فهرس الكتاب

الصفحة 408 من 522

وعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ عُرْوَةُ يَتَأَلَّفُ النَّاسَ عَلَى حَدِيثِهِ.. [1]

وقالَ سفيانُ الثوريُّ: تَعَلَّمُوا هذا العلمَ فإذا عَلِمْتُمُوْهُ فَتَحَفَّظُوْهُ ، فإذا حَفِظْتُمُوْهُ فاعْمَلُوا بهِ ، فإذا عَمِلْتُمْ بهِ فانْشُرُوْهُ [2] .

د) ألا يحدث بحضرة من هو أولى منه، لِسِنِّه أو عِلْمِه.

ويَنْبَغِي أيضًا أنْ لا يُحَدِّثَ بحضرةِ مَنْ هو أحقُّ بالتحديثِ وأولى بهِ منهُ ، فقدْ كانَ إبراهيمُ النَّخَعيُّ إذا اجتمعَ معَ الشّعبيِّ لم يتكلمْ إبراهيمُ بشيءٍ [3] . وزادَ بعضُهُم على هذا بأَنْ كَرِهَ الروايةَ ببلدٍ وفيه مَنْ هو أَولى منه لسنِّه، أو غيرِ ذلكَ، وقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الجَوْزَجَانِيُّ [4] : سَمِعْتُ يَحْيَى بنَ مَعِيْنٍ يَقُوْلُ: الَّذِي يُحَدِّثُ بِبَلَدٍ بِهِ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِالتَّحْدِيثِ مِنْهُ، أَحْمَقُ، وَإِذَا رَأَيتَنِي أُحَدِّثُ بِبَلَدٍ فِيْهَا مِثْلُ أَبِي مُسْهِرٍ، فَيَنْبَغِي لِلِحْيَتِي أَنْ تُحْلَقَ. ُ. [5]

وَقَدْ رَوَى هِشَامٌ ( يعني ابن عمار ) غَيْرَ حَدِيْثٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيْعَةَ فِي كِتَابِهِ إِلَيْهِ، وَحَسْبُكَ قَوْلُ أَحْمَدَ بنِ أَبِي الحَوَارِيِّ مَعَ جَلاَلتِهِ: إِذَا حَدَّثْتُ بِبَلَدٍ فِيْهِ مِثْلُ هِشَامِ بنِ عَمَّارٍ، يَجِبُ لِلِحْيَتِي أَنْ تُحْلَقَ. [6]

وهذا من أخلاق العلماء الكملة، إذ يحذرون التقدم على من هو أولى منهم لكبر السن، أو فضل في العلم.

قال في «الاقتراح» [7] : يَنْبغي أن يَكُون هذا عند الاسْتواء فيما عدا الصِّفة المُرجَّحة, أمَّا مع التفاوت بأن يكُون الأعلى إسْنَادا عاميًا, والأنزل عارف ضابط, فقد يتوقف في الإرشاد إليه, لأنَّه قد يَكُون في الرِّواية عنه ما يوجب خللًا.

قلتُ [8] : الصَّواب إطلاق أنَّ التَّحديث بحضرة الأوْلَى ليس بمكروه, ولا خِلاف الأولى, فقد استنبط العُلماء من حديث البخارى (2695 و 2696 ) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ رضى الله عنهما قَالاَ جَاءَ أَعْرَابِىٌّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ . فَقَامَ خَصْمُهُ فَقَالَ صَدَقَ ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ . فَقَالَ الأَعْرَابِىُّ إِنَّ ابْنِى كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا ، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ ، فَقَالُوا لِى عَلَى ابْنِكَ الرَّجْمُ . فَفَدَيْتُ ابْنِى مِنْهُ بِمِائَةٍ مِنَ الْغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ ، ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ ، فَقَالُوا إِنَّمَا عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ . فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ ، أَمَّا الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ - لِرَجُلٍ - فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَارْجُمْهَا » . فَغَدَا عَلَيْهَا أُنَيْسٌ فَرَجَمَهَا .

قال الحافظ ابن حجر [9] :"وَفِيهِ أَنَّ الصَّحَابَة كَانُوا يُفْتُونَ فِي عَهْد النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وَفِي بَلَده ، وَقَدْ عَقَدَ مُحَمَّد بْن سَعْد فِي الطَّبَقَات بَابًا لِذَلِكَ وَأَخْرَجَ بِأَسَانِيد فِيهَا الْوَاقِدِيّ أَنَّ مِنْهُمْ أَبَا بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيًّا وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَأَبِي بْن كَعْب وَمَعَاذ بْن جَبَل وَزَيْد بْن ثَابِت . ."

