السابع عشر - شبهات حول الراوية بالمعنى وردها [1]
لا خلاف بين العلماء في أن الجاهل والمبتدئ ومن لم يمهر في العلم، ولا تقدم في معرفة تقديم الألفاظ وترتيب الجمل، وفهم المعاني يجب عليه ألا يروي ولا يحكي حديثا إلا على اللفظ الذي سمعه، وأنه حرام عليه التعبير بغير لفظه المسموع، إذ جميع ما يفعله من ذلك تحكم بالجهالة وتصرف على غير حقيقة في أصول الشريعة، وتقول على الله ورسوله.
قال المرجفون:"إذا جاز للراوي تبديل لفظ الرسول بلفظ نفسه فذلك يقتضي سقوط الكلام الأول، لأن التعبير بالمعنى لا ينفك عن تفاوت، فإن توالت المتفاوتات كان التفاوت الأخير تفاوتا فاحشا بحيث لا يبقى بين الكلام الأخير وبين الأول نوع مناسبة".
وهذا الطعن يعتمد أصحابه على إثارة الوساوس في النفوس، بطريق المغالطة والتغافل العنيد عن الشروط التي أحاطها العلماء حول صحة الحديث والرواية بالمعنى، وهي شروط تجعل الناظر في تصرف المحدثين يطمئن إلى أن النقل بالمعنى لم يفوِّت جوهرالحديث، وإنما وضع مفردات موضع مفردات أخرى في نفس المعنى.
ونوجز لك بيان ذلك من وجهين:
1-إن الرواية بالمعنى لم تجز إلا لعالم باللغة، لا يحيلُ المعاني عن وجهها، وهذا بالنسبة للصحابة متوفر، فهم أرباب الفصاحة وأبناء بجدة اللغة في ما أوتوا من قوة الحفظ، وما توفر من أسبابه التي ذكرنا منها طرفا، ثم من جاء بعدهم يعرض على الاختبار، ولم يقبل العلماء إلا من توفر فيه هذا الشرط.
2-هب أن الراوي بالمعنى قد أخطأ الفهم وروى الحديث على الخطأ. أفيذهب الخطأ على العلماء؟!. هذا مالا يمكن!! فإنهم يشترطون في الحديث الصحيح والحسن انتفاء الشذوذ والعلة منه، أي أن حديث الثقة لا يقبل حتى يعرض على روايات الثقات، ويتبين أنه موافق لها، سالم من القوادح الخفية.
وبذلك يجتنب ما قد يطرأ على الحديث نتيجة تناقله بين رجال السند، ولا يبقى لتوهم إخلال الراوي بالحديث أي صنع.
قلت: وزعم بعضهم أن رواية الأحاديث بالمعنى هل أدخلت ضررًا على الدين
والجواب:
إن الرواية هي أداء الحديث وتبليغه ، مسندًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بصيغة من صيغ الأداء ، وهي نوعان:
روايةٌ باللفظ الذي سمعه الراوي دون تغيير أو تبديل ، أو تقديم أو تأخير ، أو زيادة أو نقص ، وروايةٌ بالمعنى الذي اشتمل عليه اللفظ ، بدون التقيد بألفاظ الحديث المسموعة .
والأصل في الرواية أن تكون باللفظ المسموع منه - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا نسي الراوي اللفظ جازت الرواية بالمعنى على سبيل التخفيف والرخصة ، بضوابط معروفة يذكرها أهل العلم في هذا الباب .
ولكن يأبى المشكِّكون إلا أن يصطادوا في الماء العكر ، ويبحثوا عن أي مدخل للطعن في السنة والتشكيك فيها ، وكان المدخل في هذه المرة مسألة"رواية الحديث بالمعنى"، حيث زعموا أن جميع الأحاديث قد رواها الرواة بالمعنى لا بالألفاظ المسموعة منه - صلى الله عليه وسلم - ، وأن ذلك كان شأن الرواة في كل طبقة ، حيث يسمعون الأحاديث بألفاظ ثم يروونها بألفاظ أخرى ، وهكذا حتى انطمست معالم الألفاظ النبوية وتغيرت معانيها ، مما أدخل الضرر الكبير على الدين ، وأوجب إسقاط الثقة بهذه الأحاديث والتي تصرف الرواة في ألفاظها ، حتى غدت لا تمتُّ إلى الألفاظ النبوية بصلة .
وبذلك جعلوا رواية الأحاديث بالمعنى هو الأصل والقاعدة ، ومجيئها على اللفظ المسموع أمرًا شاذًا نادرًا ، وأنحوا باللوم والتشنيع على الذين اعتقدوا (( أن أحاديث الرسول التي يقرؤونها في الكتب ، أو يسمعونها ممن يتحدثون بها ، جاءت صحيحة المبنى محكمة التأليف ، وأن ألفاظها قد وصلت إلى الرواة مصونة كما نطق بها النبي بلا تحريف ولا تبديل ، وأن الصحابة ومن جاء بعدهم ممن حملوا عنهم إلى زمن التدوين قد نقلوا هذه الأحاديث بنصها كما سمعوها ، وأدوها على وجهها كما تلقوها ، فلم ينلها تغير ولا اعتراها تبديل ، وأن الرواة للأحاديث كانوا صنفًا خاصًا في جودة الحفظ وكمال الضبط وسلامة الذاكرة ) )- كما فعل"محمود أبو رية"- في كتابه"أضواء على السنة المحمدية".
وقال بعد أن ذكر أنه أن لبث زمنًا طويلًا يبحث وينقب حتى انتهى إلى حقائق عجيبة ، ونتائج خطيرة: (( ذلك أني وجدت أنه لا يكاد يوجد في كتب الحديث( كلها ) - مما أسموه صحيحًا ، أو ما جعلوه حسنًا- حديثٌ قد جاء على حقيقة لفظه ومحكم تركيبه . كما نطق به الرسول به . . . ، وقد يوجد بعض ألفاظ مفردة بقيت على حقيقتها في بعض الأحاديث القصيرة ، وذلك في الفلتة والندرة . .. . ))
والقارئ لهذا الكلام إذا لم يكن من أهل العلم والمعرفة بالحديث النبوي ، يخيل إليه أن السنة لم يأت فيها حديث مروي بلفظه ، وأنه قد دخلها الكثير من التحريف والتغيير .
مع أنه لا خلاف بين أهل العلم في أن رواية الحديث بلفظه المسموع منه - صلى الله عليه وسلم - هو الأصل الذي ينبغي لكل راوٍ وناقل أن يلتزمه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا ، بل قد أوجبه بعضهم ومنعوا الرواية بالمعنى مطلقًا ، وألزموا أنفسهم وغيرهم بأداء اللفظ كما سُمِع .
والذين أجازوا الرواية بالمعنى إنما أجازوها على أنها رُخْصة تقدر بقدرها ، إذا غاب اللفظ عن الذهن أو لم يتأكد منه ، لا على أنها أصل يتبع ويلتزم في الرواية
ومع ذلك فقد اشترطوا لجوازها شروطًا تضمن سلامة المعنى وعدم تحريفه ، فقالوا: نقل الحديث بالمعنى دون اللفظ حرام على الجاهل بمواقع الخطاب ، ودقائق الألفاظ ، أما العالم بالألفاظ ، الخبير بمقاصدها ، العارف بما يحيل المعاني ويغيرها ، البصير بمقدار التفاوت بينها حيث يفرق بين المحتمل وغير المحتمل ، والظاهر والأظهر ، والعام والأعم ، فإنه يجوز له ذلك ، وإلى هذا ذهب جماهير الفقهاء والمحدثين .
وهذا التجويز منهم للرواية بالمعنى إنما هو في غير ما تضمنته بطون الكتب ، أما ما دُوِّن في الكتب فليس لأحد أن يغير لفظ شيء من كتاب مصنف ، ويثبت بدله لفظًا آخر بمعناه لأن الرواية بالمعنى إنما رُخِّص فيها لما في ضبط الألفاظ والمحافظة عليها من الحرج والمشقة ، وذلك غير موجود فيما تضمنته بطون الكتب ، ولأنه لا يملك تغيير تصنيف غيره - كما ذكر ذلك الإمام ابن الصلاح -
ومن الأحاديث ما لا يجوز روايته بالمعنى كالأحاديث التي يتعبد بلفظها مثل أحاديث الأذكار والأدعية والتشهد ونحوها ، وما كان من جوامع كلمه - صلى الله عليه وسلم - ، والأحاديث التي تتعلق بالأمور التوقيفية كأسماء الله وصفاته وغير ذلك ، فليس كل الأحاديث إذًا يجوز روايته بالمعنى .
على أن الرواية بالمعنى إنما تكون غالبًا في الكلمة والكلمتين والثلاث ، وقل أن تقع في جميع ألفاظ الحديث ، وربما ذكر الراوي عقب الحديث - إذا اضطر إلى الرواية بالمعنى ولم يتأكد من اللفظ - لفظًا يفيد التصون والاحتياط ، لعلمهم بما في الرواية بالمعنى من الخطورة ، كما ثبت عن ابن مسعود أنه قال يومًا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فاغرورقت عيناه ، وانتفخت أوداجه ، ثم قال: (( أو مثله أو نحوه أو شبهه ) )رواه ابن ماجة وغيره .
كما أنه من الظلم والتلبيس عند اتهام هؤلاء الرواة الثقات - من الصحابة ومن بعدهم من التابعين وتابعيهم - بالتصرف في الألفاظ ، إغفال الخصائص الدينية ، والنفسية ، والخلقية ، التي كانوا يتمتعون بها ، والتي لم تتوفر لمن بعدهم بالقدر الذي توفر لهم ، مما عصمهم بإذن الله من التغيير والتبديل ، والتساهل في الرواية
فقد كانوا عربًا خلصًا ، أهل فصاحة وبلاغة ، وكانوا على علم بمواقع الخطاب ، ومحامل الكلام ، مع ما هم عليه من الديانة والورع والتقوى ، وهم يعلمون بأن الذي يروونه دين من عند الله تعالى ، يحرم فيه الكذب على الله وعلى رسوله ، وأن أي تزيد فيه أو تحريف يقود المرء إلى أن يتبوأ مقعدًا في النار .
إضافة إلى ما حباهم الله به من حوافظ قوية ، وأذهان سيالة ، وقلوب عاقلة واعية ، والغفلة عن ذلك كله إنكار للحق الثابت ، والواقع الملموس .
وبذلك يظهر لك أخي القارئ أن أكثر الأحاديث قد وصلت إلينا بمحكم ألفاظها ، وأن بعضها قد روي بالمعنى مع الاحتياط البالغ من أي تغيير يخل بالمعنى الأصلي ، وما عسى أن يكون قد دخل نزرًا من الأحاديث بسبب الرواية بالمعنى فهو شيء يسير تنبه له العلماء وبينوه .
فعُلِم أن الرواية بالمعنى لم تجن على الدين ، ولم تدخل على النصوص التحريف والتبديل ، كما زعم المستشرقون ومن لفَّ لفَّهم ، وأن الله الذي تكفل بحفظ كتابه ، قد تكفل بحفظ سنة نبيه من التحريف والتبديل ، وقيض لها في كل عصر من ينفي عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين . [2]
ـــــــــــــــ
(1) - منهج النقد في علوم الحديث - دار الفكر - الرقمية - (ج 1 / ص 227)
(2) - انظر دفاع عن السنة د . محمد أبو شهبة والحديث والمحدثون محمد محمد أبو زهو وموقف المدرسة العقلية الأمين الصادق الأمين