الثامن عشر - وجوب رواية الحديث اليوم بلفظه في معرض الاحتجاج
أمر هام يجدر التنبه إليه، والتيقظ له، وهو أن هذا الخلاف في الرواية بالمعنى إنما كان في عصور الرواية قبل تدوين الحديث، أما بعد تدوين الحديث في المصنفات والكتب فقد زال الخلاف ووجب اتباع اللفظ، لزوال الحاجة إلى قبول الرواية على المعنى،"وقد استقر القول في العصور الأخيرة على منع الرواية بالمعنى عملا. وإن أخذ بعض العلماء بالجواز نظرا" [1] .
فلا يسوغ لأحد الآن رواية الحديث بالمعنى، إلا على سبيل التذكير بمعانيه في المجالس للوعظ ونحوه، فأما إيراده على سبيل الاحتجاج أو الرواية في المؤلفات فلا يجوز إلا باللفظ.
وقد غفل عن هذا بعض من تصدر للحديث من العصريين حيث عزا أحاديث كثيرة إلى مصادرها بغير لفظها، زاعما أنها"ليست قرآنا نتعبد بلفظه...!".
غريبُ الحديث [2]
1-تعريفُه:
أ) لغة: الغريب في اللغة ، هو البعيد عن أقاربه ، والمراد به هنا الألفاظ التي خفي معناها ، قال صاحب القاموس:"غَرُبَ كَكَرُمَ ، غَمُضَ وخَفِىَ" [3]
ب) اصطلاحًا: هو ما وقعَ في مَتْن الحديث من لَفْظة غامضة, بعيدة من الفهم, لقلة استعمالها.
2-أهميتُه وصعوبته:
وهو فنٌّ مُهم يقبح جهله بأهل الحديث[والخوض فيه صعب حقيقٌ بالتَّحري, جديرٌ بالتَّوقي ، فليتحرَّ خائضه وليتَّق الله أن يُقدم على تفسير كلام نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - بمُجرَّد الظُّنون ، وكان السَّلف يتثبتون فيه أشد تثبت ..
ولا ينبغي لمَنْ تَكَلَّمَ في غريبِ الحديثِ أنْ يخوضَ فيه رجمًا بالظنِّ ، فقدْ روينا عن أحمدَ بنِ حنبلٍ أَنَّهُ سُئِلَ عن حرفٍ منهُ ، فقالَ: سَلُوا أصحابَ الغريبِ ، فإنيِّ أكرَهُ أن أتَكَلَّمَ في قولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالظَّنِّ . وسُئِلَ الأصمعيُّ عن حديثِ: (( الجارُ أحقُّ بِسَقَبِهِ ) ) [4] ، فقالَ: أنا لا أفَسِّرُ حديثَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، ولكنَّ العربَ تزعمُ أنَّ السَّقَبَ: اللَّزيقُ .. [5]
3-أجودُ تفسيره:
وأجود تفسيره ما جاء مفسَّرًا في رواية أخرى، مثل حديث عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رضى الله عنه - قَالَ كَانَتْ بِى بَوَاسِيرُ فَسَأَلْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الصَّلاَةِ فَقَالَ « صَلِّ قَائِمًا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ » [6] .
وقد فَسَّر قولَهُ"عَلَى جَنْبٍ"حديثُ عَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « يُصَلِّى الْمَرِيضُ قَائِمًا إِنِ اسْتَطَاعَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى قَاعِدًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَسْجُدَ أَوْمَأَ وَجَعَلَ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّىَ قَاعِدًا صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّىَ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَنِ صَلَّى مُسْتَلْقِيًا رِجْلَيْهِ مِمَّا يَلِى الْقِبْلَةَ » [7] .
وكما في البخارى (1354 ) عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ مَعَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فِى رَهْطٍ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ ، حَتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِى مَغَالَةَ ، وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ الْحُلُمَ فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لاِبْنِ صَيَّادٍ « تَشْهَدُ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ » . فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ . فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَتَشْهَدُ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ فَرَفَضَهُ وَقَالَ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ . فَقَالَ لَهُ « مَاذَا تَرَى » . قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ يَأْتِينِى صَادِقٌ وَكَاذِبٌ . فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ » ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « إِنِّى قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا » . فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ هُوَ الدُّخُّ . فَقَالَ « اخْسَأْ ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ » . فَقَالَ عُمَرُ - رضى الله عنه - دَعْنِى يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ . فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلاَ خَيْرَ لَكَ فِى قَتْلِهِ »
فالدخ ههنا الدخان, وهو لغة فيه, حكاه الجوهري وغيره ، كما في سنن الترمذى (2415 ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ بِابْنِ صَيَّادٍ فِى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِى مَغَالَةَ وَهُوَ غُلاَمٌ فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ظَهْرَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ « أَتَشْهَدُ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ » . فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَتَشْهَدُ أَنْتَ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ » . ثُمَّ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « مَا يَأْتِيكَ » . قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ يَأْتِينِى صَادِقٌ وَكَاذِبٌ. فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ » . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِنِّى خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا » . وَخَبَأَ لَهُ { يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ } [الدخان:10] . فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ هُوَ الدُّخُّ [8] . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ » . قَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِى فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِنْ يَكُ حَقًّا فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ وَإِنْ لاَ يَكُنْهُ فَلاَ خَيْرَ لَكَ فِى قَتْلِهِ » . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ يَعْنِى الدَّجَّالَ. قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
4-أشهرُ المصنفات فيه:
ا) سبب التأليف في هذا الباب:
قال ابن الأثير [9] :"وقد عَرفْت - أيّدك اللّه وإيّانا بلُطفه وتوفيقه -: أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - كان أفصح العرب لسانا وأوضَحَهُمْ بيانا . وأعذَبَهم نُطقا وأسَدَّهم لفظا . وأبيَنَهم لَهجَة وأقومَهم حُجة . وأعرَفَهُم بمواقع الخطاب وأهدَاهم إلى طُرق الصواب . تأييدًا إلهِيًا ولُطفا سماويا . وعنايَةً رَبَّانية ورعايَةً رُوحانية حتى لقد قال له عليُّ بنُ أبي طالب كرم اللّه وجهه - وسَمِعَهُ يخاطبُ وَفْد بَني نَهْد -: يا رسول اللّه نحن بنو أب واحد ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره فقال [ أدَّبني رَبّي فأحْسَنَ تَأديبي وَرُبِّيتُ في بني سَعْد ] [10] . فكان - صلى الله عليه وسلم - يُخَاطب العرب على اختلاف شُعُوبهم وقبائلهم وتَبَاين بُطونهم وأفخاذهم وفصائِلِهم كلاًّ منهم بما يفهمون ويُحادثُهم بما يعلمون ."
فكأنّ اللّه عزّ وجل قد أعْلَمه ما لم يكن يَعْلَمُه غيرُه من بني أبِيه وجمع فيه من المعارف ما تفرَّق ولم يوجد في قَاصِي العَرَب ودَانِيه . وكان أصحابُه رضي اللّه عنهم ومن يَفِدُ عليه من الْعَرَب يعرفون أكثرَ ما يقوله وما جَهِلوه سألوه عنه فيوضحه لهم .
واسْتمرَّ عصره - صلى الله عليه وسلم - إلى حين وفاته على هذا السَّنَن المستقيم . وجاء العصر الثاني - وهو عصر الصحابة - جاريا على هذا النَّمط سالكا هذا المَنهج . فكان اللسان العربي عندهم صحيحا مَحْرُوسا لا يَتَدَاخَلُهُ الخَلل ولا يَتَطرَّقُ إليه الزَّلَل إلى أن فُتحت الأمصار وخالطَ العربُ غيرَ جنسهم من الروم والفرس والحبش والنَّبَط وغيرهم من أنواع الأمم ، الذين فتح اللّه على المسلمين بلادَهم وأفاَءَ عليهم أموالَهم ورقابَهُم فاختلطتِ الفرق وامتزجت الألسُن وتداخَلتِ اللغاتُ ونشأ بينهم الأولاد فتعلموا من اللسان العربي ما لا بدّ لهم في الخطاب منه، وحفظوا من اللغة ماَلاَ غِنًى لهم في المحاوَرَةِ عنه وتركو ما عداه لعدم الحاجة اليه وأهمَلوه لقلّة الرَّغبة في الباعث عليه فصار بعد كونه من أهمّ المعارف مُطّرَحًا مهجورًا ، وبعد فَرْضِيَّتهِ اللازمة كأن لم يكن شيئا مذكورا . وتمادتِ الأيامُ والحالة هذه على ما فيها من التَّماسُك والثَّبَات واسْتَمرَّت على سَنَنٍ من الاستقامة والصلاح إلى أن انقرض عصرُ الصحابة والشأنُ قريب والقائمُ بواجب هذا الأمر لقلّته غريب .
وجاء التابعون لهم بإحسان فسلكوا سبيلهم لكنهم قلُّوا في الإتقان عددا واقْتَفَوْا هديَهُمْ وإن كانوا مَدُّوا في البيان يَدَا فما انقضى زمانُهم على إحسانهم إلاّ واللسانُ العربيُّ قد استحال أعجميا أو كَاد فلا ترى المُسْتَقِلَّ به والمحافِظَ عليه إلاّ الآحاد.
هذا والعصرُ ذلك العصرُ القديم والعَهدُ ذلك العهدُ الكريم فجهِلَ الناسُ من هذا المُهِمّ ما كان يلزمُهم معرفَتُه، وأخّروا منه ما كان يجب تَقْدِمَتُه واتخذوه وراءَهم ظِهْرِيًّا فصار نِسْيًا منسيًا، والمشتغل به عندهم بعيدا قصيًّا فلما أعضَلَ الدَّاءُ وعزَّ الدَّواءُ ألهمَ اللّه عز و جل جماعة من أولِي المعارف والنُّهَى وذوي البصائر والحِجَى أن صرفوا إلى هذا الشأن طَرَفًا مِن عنَايتهم وجانبا من رِعايَتهم فشَرَّعوا فيه للناس مواردا ومهَّدوا فيه لهم معاَهدا حراسةً لهذا العلم الشريف من الضياَع وحفظا لهذا المهِم العزيز من الاختلال .""
ب) تطور التأليف فيه إلى عصر ابن الأثير
قال ابن الأثير رحمه الله [11] :"إن أوّلَ من جَمعَ في هذا الفنّ شيئاَ وألَّف أبو عبيدة مَعْمَر بن المثنّى التميمي فجمع من ألفاظ غريب الحديث والأثر كتابا صغيرا ذا أوراق معدودات ولم تكن قِلَّتُهُ لجهله بغيره من غريب الحديث، وإنما كان ذلك لأمرين: أحدهما أن كل مُبْتَدِئ لشىء لم يُسْبَق إليه وَمُبْتَدِعٍ لأمر لم يُتَقَدَّم فيه عليه فإنه يكون قليلا ثم يكثر وصغيرا ثم يكبر ."
والثاني أنَّ الناسَ يومئذ كان فيهم بَقِيةٌ وعندهم معرفة فلم يكن الجهلُ قد عَمّ ولا الخطبُ قد طَمّ .
ثم جَمَع أبو الحسن النَّضْر بن شُميل المازنيّ بعده كتابا في غريب الحديث أكبر من كتاب أبي عُبيدة وشرح فيه وبَسَطَ على صغر حجمه ولُطفه .