وروى البَيْهقي في «المدخل» [10] عن ابن عباس ، أنه قال لسعيد بن جبير: حدث ، قال: أحدث وأنت شاهد ؟ ، قال: أوليسَ من نعمةِ الله عليكَ وأنتَ تحدثُ وأنا شاهدٌ ؟ فإنْ أخطأتَ علمتُكَ"."

وإذا كانَ جَمَاعة مُشْتركون في سماع, فالإسماع منهم فرضُ كفاية, ولو طُلب من أحدهم فامتنع لم يأثم, فإن انْحَصرَ فيه أثِمَ. [11]

قلت: وكلُّ فروض الكفاية إذا لم يقم بها أحدٌ أثم الجميع ، ومن ثمَّ فمنْ تعينت عليه وجب عليه أداؤها، ولا يحلُّ له التقاعس أو الترك دون عذرٍ شرعيٍّ معتبرٍ .

هـ) أن يرشد من سأله عن شيء من الحديث ـ وهو يعلم أنه موجود عند غيره ـ إلى ذلك الغير.

ويَنْبغي له إذَا طُلب منهُ, ما يعلمه عند أرجح منهُ أن يُرشد إليه, لحديث مسلم (205 ) عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِىِّ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « الدِّينُ النَّصِيحَةُ » قُلْنَا لِمَنْ قَالَ: « لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ » ..

قال النووي [12] :"وَأَمَّا نَصِيحَة عَامَّة الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ مَنْ عَدَا وُلَاة الْأَمْر فَإِرْشَادهمْ لِمَصَالِحِهِمْ فِي آخِرَتهمْ وَدُنْيَاهُمْ ، وَكَفّ الْأَذَى عَنْهُمْ فَيُعَلِّمهُمْ مَا يَجْهَلُونَهُ مِنْ دِينهمْ ، وَيُعِينهُمْ عَلَيْهِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْل ، وَسِتْر عَوْرَاتهمْ ، وَسَدّ خَلَّاتهمْ ، وَدَفْع الْمَضَارّ عَنْهُمْ ، وَجَلْب الْمَنَافِع لَهُمْ ، وَأَمْرهمْ بِالْمَعْرُوفِ ، وَنَهْيهمْ عَنْ الْمُنْكَر بِرِفْقٍ وَإِخْلَاصٍ ، وَالشَّفَقَة عَلَيْهِمْ ، وَتَوْقِير كَبِيرهمْ ، وَرَحْمَة صَغِيرهمْ ، وَتَخَوُّلهمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة ، وَتَرْك غِشِّهِمْ وَحَسَدِهِمْ ، وَأَنْ يُحِبَّ لَهُمْ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنْ الْخَيْر ، وَيَكْرَه لَهُمْ مَا يَكْرَه لِنَفْسِهِ مِنْ الْمَكْرُوه ، وَالذَّبّ عَنْ أَمْوَالهمْ وَأَعْرَاضهمْ ، وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالهمْ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْل ، وَحَثّهمْ عَلَى التَّخَلُّق بِجَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنْوَاع النَّصِيحَة ، وَتَنْشِيط هَمِّهِمْ إِلَى الطَّاعَات . وَقَدْ كَانَ فِي السَّلَف رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ مَنْ تَبْلُغ بِهِ النَّصِيحَة إِلَى الْإِضْرَار بِدُنْيَاهُ . وَاَللَّه أَعْلَم ."

و) ألا يمتنع من تحديث أحد لكونه غير صحيح النية ، فانه يُرجَى له صحتها .

قال العراقي [13] :"هَبْ أنَّ الطالبَ لم يُخْلِصْ نِيّتَهُ فلا تمتنِعْ من تحديثِهِ ، بلْ عُمَّ كُلَّ طالبِ علمٍ . وروينا عن الثوريِّ أنَّهُ قالَ: ما كانَ في الناسِ أفضلُ مِنْ طلبةِ الحديثِ، فقالَ لهُ ابنُ مهديٍّ: يطلبونَهُ بغيرِ نِيَّةٍ ، فقالَ: طلبهُم إيَّاهُ نِيَّةٌ. وروينا عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ ومَعْمَرٍ بنِ راشدٍ أنَّهُما قالاَ: طلبنَا الحديثَ وما لنا فيه نيَّةٌ ، ثُمَّ رزقَ اللهُ عزَّ وجلَّ النِّيَّةَ بَعْدُ ، [14] وروينا عن مَعْمَرٍ أيضًا ، قالَ [15] : إنَّ الرجلَ ليطلبُ العلمَ لغيرِ الله فيأبَى عليهُ العلمُ حتى يكونَ للهِ عزَّ وجلَّ . قالَ الخطيبُ [16] : (( والذي نستحبُّهُ أنْ يَرْوِيَ الْمُحَدِّثُ لكلِّ أحدٍ سأَلهُ التحديثَ ، ولا يمنعُ أحدًا من الطلبةِ ) )."

