قال: وبلغني أن أبي عبيد مكث في تصنيف كتابه أربعين سنة يسأل العلماء عما أودعه من تفسير الحديث والأثر، والناس إذ ذاك متوافرون والروضة أُنُف والحوضُ ملآن . ثم قد غادر الكثيرَ منه لمن بعده . ثم سعى له أبو محمد سَعْيَ الجَواد فأسأر القَدر الذي جمعناه في كتابنا، وقد بقي من وراء ذلك أحاديث ذواتُ عددٍ لم أتيسر لتفسيرها تركتها ليفتحها اللّه على من يشاء من عباده ولكل وقت قوم ولكل نشئٍ علم . قال اللّه تعالى: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} (21) سورة الحجر.
قلتُ: لقد أحسنَ الخطابي رحمة اللّه عليه وأنصف ، عرفَ الحق فقاله وتحرَّى الصدق فنطق به، فكانت هذه الكتب الثلاثة في غريب الحديث والأثر أمَّهاتِ الكتب وهي الدائرة في أيدي الناس والتي يُعَوِّلُ عليها علماء الأمصار ، إلا أنها وغيرها من الكتب المصنفة التي ذكرتاها أو لم نذكرها لم يكن فيها كتاب صنف مرتَّبًا ومُقفَّى يرجعُ الإنسان عند طلب الحديث إليه إلا كتاب الحربي ، وهو -على طوله وعسر ترتيبه- لا يوجد الحديث فيه إلا بعد تعبٍ وعناء، ولاخفاء لما في ذلك من المشقة والنَّصَب مع كون الحديث المطلوب لا يُعرف في أيّ واحد من الكتب هو، فيحتاج طالبُ غريب حديث إلى اعتبار جميع الكتب أو أكثرِها حتى يجد غرضه من بعضها . فلما كان زمنُ أبي عبيد أحمد بن محمد الهَروي صاحب الإمام أبي منصور الأزْهَرِي اللغوي وكان في زمن الخطابي وبعده وفي طبقته صنَّف كتابه المشهور السئر في الجمع بين غريبي القرآن العزيز والحديث ورتبه مقفى على حروف المعجم على وضع لم يُسْبَقْ في غريب القرآن والحديث إليه . فاستخرَجَ الكلمات اللغويةَ الغريبة من أماكنها وأثبتها في حروفها وذكر معانيها إذ كان الغرضُ والمقصد من هذا التصنيف معرفةَ الكلمة الغريبة لغةً وإعرابًا ومعنًى لا معرفةَ مُتُون الأحاديث والأحاديث والآثار وَطُرق أسانيدها وأسماء رُوَاتها، فإن ذلك علم مستقبل بنفسه مشهور بين أهله .
ثم إنه جمع فيه من غريب الحديث ما في كتاب أبي عُبيد وابن قتيبةَ وغيرهما ممن تَقَدَّمه عصرهُ من مُصَنِّفي الغريب مع ما أضاف إليه مما تتبعه من كلمات لم تكن في واحد من الكتب المصنَّفة قَبله ، فجاء كتابهُ جامعا في الحُسن بين الإحاطة والوضع . فإذا أراد الإنسانُ كلمةً غريبةً وجَدَها في حرفها بغير تَعب إلا أنه جاء الحديث مُفَرَّقًا في حروف كلماته حيث كان هو المقصودَ والغرضَ ، فانتشر كتابهُ بهذا التسهيل والتيسير في البلاد والأمصار، وصار هو العمدة في غريب الحديث والآثار . وما زال الناس بعده يَقْتَفُون هَدْيَه ويَتْبَعُون أَثَره ويَشكُرون له سَعَيه ويَسْتَدرِكُون ماَ فَاتَه من غريب الحديث والآثار ويجمعون فيه مجاميعَ . والأيامُ تَنْقَضِى والأعمارُ تَفْنَى ولا تنقضى إلا عن تصنيفٍ في هذا الفن إلى عهد الإِمام أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخُوارَزمي رحمه اللَّه فصنف كتابه المشهور في غريب الحديث وسماه [ الفائق ] [1] .
ولقد صادف هذا الاسمُ مُسَمَّى وكشف من غريب الحديث كل مُعَمَّى ورتَّبه على وضعٍ اخْتارَه مُقَفَّى على حروف المعجم ، ولكن في العُثُور على طلب الحديث منه كُلْفَةً ومشقة وإن كانت دون غيره من مُتَقدم الكتب ؛لأنه جَمعَ في التَقْفِيةِ بين إيراد الحديث مَسْرُودًا جميعه أو أكثره أو أقله، ثم شَرَحَ ما فيه من غريب فيجيء شرحُ كل كلمة غريبة يشتمل عليها ذلك الحديث في حرف واحد من حروف المعجم فترِدُ الكلمة في غير حرفها ، وإذا تَطَلَّبها الإِنسان تَعِب حتى يَجدها فكان كتابُ الهروي أقرب مُتَنَاولا وأسهل مأخذًا،وإن كانت كلماته متفرقة في حروفها وكان النفع به أتمَّ والفائدة منه أعمَّ .
فلما كان زمنُ الحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر بن أبي عيسى المديني الأصفهاني ، وكان إماما في عصره حافظا متقنا تُشدُّ إليه الرحال وتُناط به من الطلبة الآمال، قد صنف كتابا جمع فيه ما فات الهروي من غريب القرآن والحديث ينُاسبهُ قَدْرًا وفائدة ويُماَثلهِ حجمًْا وعائدة، وسلك في وضعه مَسْلَكه وذهب فيه مَذهَبه ورتَّبَه كما رتّبَه ثم قال: [ واعلم أنه سيبقى بعد كتابي أشياء لم تقع لي ولا وقفتُ عليها لأن كلام العرب لا ينحصر ] . ولقد صدق رحمه اللَّه فإن الذي فَاتَه من الغريب كثيرٌ ومات سنة إحدى وثمانين وخمسمائة .
وكان في زماننا أيضا معاصرُ أبي موسى الإمامُ أبو الفرج عبدُ الرحمن بن علي ابن الجوْزِي البغدادي رحمه اللَّه كان مُتَفنّنًا في علومه مُتَنَوِّعا في معارفه فاضلا لكنه كان يَغْلِبُ عليه الوعظ . وقد صَنَّفَ كتابا في غريب الحديث خاصَّة نَهَج فيه طريق الهَرَوي في كتابه وسلك فيه محَجَّته مجردا من غريب القرآن .
وهذا لفظه في مقدمته بعد أن ذكر مُصَنَّفي الغريب: قال: [ فَقَوِيت الظُّنون أنه لم يَبْقَ شيء وإذًا قد فاتَهُمْ أشْياء فرأيت أن أبذلَ الوُسع في جمع غريب حديث رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وتابعيهم وأرجو ألاّ يَشذَّ عني مهِمّ من ذلك وأن يُغْنِيَ كتابي عن جميع ما صُنّف في ذلك ] . هذا قوله .
ولقد تتبعت كتابه فرأيتُه مخْتَصرًا من كتاب الهروي مُنْتَزَعا من أبوابه شيئًا فشيئًا ووَضعًا فوَضْعًا ، ولم يزد عليه إلا الكلمة الشّاذّةَ واللفظَة الفاذّة . ولقد قايَسْتُ مازاد في كتابه على ما أخَذَه من كتاب الهروي فلم يكن إلا جزءًا يسيرا من أجزاءٍ كثيرة .
وأما أبو موسى الأصفهاني رحمه اللّه فإنه لم يذكر قي كتابه مما ذكره الهروي إلا كلمة اضطر إلى ذكرها إما لخَلل فيها أو زيادة في شرحها أو وَجْهٍ آخرَ في معناه ، ومع ذلك فإن كتابَهُ يُضَاهي كتاب الهروي كما سبق لأن وضعَ كتابه استدراكُ ما فات الهَروي .
ولما وقفت على كتابه الذي جعله مُكمّلا لكتاب الهروي ومُتَمِمّا وهو في غاية من الحسن والكمال، وكان الإنسان إذا أراد كلمة غريبة يَحْتَاجُ إلى أن يَتَطلّبها في أحد الكتابين فإن وجدها فيه وإلا طَلَبها من الكتاب الآخر وهما كتابان كبيران ذَوَا مجلدات عٍدَّة ، ولا خفاء بما في ذلك من الكلفة فرأيتُ أن أجمع ما فيهما من غريب الحديث مُجرَّدا من غريب القرآن ، وأضِيف كل كلمة إلى أختها في بابها تسهيلا لكُلْفة الطلب ، وتمادت بي الأيام في ذلك أُقدِّم رجلا وأُؤخِّر أخرى إلى أن قَوٍيت العزيمة ،وخلَصت النية وتحقّقت، في إظهار ما في القوة إلى الفعل، ويسَّر اللّه الأمر وسهَّله وسنّاه، ووفق إليه، فحينئذ أمْعَنْتُ النظر وأَنْعَمْتُ الفِكر في اعتبار الكتابين والجمع بين ألفاظهما وإضافة كل منهما إلى نظيره في بابه فَوَجَدْتُهما - على كثرة ما أُدع فيهما من غريب الحديث والأثر - قد فَاتَهُما الكثير الوافرُ فإني في بادِئ الأمر وأوَّل النظر مرّ بِذكري كلماتٌ غريبة من غرائب أحاديث الكتب الصّحاح كالبخاري ومسلم - وكفاك بهما شُهْرَةً في كتب الحديث - لم يَرِدْ شيء منهما في هذين الكتابين فحيث عرفتُ ذلك تنبهتُ لاعتبار غير هذين الكتابين من كتب الحديث المدَوَّنة المصنفة في أول الزمان وأوسطه وآخره . فتتبعتها واسْتَقْرَيْتُ ما حَضَرَني منها واسْتَقْصَيْتُ مُطالَعتها من المَسَانيد والمجاميع وكتب السُّنَن والغرائبِ قديمها وحديثها وكتب اللغة على اختلافها فرأيتُ فيها من الكلمات الغريبة مما فات الكتابين كثيرا ، فَصَدَفْتُ حينئذ عن الاقتصار على الجمع بين كتابَيْهما وأضفت ما عَثَرتُ عليه ووَجدتُه من الغرائب إلى ما في كتابيهما في حروفها مع نظائرها وأمثالها .
وما أحْسَنَ ما قال الخطّابي وأبو موسى رحمة اللّه عليهما في مُقَدّمَتَيْ كتابَيْهما وأنا أقول أيضا مُقْتَديًا بهما: كم يكونُ قد فَاتَنِي من الكلمات الغريبة التي تشتملُ عليها أحاديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وأصحابِه وتابِعيهم رضي اللّه عنهم جَعَلَها اللّه سبحانه ذَخِيرة لغيري يُظْهِرُها على يده ليُذْكر بها .
ولقد صَدَق القائل الثَّاني: كم ترك الأوَّل للآخر، فحيث حقق اللّه سبحانه النية في ذلك سَلَكْتُ طريقة الكتابين في التَّرتيب الذي اشتملا عليه والوَضْع الذي حَوياه من التَّقْفِيَةِ على حروف المعجم بالتزام الحرف الأوّل والثَّاني من كلِّ كلمة وإتْبَاعِهما بالحرف الثالث منهما على سِياق الحروف ، إلا أنّي وجدتُ في الحديث كلماتٍ كثيرةً في أوائلها حروف زائدة قد بُنِيتِ الكلمةُ عليها حتى صارت كأنها من نفسها وكان يَلْتَبِسُ مَوْضِعها الأصْلي على طالبها ، لا سِيَّما وأكْثَرُ طَلَبةِ غريب الحديث لا يَكادُون يَفْرِقُون بين الأصلي والزائد، فرأيتُ أن أثبتَهما في باب الحرف الذي هو في أوّلها وإن لم يكن أصليًّا ونَبَّهتُ عند ذكره على زيادته لئَلاَّ يَرَاها أحد في غير بابها فيظنّ أني وضعتُها فيه للجهل بها فلا أُنْسَبُ إلى ذلك ، ولا أكون قد عَرَّضتُ الواقف عليها لِلغيِبَة وسوء الظن، ومع هذا فإن المُصِيبَ بالقول والفِعْل قليلٌ؛ بل عَدِيمٌ .
ومَن الذي يأمَن الغلطَ والسهوَ والزَّلل ؟ نسأل اللّه العصمةَ والتوفيق .
