أنه لم يقصد ذكر أسماء كل من وثقه حتى يؤخذ هذا عليه .

ولكن لماذا لم يوثق الحافظ ابن حجر من كان على شاكلة هذا الراوي كالذي قبله كذلك ؟.

السبب لأنه لم يروعنه سوى راوٍ واحد فقط ، ولو روى عنه راو آخر لنصَّ على توثيقه صراحة ، ولم أظفر له براوٍ آخر .

والأهم من ذلك أن الذي يتهم الحافظ ابن حجر بالتناقض أو القصور في الحكم ، قد وقع في نفس التهمة ، فهذا الراوي ليس له إلا حديث واحد ، وقد أخرجه ابن حبان في صحيحه (120) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ مَوْهَبٍ ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَهِيكٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ.""

قال الشيخ شعيب في تعليقه على الحديث:"إسناده صحيح، يزيد بن موهب: هو يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب، ثقة، عابد، وابن أبي مليكة: هو عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة، وعبيد الله بن أبي نهيك ذكره في"التقريب"في عبد الله، وقال: ويقال: عبيد الله مصغرًا. وثقه النسائي."

ويظهر أنه لم يرجع لتهذيب التهذيب بتاتًا !!

وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (1476 ) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ حَسَّانَ الْمَخْزُومِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَهِيكٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ"."

(1549 ) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَهِيكٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ"."

وقال محققه الشيخ شعيب:"صحيح لغيره ، وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الصحيح غير عبد الله - ويقال: عبيد الله - بن أبي نهيك ، فقد أخرج له أبو داود، وهو لم يرو عنه غير عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وذكر ابن حجر في التهذيب أن النسائي والعجلي وثقاه أيضا ، وقال الذهبي في الميزان 3/16: لا يعرف ."

وهذا تناقض جليٌّ ، مع أن مسند أحمد قد حقق بعد صحيح ابن حبان بزمان !!

وبعد هذه التخبطات العجيبة وصلا إلى النتيجة المضحكة التالية حيث قالا:"وهذا الموقف المضطرب من توثيق ابن حبان والعجلي وابن سعد وأضرابهم، والذي يمكن تقديم عشرات الأمثلة عليه، لا يمكن إحالته على سبب من الأسباب سوى الإبتعاد عن المنهج وخلو الكتاب منه، ومثله مثل مئات التراجم التي لم يحررها تحريرًا جيدًا".

قلت: وايم الله هما أحقُّ بهذا الوصف البعيد عن المنهج العلمي السليم .

و- الترجمة ( 5091 ) تفرد بالرواية عنه أبو إسحاق السبيعي بنصهما وذكره ابن حبان في الثقات ( 5 / 180 ) ، قال الحافظ عنه: مقبول فتعقباه بأنه: ثقة !!

وفي تقريب التهذيب (5091) عمرو بن غالب الهمداني الكوفي مقبول من الثالثة ت س

وفي الكاشف (4210 ) عمرو بن غالب الهمداني عن علي وعمار وعنه أبو إسحاق وثق ت س

وفي تهذيب التهذيب [ج8 -ص77 ] (132 ) ت س الترمذي والنسائي عمرو بن غالب الهمداني الكوفي روى عن علي وعمار وعائشة والأشتر النخعي ، وعنه أبو إسحاق السبيعي ذكره ابن حبان في الثقات، قلت قال ابن البرقي:كوفي مجهول احتملت روايته لرواية أبي إسحاق عنه، وقال مسلم في الوحدان: تفرد عنه أبو إسحاق وقال أبو عمرو الصدفي: وثقة النسائي، وقال الذهبي ما حدَّث عنه سوى أبي إسحاق.

وفي التاريخ الكبير [ج 6 -ص 362 ] (2642 ) عمرو بن غالب الهمداني عن عائشة رضي الله عنها روى عنه أبو إسحاق الهمداني يعد في الكوفيين

وفي الثقات لابن حبان (4464 ) عمرو بن غالب الهمداني من أهل الكوفة يروى عن عائشة روى عنه أبو إسحاق السبيعي

وفي الجرح والتعديل [ج 6 -ص 253 ] (1399 ) عمرو بن غالب الهمداني كوفى روى عن عائشة روى عنه أبو إسحاق الهمداني نا عبد الرحمن قال سمعت أبي يقول ذلك.

وفي ميزان الاعتدال - (ج 3 / ص 283) 6419 - عمرو بن غالب [ ت، ق ] الهمداني، عن عمار،ما حدث عنه سوى أبي إسحاق، لكن صحح له الترمذي.

قلت: هو من الطبقة الوسطى من التابعين ، وهم موثقون على الصحيح ، ولكن بما أنه لم يرو عنه إلا واحد ، وله متابعة في روايته ، فقد قال الحافظ ابن حجر عنه ( مقبول ) وحديثه يدور بين الصحة والحسن ، فلا انتقاد عليهما إلا لكونهما لم يفهما معنى هذه المرتبة عند الحافظ ابن حجر رحمه الله .

ز- الترجمة ( 5214 ) ، تفرد بالرواية عنه عمرو بن دينار ، ذكره ابن حبان في الثقات ( 5 / 281 ) قال الحافظ: ليس بمشهور ، تعقباه بأنه: صدوق حسن الحديث !!