ثم جمع عبدُ الملك بن قُرَيب الأصمعيّ - وكان في عصر أبي عُبيدة وتأخر عنه - كتابا أحسن فيه الصُّنْعَ وأجاد ونيَّف على كتابه وزاد، وكذلك محمد بن المُسْتَنير المعروف بِقُطْرُب وغيره من أئمة اللغة والفقه جمعوا أحاديث تَكَلموا على لغتها ومعناها في أوراق ذواتِ عِدد ولم يَكَدْ أحدُهم ينفردُ عن غيره بكبير حديث لم يذكره الآخر .
واستَمَرَّتْ الحال إلى زمن أبي عُبيد القاسم بن سلاّم وذلك بعد المائتين فجمع كتابه المشهور َفي غريب الحديث والآثار الذي صار - وإن كان أخيرًا - أوّلا لما حواه من الأحاديث والآثار الكثيرة والمعاني اللطيفة والفوائد الجمَّة ، فصار هو القدوةَ في هذا الشأن فإنه أفْنى فيه عمره وأطاب به ذكره حتى لقد قال فيما يروى عنه: [ إني جَمَعْتُ كتابي هذا في أربعين سنة وهو كان خُلاصة عمري ] .
ولقد صدق رحمه اللّه فإنه احتاج إلى تَتَبُّع أحاديث رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - على كَثْرتها - وآثار الصحابة والتابعين- على تَفَرُّقها وتعدُّدِها - حتى جمع منها ما احتاج إلى بيانه بطرق أسانيدها وحفظ رُوَاتها ، وهذا فن عزيز شريف لا يوفّقُ له إلا السعداء . وظنَّ رحمه اللّه - على كَثرة تعبه وطول نَصَبه - أنه قد أتى على معظم غريب الحديث وأكثرِ الآثار وما علم أن الشّوْطَ بَطِين ( أي بعيد ) والمنهل مَعِين .
وبقي على ذلك كتابه في أيدي الناس يرجعون إليه ويعتمدون في غريب الحديث عليه إلى عصر أبي محمد عبد اللّه بن مسلم بن قتَيْبَة الدِّيَنوَرِي رحمه اللّه فصنف كتابه المشهور في غريب الحديث والآثار حذا فيه حَذْوَ أبي عبيد ولم يُودعْه شيئا من الأحاديث المودعةِ في كتاب أبي عبيد إلا ما دَعَتْ إليه حاجةٌ من زيادة وبيان أو استدراك أو اعتراض، فجاء كتابه مثل كتاب أبي عبيد أو أكبر منه . وقال في مقدِّمة كتابه: [ وقد كنتُ زمانا أرى أن كتاب أبي عبيد قد جمع تفسير غريب الحديث وأن النظر فيه مُسْتَغْنٍ به . ثم تَعَقبتُ ذلك بالنظر والتفتيش والمذاكرة فوجدت ما ترك نَحْوا مما ذكر فتتبَّعْتُ ما أغفل وفَسرتُه على نَحْو مما فَسَّر وأرجو أن لا يكون بقي بعد هذين الكتابين من غريب الحديث ما يكون لأحدٍ فيه مقال ] . وقد كان في زمانه الإمام إبراهيم بن إسحاق الحَرْبيّ رحمه اللّه وجمع كتابه المشهور في غريب الحديث وهو كتاب كبير ذو مجلدات عِدَّةٍ جم .
ثمَّ صَنّف الناسُ -غيرُ من ذكَرنا- في هذا الفنِّ تصانيف كثيرة منهم شَمِرُ بن حَمْدَوَيه وأبو العباس أحمد بن يحي اللغوي المعروف بثعلب . وأبو العباس محمد بن يزيد الثُّمالي المعروف بالمبرَّد . وأبو بكر محمد بن القاسم الأنباري وأحمد بن الحسن الكنْدي . وأبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد صاحب ثعلب . وغير هؤلاء من أئمة اللغة والنحو والفقه والحديث .
ولم يَخْلُ زمانٌ وعصْرٌ ممن جمع في هذا الفن شيئا وانفرد فيه بتأليف واستبدَّ فيه بتصنيف .