وأنا أسأل مَن وَقَف على كتابي هذا وَرَأى خطأ أو خللا أن يُصْلِحه ، ويُنَبّه عليه ويُوضّحَه ، ويُشيرَ إليه حائزا بذلك مني شكرا جميلا ، ومن اللّه تعالى أجرًا جزيلًا. اهـ
ج) - ترجمة ابن الأثير [2]
هو الْمُبَارَكُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، مَجْدُ الدِّينِ أَبُو السَّعَادَاتِ الشَّيْبَانِيُّ الْجَزَرِيُّ الشَّافِعِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْأَثِيرِ، وَهُوَ أَخُو الْوَزِيرِ الْأَفْضَلِ ضِيَاءِ الدِّينِ نَصْرِ اللَّهِ، وَأَخُو الْحَافِظِ عِزِّ الدِّينِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيٍّ صَاحِبِ الْكَامِلِ فِي التَّارِيخِ. وُلِدَ أَبُو السَّعَادَاتِ الْمُبَارَكُ فِي أَحَدِ الرَّبِيعَيْنِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ، وَأَتْقَنَ عُلُومَهُ وَحَرَزَ عُلُومًا جَمَّةً، وَكَانَ مَقَامُهُ بِالْمَوْصِلِ، وَقَدْ جَمَعَ فِي سَائِرِ الْعُلُومِ كُتُبًا مُفِيدَةً، مِنْهَا جَامِعُ الْأُصُولِ السِّتَّةِ; الْمُوَطَّأُ وَالصَّحِيحَانِ وَسُنَنُ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنَ مَاجَهْ فِيهِ، وَلَهُ كِتَابُ النِّهَايَةِ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ، وَلَهُ شَرَحُ مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ، وَالتَّفْسِيرُ فِي أَرْبَعِ مُجَلَّدَاتٍ، وَغَيْرُ ذَلِكَ فِي فُنُونٍ شَتَّى.
وَكَانَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، مُعَظَّمًا عِنْدَ مُلُوكِ الْمَوْصِلِ، فَلَمَّا آلَ الْمُلْكُ إِلَى نُورِ الدِّينِ أَرْسَلَانَ شَاهِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مَوْدُودِ بْنِ زَنْكِيِّ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ مَمْلُوكَهُ لُؤْلُؤًا يَعْرِضُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَوْزِرَهُ فَأَبَى، فَرَكِبَ السُّلْطَانُ إِلَيْهِ فَامْتَنَعَ أَيْضًا، وَقَالَ لَهُ: قَدْ كَبُرَتْ سِنِّي، وَاشْتَهَرْتُ بِنَشْرِ الْعِلْمِ، وَلَا يَصْلُحُ هَذَا الْأَمْرُ إِلَّا بِشَيْءٍ مِنَ الْعَسْفِ وَالظُّلْمِ، وَلَا يَلِيقُ بِي ذَلِكَ. فَأَعْفَاهُ.
قَالَ أَبُو السَّعَادَاتِ: كُنْتُ أَقْرَأُ عِلْمَ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى سَعِيدِ بْنِ الدَّهَّانِ، وَكَانَ يَأْمُرُنِي بِصَنْعَةِ الشِّعْرِ، فَكُنْتُ لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ الشَّيْخُ رَأَيْتُهُ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي، فَأَمَرَنِي بِذَلِكَ، فَقُلْتُ: ضَعْ لِي مِثَالًا أَعْمَلُ عَلَيْهِ. فَقَالَ:
حبُّ العلا مدمنًا إنْ فاتكَ الظفرُ فقلتُ أنا: وخدّ خد الثرى والليلُ معتكرُ
فَالْعِزُّ فِي صَهَوَاتِ الْخَيْلِ مَرْكَبُهُ وَالْمَجْدُ يُنْتِجْهُ الْإِسْرَاءُ وَالسَّهَرُ
فَقَالَ: أَحْسَنْتَ. ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ، فَأَتْمَمْتُ عَلَيْهَا نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ بَيْتًا. كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي سَلْخِ ذِي الْحِجَّةِ عَنْ ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً رَحِمَهُ اللَّهُ. وَقَدْ تَرْجَمَهُ أَخُوهُ فِي الْكَامِلِ، فَقَالَ: كَانَ عَالِمًا فِي عِدَّةِ عُلُومٍ; مِنْهَا الْفِقْهُ وَعِلْمُ الْأُصُولِ وَالنَّحْوُ وَالْحَدِيثُ وَاللُّغَةُ، وَلَهُ تَصَانِيفُ مَشْهُورَةٌ فِي التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْحِسَابِ وَغَرِيبِ الْحَدِيثِ، وَلَهُ رَسَائِلُ مُدَوَّنَةٌ، وَكَانَ مُفْلِقًا يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ، ذَا دِينٍ مَتِينٍ وَلُزُومِ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ، فَلَقَدْ كَانَ مِنْ مَحَاسِنَ الزَّمَانِ.
د ) -مثال من كتاب النهاية لابن الأثير:
{ أبَبَ } ( في حديث أنَس ) أَنَّ عُمَرَ ، قَرَأَ عَلَى الْمِنْبَرِ: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ الْفَاكِهَةُ قَدْ عَرَفْنَاهَا فَمَا الأَبُّ ؟ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: إنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ يَا عُمَرُ.] [3] . الأَبُّ: المرْعى المُتَهيّئُ للرَعْيِ والقطع: وقيل الأبُّ منَ المرْعَى للدوَّاب كالفاكهة للإنسان . ومنه حديث قُسِّ بن سَاعِدَة: فجعل يرتع أبًّا وَأَصِيدُ ضَبًّا [4]
{ أَبَدَ } [ ه ] قال رافع بن خَدِيجٍ: أَصَبْنَا نَهْبَ إِبِلٍ وَغَنَمٍ فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِنَّ لِهَذِهِ الإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ ، فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَىْءٌ ، فَافْعَلُوا بِهِ هَكَذَا » [5] .
اَلأَواَبِدُ جمع آبِدةٍ وهي التي قد تَأبَّدَتْ أي تَوَحَّشَتْ ونَفَرَتْ من الإنس . وقد أبَدَتْ تَأبِدُ وتَأْبُدُ .
ومنه حديث أم زَرْع [ فَأَرَاحَ عَلَيَّ من كُلّ سَائِمَةٍ زَوْجَيْنِ ومن كل آبِدة اثنتين ] [6] تريد أنواعا من ضروب الوحش . ومنه قولهم: جاء بآبِدةٍ: أي بأمر عظيم يُنْفَر منه ويُسْتَوْحَشُ . وفي حديث الحج [ قال له سُرَاقَةُ بن مالك: أَرَأَيْتَ مُتْعَتَنَا هَذِهِ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلأَبَدِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « بَلْ هِىَ لِلأَبَدِ] [7] وفي رواية [أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لأَبَدٍ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِى الأُخْرَى وَقَالَ « دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِى الْحَجِّ - مَرَّتَيْنِ - لاَ بَلْ لأَبَدٍ أَبَدٍ » .] [8] وفي أخرى [أَمُتْعَتُنَا هَذِهِ لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لأَبَدٍ فَقَالَ « لاَ بَلْ لأَبَدِ الأَبَدِ » .] [9] والأبَدُ: الدَّهْرُ ، أي هي لآخر الدهر.
هـ ) - ليس كل حديث في كتب الغريب صحيح
يوجد في كتب الغريب ،كلها، أحاديث صحيحة وأحاديث حسنة ، وأحاديث ضغيفة ، وأحاديث منكرة ، بل وأحاديث باطلة ، وأحاديث مشتهرة على الألسنة ، فيجب الانتباه لذلك ، فنحن لا نأخذ منها حديثًا إلا إذا كان مسندا ، وسنده مقبول ، أما مجرد وجود وجوده فيها فلا يدلُّ على صحته ،و إنما يؤخذ الحديث من كتب الحديث مباشرة ليس إلا ، والغريب من كتب الغريب .
أمثلة من أول كتاب ابن الأثير:
( س ) وفي حديث أسماءَ بنت عُمَيْسٍ [ قيل لعلي: ألا تَتَزَوّجُ ابنة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال: ما لي صفراء ولا بيضاء ولست بمأبُور في ديني فَيُوَرّي بها رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - عني إني لأوَّلُ من أَسْلَم ] [10]
قلت: وكلمة بمأبور لا أصل لها في الحديث ، والحديث مختلق ، وهذا نصه
(1) - ( طبع بمطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه بالقاهرة 1366 ه - 1947 م )
(2) - البداية والنهاية لابن كثير (ج/ص: 13/66) وسير أعلام النبلاء (21/489-492)
(3) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 10 / ص 512) (30729) صحيح
(4) - دلائل النبوة للبيهقي (424)
(5) - صحيح البخارى (5509 )
(6) - لم أجده بهذا اللفظ وهو في السنن الكبرى للإمام النسائي الرسالة - (ج 6 / ص 19) (9093) والمعجم الكبير للطبراني - (ج 17 / ص 10) (18791 و18794 ) بلفظ (وَأَعْطَانِي نَعَمًا ثَرِيًّا وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ سَائِمَةٍ زَوْجًا )
(7) - سنن أبى داود (1789 ) صحيح
(8) - مسلم (3009) و وفي سنن أبى داود (1907 ) هَكَذَا مَرَّتَيْنِ « لاَ بَلْ لأَبَدِ أَبَدٍ لاَ بَلْ لأَبَدِ أَبَدٍ »
(9) - سنن ابن ماجه (3094 ) صحيح
(10) - ابن الأثير 1/9