وفي تقريب التهذيب (5214) عوسجة المكي مولى ابن عباس ليس بمشهور [وقد وثق] من الرابعة 4

وفي الكاشف (4308 ) عوسجة عن ابن عباس مولاه وعنه عمرو بن دينار وثق وقال البخاري لم يصح حديثه 4

التاريخ الكبير [ج 7 -ص 76 ] (347 ) عوسجة مولى ابن عباس الهاشمي روى عنه عمرو بن دينار ولم يصح

وفي الثقات لابن حبان (4846 ) عوسجة الهاشمي يروي عن ابن عباس روى عنه عمرو بن دينار

وفي الجرح والتعديل [ج 7 -ص24 ] (129 ) عوسجة مولى ابن عباس روى عن بن عباس روى عنه عمرو بن دينار سمعت أبي يقول ذلك، نا عبد الرحمن قال سئل أبي عنه فقال: ليس بمشهور، نا عبد الرحمن قال سئل أبو زرعة عنه فقال: مكي ثقة.

قلت: الصواب قولهما ، لأنه تابعي كبير ، ومولى لابن عباس ، ووثقه أبو زرعة ، ولكن يستثنى من ذلك ما تفرد به وأنكر عليه.

2-من ذكره ابن حبان في الثقات وروى عنه اثنان ، فهو مجهول الحال ، أود الإشارة هنا إلى أن المحررين لم يعتدا هنا بذكر ابن حبان للراوي في الثقات وذلك لأن رواية الاثنين عن الشيخ رافعة لجهالة العين مبقية على جهالة الحال ، وهو أمر شاع بين المحدثين ، فما قيمة ذكر ابن حبان عندهما هنا ؟!

وقول المحررين قول شاذ غريب ؛ لأننا لم نعهد عن أحد من العلماء المتقدمين إهمال ذكر ابن حبان للراوي في ثقاته بالكلية ، وإنما كانوا يفصلون في ذلك فيفرِّقون بين شيوخه وبين من عرفهم وبين غيرهم كما سيأتي إيضاحه ، فلا يحكمون لأول وهلة بل يوازنون ويقارنون .

3-من ذكره ابن حبان في الثقات ، وروى عنه ثلاثة ، فهو مقبول في المتابعات والشواهد ، أقول: هذا تنظير غير صحيح ، فكيف يختلف لديهما الحكم من اثنين إلى ثالث ، وقد سبق الكلام على أن رواية الجمع لا تؤثر في التوثيق وكيف يفرقان بين هذه الفقرة وبين التي قبلها في الحكم ، والمحصلة النهائية لحكمهما واحد ، إذ إن كلًا منهما مقبول في المتابعات والشواهد .

وهذا التنظير يعدم بالكلية الفائدة من ذكر ابن حبان للرواة في الثقات بالمرة إذ إن المخشي من توثيق ابن حبان توثيق المجاهيل ، فإذا كان المترجم من شيوخه أو شيوخ شيوخه ، أو ممن عرفهم وجالسهم فما المانع من قبول توثيقه ؟!

4-من ذكره ابن حبان في الثقات ، وروى عنه أربعة فأكثر ، فهو صدوق حسن الحديث .

أقول: ما بال زيادة راوٍ واحد نقلت الشيخ من فلك إلى فلك آخر ، ومن رتبة إلى أخرى ، وقد سبق قولي: إن العدد لا يؤثر في توثيق الراوي ، وما يَرِدُ على الفقرة السابقة يَرِدُ هنا ، فقد يكون الراوي من شيوخه أو شيوخ شيوخه أو من أهل بلده أو ممن عرفهم !!

ويحسن بنا ونحن في هذا المقام أن نعرض لما قرره العلامة المعلمي اليماني - رحمه الله - وشاع بين كثير من الناس ، إذ قال في التنكيل [14] : (والتحقيق أن توثيقه على درجات:

الأولى: أن يصرح به ، كأن يقول: (كان متقنًا) أو (مستقيم الحديث) أو نحو ذلك

الثانية: أن يكون الرجل من شيوخه الذين جالسهم وخبرهم .

(1) - الكفاية: ص:150

(2) - 4 / 13 عقيب الحديث 1432

(3) - رواة الحديث الذين سكت عليهم أئمة الجرح والتعديل بين التوثيق والتجهيل ص ( 194 )

(4) - قلت: ليست محل اتفاق ، بل كما ذكر العمش قبل قليل ، فقد يكون حديثه صحيحا وقد يكون حسنا ، وقد يكون ضعيفًا

(5) - فتح الباري - (ج 15 / ص 48)

(6) - انظر الإكليل ببيان احتجاج الأئمة بروايات المجاهيل لأبي محمد الألفي

(7) - وأخرجه كذلك الشافعي المسند (ص81) ، وعبد الرزاق في جامع معمر (11/89) والبخاري في الأدب المفرد (906،720) ، وأبو داود (5097) ، والنسائي في الكبرى (6/231/10768،10767) وعمل اليوم والليلة (932،931) ، وابن ماجه (3717) ، وأبو يعلى (10/527/6142) ، وابن حبان (5732،1007) ، وأبو الشيخ في العظمة (4/1314،1313) ، والحاكم (4/318) ، والبيهقي في السنن الكبرى (3/361) من طرق عن الزهرى عن ثابت بن قيس الزرقى عن أبى هريرة بنحوه .

(8) - الثقات (4/90/1962)

(9) - تهذيب الكمال (4/372/828)

(10) - التقريب (1/133/827)

(11) - وأخرجه كذلك عبد الرزاق (5/243/9497) ، وأحمد (4/82) ، وابن حبان (4820) ، والطبراني في الكبير (2/131:130/1555:1552) ، وابن عبد البر في التمهيد (20/52) ، والمزي في تهذيب الكمال (21/496) من طرق عن الزهرى أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ أَخْبَرَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ به .

(12) - تهذيب الكمال (21/495/4301)

(13) - تقريب التهذيب (1/416)

(14) - 2 / 450 - 451 و مجلة الحكمة العدد السابع عشر ص 393

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت