السادس عشر - إذَا كَانَ في سَمَاعهِ بَعْض الوَهَنِ, فَعَليهِ بيانهُ حالَ الرِّوايةِ [1]
إذا كان في سماعه بعض الوهن أي: الضَّعف فعليه بيانه حال الرِّواية فإن في إغْفَاله نوعًا من التَّدْليس, وذلك كأن يسمع من غير أصل, أو يُحدِّث هو أو الشَّيْخ وقت القِرَاءة, أو حصلَ نَوْم, أو نسخ, أو سمع بقراءة مُصحِّف, أو لحَّان, أو كان التسميع بخطِّ من فيه نظر.
ومنه إذا حدَّثه من حفظه في المُذَاكرة لتساهلهم فيها فليقل: حدَّثنا مُذَاكرة ونحوه كما فعله الأئمة.
ومنع جَمَاعة منهم كابن مهدي, وابن المبارك, وأبي زُرْعة الحمل عنهم حال المذاكرة لتساهلهم فيها, ولأنَّ الحفظ خوَّان.
وامتنع جماعة من رواية ما يحفظونه إلاَّ من كُتبهم لذلك, منهم أحمد بن حنبل.
قال العراقي [2] :"إذا كانَ الحديثُ عن رجلينِ: أحدُهما مجروحٌ ، كحديثٍ لأنَسٍ يرويهِ عنهُ مثلًا ثابتٌ البُنَانيُّ ، وأبانُ بن أبي عيَّاشٍ، ونحوُ ذلكَ، لا يحسنُ إسقاطُ المجروحِ - وهو أبانُ - والاقتصارُ على ثابتٍ لجوازِ أَنْ يكونَ فيه شيءٌ عن أبانَ لم يذكرْهُ ثابتٌ ؛ وحملُ لفظِ أحدِهما عَلَى الآخَرِ ، قالَ نحوَ ذلكَ أحمدُ ، والخطيبُ ، وقالَ ابنُ الصلاحِ [3] : (( إنَّهُ لا يمتنعُ ذلكَ امتناعَ تحريمٍ ؛ لأنَّ الظاهرَ اتفاقُ الروايتينِ ، وما ذُكِرَ من الاحتمالِ نادرٌ بعيدٌ ) )."
قالَ الخطيبُ [4] : وكانَ مسلمُ بنُ الحجَّاجِ في مثلِ هذا رُبَّمَا أسقطَ المجروحَ من إلاسنَاْدِ ويذكرُ الثقةَ ، ثُمَّ يقولُ: (( وآخرُ ) )كِنَايَةً عن المجروحِ . قالَ: وهذا القولُ لا فائدةَ فيهِ. قالَ ابنُ الصلاحِ [5] : (( وهكذا ينبغي ، إذا كانَ الحديثُ عن ثقتينِ أنْ لا يُسقِطَ أحدَهما منهُ ؛ لتطرقِ مثلِ الاحتمالِ المذكورِ إليهِ ، وإنْ كانَ محذورُ الإسقاطِ فيهِ أقلَّ ، ثُمَّ لا يمتنعُ ذلكَ ) )."اهـ"
وقال البَلْقِيني [6] : بل له فائدة تكثير الطُّرق.
وإذَا سمع بعض حديث من شيخ, وبعضه الآخر من شيخ آخر, فرَوَى جُملتهُ عنهما مُبينًا أنَّ بعضهُ عن أحدهما, وبعضه عن الآخر غير مُميز لمَا سمعهُ من كلِّ شيخ عن الآخر جَاز, ثمَّ يَصِير كل جزء منهُ, كأنَّه رواهُ عن أحدهما مُبهمًا, فلا يُحتج بشيء منه إن كان فيهما مجروح لأنَّه ما من جزء منهُ إلاَّ ويجوز أن يكون عن ذلك المَجْروح.
ويجب ذكرهما حينئذ جميعًا, مُبينا إن كان عن أحدهما بعضه, وعن الآخر بعضه ولا يَجُوز ذكرهما ساكتًا عن ذلك, ولا إسقاط أحدهما مَجْروحًا كان أو ثقة.
ومن أمثلة ذلك حديث الإفك في البخارى (2661 ) حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ وَأَفْهَمَنِى بَعْضَهُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِىِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِىِّ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - زَوْجِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا ، فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ ، قَالَ الزُّهْرِىُّ ، وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِى طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا وَبَعْضُهُمْ أَوْعَى مِنْ بَعْضٍ ، وَأَثْبَتُ لَهُ اقْتِصَاصًا ، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْحَدِيثَ الَّذِى حَدَّثَنِى عَنْ عَائِشَةَ ، وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا... فذكر الحديث.
قال العِرَاقي [7] : وقد اعْتَرضَ بأن البُخَاري أسقطَ بعض شُيوخه في مثل هذه الصُّورة, واقتصرَ على واحد, فقال في كتاب الرقاق من «صحيحه» صحيح البخارى (6452 ) حَدَّثَنِى أَبُو نُعَيْمٍ بِنَحْوٍ مِنْ نِصْفِ هَذَا الْحَدِيثِ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ آللَّهِ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِنْ كُنْتُ لأَعْتَمِدُ بِكَبِدِى عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْجُوعِ ، وَإِنْ كُنْتُ لأَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِى مِنَ الْجُوعِ ، وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًا عَلَى طَرِيقِهِمُ الَّذِى يَخْرُجُونَ مِنْهُ ، فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، مَا سَأَلْتُهُ إِلاَّ لِيُشْبِعَنِى ، فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ ، ثُمَّ مَرَّ بِى عُمَرُ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، مَا سَأَلْتُهُ إِلاَّ لِيُشْبِعَنِى ، فَمَرَّ فَلَمْ يَفْعَلْ ، ثُمَّ مَرَّ بِى أَبُو الْقَاسِمِ - صلى الله عليه وسلم - فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِى وَعَرَفَ ، مَا فِى نَفْسِى وَمَا فِى وَجْهِى ثُمَّ قَالَ « أَبَا هِرٍّ » . قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ « الْحَقْ » . وَمَضَى فَتَبِعْتُهُ ، فَدَخَلَ فَاسْتَأْذَنَ ، فَأَذِنَ لِى ، فَدَخَلَ فَوَجَدَ لَبَنًا فِى قَدَحٍ فَقَالَ « مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ » . قَالُوا أَهْدَاهُ لَكَ فُلاَنٌ أَوْ فُلاَنَةُ . قَالَ « أَبَا هِرٍّ » . قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ « الْحَقْ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لِى » . قَالَ وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الإِسْلاَمِ ، لاَ يَأْوُونَ إِلَى أَهْلٍ وَلاَ مَالٍ ، وَلاَ عَلَى أَحَدٍ ، إِذَا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ ، وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئًا ، وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ ، وَأَصَابَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا ، فَسَاءَنِى ذَلِكَ فَقُلْتُ وَمَا هَذَا اللَّبَنُ فِى أَهْلِ الصُّفَّةِ كُنْتُ أَحَقُّ أَنَا أَنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا ، فَإِذَا جَاءَ أَمَرَنِى فَكُنْتُ أَنَا أُعْطِيهِمْ ، وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَنِى مِنْ هَذَا اللَّبَنِ ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - بُدٌّ ، فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُوا ، فَاسْتَأْذَنُوا فَأَذِنَ لَهُمْ ، وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ مِنَ الْبَيْتِ قَالَ « يَا أَبَا هِرٍّ » . قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ .
قَالَ « خُذْ فَأَعْطِهِمْ » . قَالَ فَأَخَذْتُ الْقَدَحَ فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَىَّ الْقَدَحَ ، فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَىَّ الْقَدَحَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَىَّ الْقَدَحَ ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَدْ رَوِىَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ ، فَأَخَذَ الْقَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ فَنَظَرَ إِلَىَّ فَتَبَسَّمَ فَقَالَ « أَبَا هِرٍّ » . قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ « بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ » . قُلْتُ صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ « اقْعُدْ فَاشْرَبْ » . فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ . فَقَالَ « اشْرَبْ » . فَشَرِبْتُ ، فَمَا زَالَ يَقُولُ « اشْرَبْ » . حَتَّى قُلْتُ لاَ وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ، مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا . قَالَ « فَأَرِنِى » . فَأَعْطَيْتُهُ الْقَدَحَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَسَمَّى ، وَشَرِبَ الْفَضْلَةَ".."
قال: والجَوَاب أنَّ المُمْتنع إنَّما هو إسْقَاط بَعْضهم, وإيراد كلِّ الحديث عن بعضهم, لأنَّه حينئذ يَكُون قد حدَّث عن المَذْكُور ببعض ما لم يَسْمعهُ منه, فأمَّا إذا بيَّن أنَّه لم يسمع منه إلاَّ بعض الحديث, كما فعل البُخَاري هُنَا فليس بممتنع.
وقد بيَّن البُخَاري في كتاب الاستئذان البعض الَّذي سمعه من أبي نُعيم فقال: (6246 ) حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ أَخْبَرَنَا مُجَاهِدٌ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَوَجَدَ لَبَنًا فِى قَدَحٍ فَقَالَ « أَبَا هِرٍّ الْحَقْ أَهْلَ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ إِلَىَّ » . قَالَ فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ ، فَأَقْبَلُوا فَاسْتَأْذَنُوا فَأُذِنَ لَهُمْ ، فَدَخَلُوا .. انتهى.
فهذا هو بعض حديث أبي نعيم الَّذي ذكره في الرقاق, وأمَّا بقية الحديث, فيحتمل أنَّ البُخَاري أخذه من كتاب أبي نعيم وجَادة, أو إجَازة, أو سمعهُ من شيخ آخر غير أبي نُعيم, إمَّا محمَّد بن مقاتل أو غيره, ولم يُبيِّن ذلك, بل اقتصر على اتِّصال بعض الحديث من غير بيان, ولكن ما من قطعة منه إلاَّ وهي مُحتملة, لأنَّها غير مُتَّصلة بالسَّماع إلاَّ القِطْعة الَّتي صرَّح في الاستئذان باتِّصالها. [8]
ـــــــــــــــ
(1) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 27)
(2) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 176)
(3) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 52)
(4) - الكفاية في علم الرواية - (ج 1 / ص 367)
(5) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 52)
(6) - محاسن الاطلاع ص 357
(7) - التقييد والإيضاح للحافظ العراقي - (ج 1 / ص 40)
(8) - وفي فتح الباري لابن حجر - (ج 18 / ص 272) 5971 - قَوْله ( حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم بِنَحْوٍ مِنْ نِصْف هَذَا الْحَدِيث ) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: يَسْتَلْزِم أَنْ يَكُون الْحَدِيث بِغَيْرِ إِسْنَاد يَعْنِي غَيْر مَوْصُول ؛ لِأَنَّ النِّصْف الْمَذْكُور مُبْهَم لَا يُدْرَى أَهُوَ الْأَوَّل أَوْ الثَّانِي . قُلْت: يَحْتَمِل أَيْضًا أَنْ يَكُون قَدْر النِّصْف الَّذِي حَدَّثَهُ بِهِ أَبُو نُعَيْم مُلَفَّقًا مِنْ الْحَدِيث الْمَذْكُور ، وَاَلَّذِي يَتَبَادَر مِنْ الْإِطْلَاق أَنَّهُ النِّصْف الْأَوَّل ، وَقَدْ جَزَمَ مُغَلْطَاي وَبَعْض شُيُوخنَا ، أَنَّ الْقَدْر الْمَسْمُوع لَهُ مِنْهُ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي"بَاب إِذَا دُعِيَ الرَّجُل فَجَاءَ هَلْ يَسْتَأْذِن"مِنْ كِتَاب الِاسْتِئْذَان حَيْثُ قَالَ"حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم حَدَّثَنَا عُمَر بْن ذَرّ ، وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن مُقَاتِل أَنْبَأَنَا عَبْد اللَّه هُوَ اِبْن الْمُبَارَك أَنْبَأَنَا عُمَر بْن ذَرّ أَنْبَأَنَا مُجَاهِد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ: دَخَلْت مَعَ رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَح فَقَالَ: أَبَا هِرّ اِلْحَقْ أَهْل الصُّفَّة فَادْعُهُمْ إِلَيَّ . قَالَ فَأَتَيْتهمْ فَدَعَوْتهمْ فَأَقْبَلُوا فَاسْتَأْذَنُوا فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا"قَالَ مُغَلْطَاي: فَهَذَا هُوَ الْقَدْر الَّذِي سَمِعَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ أَبِي نُعَيْم ، وَاعْتَرَضَهُ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ لَيْسَ هَذَا ثُلُث الْحَدِيث وَلَا رُبْعه فَضْلًا عَنْ نِصْفه . قُلْت: وَفِيهِ نَظَر مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ: أَحَدهمَا اِحْتِمَال أَنْ يَكُون هَذَا السِّيَاق لِابْنِ الْمُبَارَك فَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّن كَوْنه لَفْظ أَبِي نُعَيْم ، ثَانِيهمَا أَنَّهُ مُنْتَزَع مِنْ أَثْنَاء الْحَدِيث فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ الْقِصَّة الْأُولَى الْمُتَعَلِّقَة بِأَبِي هُرَيْرَة وَلَا مَا فِي آخِره مِنْ حُصُول الْبَرَكَة فِي اللَّبَن إِلَخْ . نَعَمْ ، الْمُحَرَّر قَوْل شَيْخنَا فِي"النُّكَت عَلَى اِبْن الصَّلَاح"مَا نَصّه: الْقَدْر الْمَذْكُور فِي الِاسْتِئْذَان بَعْض الْحَدِيث الْمَذْكُور فِي الرِّقَاق ، قُلْت: فَهُوَ مِمَّا حَدَّثَهُ بِهِ أَبُو نُعَيْم سَوَاء كَانَ بِلَفْظِهِ أَمْ بِمَعْنَاهُ ، وَأَمَّا بَاقِيه الَّذِي لَمْ يَسْمَعهُ مِنْهُ فَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ إِنَّهُ يَصِير بِغَيْرِ إِسْنَاد فَيَعُود الْمَحْذُور ، كَذَا قَالَ . وَكَأَنَّ مُرَاده أَنَّهُ لَا يَكُون مُتَّصِلًا لِعَدَمِ تَصْرِيحه بِأَنَّ أَبَا نُعَيْم حَدَّثَهُ بِهِ ، لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ مَحْذُور بَلْ يَحْتَمِل كَمَا قَالَ شَيْخنَا أَنْ يَكُون الْبُخَارِيّ حَدَّثَ بِهِ عَنْ أَبِي نُعَيْم بِطَرِيقِ الْوِجَادَة أَوْ الْإِجَازَة أَوْ حَمَلَهُ عَنْ شَيْخ آخَر غَيْر أَبِي نُعَيْم ، قُلْت: أَوْ سَمِعَ بَقِيَّة الْحَدِيث مِنْ شَيْخ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي نُعَيْم ، وَلِهَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ أَوْرَدْته فِي"تَعْلِيق التَّعْلِيق"فَأَخْرَجْته مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْ أَبِي نُعَيْم تَامًّا وَمِنْ طَرِيقه أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي"الْمُسْتَخْرَج"وَالْبَيْهَقِيُّ فِي"الدَّلَائِل"وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي"السُّنَن الْكُبْرَى"عَنْ أَحْمَد بْن يَحْيَى الصُّوفِيّ عَنْ أَبِي نُعَيْم بِتَمَامِهِ ، وَاجْتَمَعَ لِي مِمَّنْ سَمِعَهُ مِنْ عُمَر بْن ذَرّ شَيْخ أَبِي نُعَيْم أَيْضًا جَمَاعَة: مِنْهُمْ رَوْح بْن عُبَادَةَ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْهُ وَعَلِيّ بْن مُسْهِر وَمِنْ طَرِيقه أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَابْن حِبَّان فِي صَحِيحه وَيُونُس بْن بُكَيْر وَمِنْ طَرِيقه أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرَك وَالْبَيْهَقِيُّ . وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَاتهمْ مِنْ فَائِدَة زَائِدَة . ثُمَّ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ مُجِيبًا عَنْ الْمَحْذُور الَّذِي اِدَّعَاهُ مَا نَصّه: اِعْتَمَدَ الْبُخَارِيّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْأَطْعِمَة عَنْ يُوسُف بْن عِيسَى فَإِنَّهُ قَرِيب مِنْ نِصْف هَذَا الْحَدِيث . فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالنِّصْفِ هُنَا مَا لَمْ يَذْكُرهُ ثَمَّةَ فَيَصِير الْكُلّ مُسْنَدًا بَعْضه عَنْ يُوسُف وَبَعْضه عَنْ أَبِي نُعَيْم قُلْت: سَنَد طَرِيق يُوسُف مُغَايِر لِطَرِيقِ أَبِي نُعَيْم إِلَى أَبِي هُرَيْرَة فَيَعُود الْمَحْذُور بِالنِّسْبَةِ إِلَى خُصُوص طَرِيق أَبِي نُعَيْم فَإِنَّهُ قَالَ فِي أَوَّل كِتَاب الْأَطْعِمَة"حَدَّثَنَا يُوسُف بْن عِيسَى حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ أَصَابَنِي جَهْد"فَذَكَرَ سُؤَاله عَنْ الْآيَة وَذَكَرَ مُرُور رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بِهِ ، وَفِيهِ"فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَحْله فَأَمَرَ لِي بِعُسٍّ مِنْ لَبَن فَشَرِبْت مِنْهُ ثُمَّ قَالَ عُدْ"فَذَكَرَهُ وَلَمْ يَذْكُر قِصَّة أَصْحَاب الصُّفَّة وَلَا مَا يَتَعَلَّق بِالْبَرَكَةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي اللَّبَن ، وَزَادَ فِي آخِره مَا دَار بَيْن أَبِي هُرَيْرَة وَعُمَر وَنَدَم عُمَر عَلَى كَوْنه مَا اِسْتَتْبَعَهُ ، فَظَهَرَ بِذَلِكَ الْمُغَايَرَة بَيْن الْحَدِيثَيْنِ فِي السَّنَدَيْنِ ، وَأَمَّا الْمَتْن فَفِي أَحَد الطَّرِيقَيْنِ مَا لَيْسَ فِي الْآخَر لَكِنْ لَيْسَ فِي طَرِيق أَبِي حَازِم مِنْ الزِّيَادَة كَبِير أَمْر ، وَاَللَّه أَعْلَم .