واستمرَّتِ الحالُ إلى عهد الإمام أبي سليمان حمد بن محمد بن أحمد الخطَابي [12] الْبُسْتي رحمه اللّه وكان بعد الثلثمائة والستين وقبلها فألف كتابه المشهور في غريب الحديث سلك فيه نهج أبي عبيد وابن قُتَيْبة واقتفى هَدْيَهُما، وقال في مقدمة كتابه - بعد أن ذكر كتابَيْهما وأَثْنى عليهما -: [ وبقيت ْبعدهما صُبَابةٌ للقول فيها مُتَبَرَّض توليتُ جمعها وتفسيرها مُسْتَرْسلا بحسن هدايتهما وفضل إرشادهما بعد أن مضى عليّ زمان وأنا أحْسِب أنه لم يبقَ في هذا الباب لأحدٍ مُتكلَّم وأن الأوّلَ لم يترُكْ للآخر شيئا وأتّكلُ على قول ابن قُتَيْبَةَ في خطْبَةِ كتابه: إنه لم يبقَ لأحد في غريب الحديث مقال ] ,
وقال الخَطابي ايضا بعد أن ذكر جماعة من مُصَنفي الغريب وأثْنى عليهم: [ إلا أن هذه الكُتُبَ على كثرة عَدَدِها إذا حَصَلت كان مآلُها كالكتاب الواحد . إذ كانَ مصنفوها إنما سبيلهم فيها أن يتوالوْا على الحديث الواحد فَيَعْتَوِروه فيما بينهم ثم يتَبَارَوْا في تفسيره ويدخل بعضهم على بعض ولم يكن من شرط المسبوق أن يُفَرِّج للسابق عما أحْرَزَه ، وأن يقْتَضِب الكلام في شيء لم يُفَسَّرْ قبله على شاَكلة ابن قُتَيْبَة وصنيعه في كتابه الذي عَقَّبَ به كتاب أبي عبيد ثم إنه ليس لواحد من هذه الكتب التي ذكرناها أن يكون شيئا منها على مِنْهاج كتاب أبي عبيد في بيان اللفظ وصحة المعنى وجَوْدَة الاستنباط وكثرة الفقه ، ولا أن يكون من جنس كتاب ابن قتيبة في إشباع التفسير وإيراد الحُجة وذكر النظائر وتخليص المعاني، وإنما هي أو عامَتُها إذا تقسمت وقعت بين مُقَصِّر لا يورد في كتابه إلا أطْرَافًا وسَواقطَ من الحديث ثم لا يوفِّيها حقها من إشباع التفسير وإيضاح المعنى وبين مُطِيل يسرُدُ الأحاديث المشهورة التي لا يكاد يُشْكلُ منها شيء ثم يتكلفُ تفسيرها ويُطْنبُ فيها . وفي الكتابين غنى ومَنْدُوحَةٌ عن كلِّ كتاب ذكرناه قبلُ، إذ كانا قد أتَيَا على جماع ما تضمنتِ الأحاديث المودعة فيهما من تفسير وتأويل وزادا عليه فصارا أحقَّ به وأملك له ولعل الشيءَ بعد الشيء منها قد يَفُوتُهَما .
قال الخطابي: وأما كتابنا هذا فإني ذكرت فيه ما لم يرد في كتابيهما فصرفْتُ إلى جمعه عِنايتي ولم أزل أتتبع مظانّها وألتقط آحادها حتى اجتمع منها ما أحبُّ اللّه أن يُوَفِّقَ له واتسق الكتاب فصار كنحوٍ من كتاب أبي عبيد أو كتاب صاحبه
(1) - انظر التنبيه على ذلك في علوم الحديث: 191 وشرح الألفية: 2: 5 والباعث الحثيث: 143 وغيرها.
(2) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 60) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 19) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 2 / ص 293) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 82) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 502)
(3) - القاموس جـ 1 ـ ص 115
(4) - صحيح البخارى (2258 ) السقب: القرب والمجاورة
(5) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 82) وشرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 194)
(6) - صحيح البخارى برقم (1117 )
(7) - سنن الدارقطنى 2/43 برقم (1725 ) وفيه ضعف
(8) - ( وَهُوَ الدُّخُّ ) قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ بِضَمِّ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْخَاءِ ، وَهِيَ لُغَةٌ فِي الدُّخَانِ وَحَكَى صَاحِبُ نِهَايَةِ الْغَرِيبِ فِيهِ فَتْحَ الدَّالِ وَضَمَّهَا وَالْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَالْحَدِيثِ ضَمُّهَا فَقَطْ . وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالدُّخِّ هُنَا الدُّخَانُ وَأَنَّهَا لُغَةٌ فِيهِ وَخَالَفَهُمْ الْخَطَّابِيُّ فَقَالَ: لَا مَعْنَى لِلدُّخَانِ هُنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُخَبَّأُ فِي كَفٍّ أَوْ كُمٍّ كَمَا قَالَ بَلْ الدُّخُّ بَيْتٌ مَوْجُودٌ بَيْنَ النَّخِيلِ وَالْبَسَاتِينِ ، قَالَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى خَبَّأْت أَضْمَرْت لَك اِسْمَ الدُّخَانِ فَيَجُوزُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - أَضْمَرَ لَهُ آيَةَ الدُّخَانِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى { فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ } قَالَ الْقَاضِي قَالَ الدَّاوُدِيُّ وَقِيلَ: كَانَتْ سُورَةُ الدُّخَانِ مَكْتُوبَةً فِي يَدِهِ - صلى الله عليه وسلم - . وَقِيلَ كَتَبَ الْآيَةَ فِي يَدِهِ . قَالَ الْقَاضِي: وَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ لَمْ يَهْتَدِ مِنْ الْآيَةِ الَّتِي أَضْمَرَهَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَّا لِهَذَا اللَّفْظِ النَّاقِصِ عَلَى عَادَةِ الْكُهَّانِ إِذَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ إِلَيْهِمْ بِقَدْرِ مَا يَخْطَفُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ الشِّهَابُ اِنْتَهَى . قَالَ صَاحِبُ اللُّمَعَاتِ: هَذَا إِمَّا لِكَوْنِهِ - صلى الله عليه وسلم - تَكَلَّمَ فِي نَفْسِهِ أَوْ كَلَّمَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ فَسَمِعَهُ الشَّيْطَانُ فَأَلْقَاهُ إِلَيْهِ اِنْتَهَى تحفة الأحوذي - (ج 6 / ص 35)
(9) - النهاية في غريب الأثر - (ج 1 / ص 3)
(10) - أخرجه ابن السمعانى في أدب الإملاء (ص1- طبعة العلمية) ، وابن الجوزى في العلل (1/178 ، رقم 284) ، وقال: لا يصح ، وفيه مجهولون وضعفاء . والحديث ذكره السخاوى في المقاصد (ص 39 ، رقم 45) وضعفه ، وكذا العجلونى (ص72 ، رقم 164) .
(11) - النهاية في غريب الأثر - (ج 1 / ص 3-4)
(12) - الخَطَّابِيُّ أَبُو سُلَيْمَانَ حَمْدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، الحَافِظُ، اللُّغَوِيُّ، أَبُو سُلَيْمَانَ حَمْدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بنِ خَطَّابٍ البُسْتِيُّ، الخَطَّابِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ.
وُلِدَ:سَنَةَ بِضْعَ عَشْرَةَ وَثَلاَثِ مائَةٍ.
وَأَخَذَ الفِقْهَ عَلَى مَذْهَب الشَّافِعِيّ عَنْ:أَبِي بَكْرٍ القَفَّالِ الشَّاشِي، وَأَبِي عَلِيٍّ بنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَنُظَرَائِهِمَا.
أَخْبَرَنَا أَبُو الحُسَيْنِ عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ الفَقِيْهُ، وَشُهْدَةُ بِنْتُ حسَّانٍ، قَالاَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بنُ عَلِيٍّ المَالِكِيّ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ السِّلَفِيُّ، قَالَ: وَأَمَّا أَبُو سُلَيْمَان الشَّارحُ لِكتَاب أَبِي دَاوُدَ، فَإِذَا وَقَفَ مُنصفٌ عَلَى مُصَنَّفَاته، وَاطَّلع عَلَى بَدِيْع تَصَرُّفَاتِه فِي مُؤَلَّفَاته، تَحقَّق إِمَامتَهَ وَديَانتَه فِيمَا يُورِدُهُ وَأَمَانتَه، وَكَانَ قَدْ رحلَ فِي الحَدِيْثِ وَقرَاءةِ العُلوم، وَطوّف، ثُمَّ أَلَّف فِي فُنُوْنٍ مِنَ العِلْم، وَصَنَّفَ، وَفِي شُيُوْخه كَثْرَةٌ، وَكَذَلِكَ فِي تَصَانِيْفِه، مِنْهَا (شَرْح السُّنَن) ، الَّذِي عَوّلْنَا عَلَى الشّروع فِي إِملاَئِه وَإِلقَائِه، وَكِتَابه فِي غَرِيْب الحَدِيْثِ، ذَكر فِيْهِ مَا لَمْ يذكرْهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَلاَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي كتَابَيْهِمَا، وَهُوَ كِتَابٌ مُمتع مُفِيْد، وَمُحصِّلُه بِنِيَّةٍ مُوَفَّقٌ سَعِيْدٌ، نَاوَلَنيه القَاضِي أَبُو المَحَاسِنِ بِالرَّيّ، وَشَيْخُه فِيْهِ عَبْدُ الغَافِرِ الفَارِسِيّ يَرْوِيْهِ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَلَمْ يقع لِي مِنْ تَوَالِيفه سِوَى هذين الكتَابينِ مَنَاولَةً لاَ سَمَاعًا عِنْد اجتمَاعِي بِأَبِي المَحَاسِن، لِعَارضَةٍ قَدْ بَرَّحت بِي، وَبلغتْ مِنِّي، لولاَهَا لمَا تَوَانيتُ فِي سَمَاعهِمَا، وَقَدْ رَوَى لَنَا الرَّئِيْس أَبُو عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيّ كِتَاب (العُزلَة) عَنْ أَبِي عَمْرٍو الرَّزْجَاهِي، عَنْهُ، وَأَنَا أَشكُّ هَلْ سَمِعتُه كَامِلًا أَوْ بَعْضه؟
أَخْبَرَنَا أَبُو الحَسَنِ، وَشُهْدَةُ، قَالاَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرٌ، أَخْبَرَنَا السِّلَفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو المَحَاسِنِ الرُّويَانِي، سَمِعْتُ أَبَا نَصْرٍ البَلْخِيّ، سَمِعْتُ أَبَا سُلَيْمَانَ الخَطَّابِي، سَمِعْتُ أَبَا سَعِيْدٍ بن الأَعْرَابِيِّ وَنَحْنُ نَسْمَعُ عَلَيْهِ هَذَا الكِتَاب - يَعْنِي: (سُنَن أَبِي دَاوُدَ) - يَقُوْلُ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ إِلاَّ المُصْحَفُ الَّذِي فِيْهِ كِتَابُ اللهِ، ثُمَّ هَذَا الكِتَاب، لَمْ يَحْتَجْ مَعَهَا إِلَى شَيْءٍ مِنَ العِلْمِ بَتَّة.قَالَ أَبُو يَعْقُوْبَ القَرَّاب:تُوُفِّيَ الخَطَّابِي ببُسْتَ، فِي شَهْرِ رَبِيْعٍ الآخِرِ، سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ.سير أعلام النبلاء (17/23-29) الطَّبقةُ الثَّانِيَةُ وَالعِشْرُونَ