س) - الاشتغال بالتصنيف والانتاج العلمي [17] :

لمن توفرت فيه الأهلية لذلك، فإنه يفتح له من مغاليق العلم، ويوسع أمامه من مجاله ما لم يكن بحسبانه، كما أن كل عصر له شأن خاص يحتاج إلى تجديد في الأسلوب وفي الموضوعات والأفكار، بحسب ما يتطلبه حال الناس من الناحية الفكرية والأخلاقية والعلمية...وقد حجر واسعا من قال:"ما ترك الأول للآخر". ومن تأمل ومارس قال: كم ترك الأول للآخر!.

وينبغي لمن يتصدى للتصنيف:

أن يخلط في عمله فائدة جديدة، إما باشتغال مصنفه على ابتكار فكرة أو نظرية جديدة، توصل إليها باجتهاده، أو حسن ترتيب وتنسيق. أو حل لمشكل وإيضاح لغامض، أو تجديد أسلوب يقدم به المادة العلمية في ثوب يناسب عصره. كذلك ينبغي له أن لا يتعرض للتصنيف فيما لا يحسن من الفنون، اغترارا بعدم اكتشاف الناس لأمره، أو طلبا للسمعة بكثرة المؤلفات وتنوعها، ومن فعل ذلك تقع له السقطات، وتكثر منه الهنات.

وحسن التصنيف أمنية عظيمة، وموهبة إلهية، نرجو الله أن يتفضل بها علينا، ويجعل عملنا في ذلك خالصا لوجهه الكريم، مقبولا عنده، نافعا لعباده.

ش)- وينبغي أن يُمْسك عن التَّحديث إذا خَشِيَ التَّخليط بهرمٍ, أو خَرَفٍ, أو عمى, ويختلف ذلك باختلاف النَّاس وضبطهُ ابن خلاَّد بالثَّمانين, قال: والتَّسبيح والذِّكر وتِلاوة القُرْآن أولى به.

وهذا موضوع طريف جدا، يدلُّ على انتظام الأمور في ظل الحضارة الإسلامية، إذ سبق العلماء إلى تحديد ما تسميه قوانين الموظفين"سن التقاعد".

وبالنظر لما امتن الله به المحدثين من طول العمر فقد جعلوا سنَّ التقاعد هو الثمانين، لأن الغالب على من بلغ هذا السنَّ اختلالُ الجسم والذكر، وضعف الحال، وتغير الفهم. وإلا فإنه ينبغي للعالم الإمساك عن التحديث وعن عقد دروس العلم متى خاف التخليط ولو كان دون هذه السن [18] .

قالَ القاضي عياضٌ: (( الحدُّ في تركِ الشيخِ التحديثَ التَّغيُّرُ ، وخوفُ الخَرَفِ ) )، وكذا قالَ ابنُ الصلاحِ: (( هو السِّنُّ الذي يُخْشَى عليهِ فيهِ مِنَ الْهَرَمِ والخَرَفِ ، وَيُخَافُ عليهِ فيهِ أَنْ يُخَلِّطَ ، ويرويَ ما ليسَ من حديثِهِ . قالَ: والناسُ في بلوغِ هذا السِّنِّ يتفاوتونَ بِحَسَبِ اختلافِ أحوالهِمِ ) ). وروينا عن أبي محمدِ بنِ خَلاَّدٍ ، قالَ [19] : فإذا تناهَى العُمْرُ بالمحدِّثِ فأعْجبُ إليَّ أنْ يُمْسِكَ في الثمانينَ ؛ فإنَّهُ حَدُّ الْهَرَمِ . قالَ والتسبيحُ ، والذِّكْرُ ، وتلاوةُ القرآنِ ؛ أَوْلَى بأبناءِ الثمانينَ فإنْ كانَ عقلُه ثابتًا، ورأيُهُ مُجْتَمعًا ، يَعْرِفُ حديثَهُ ، ويقومُ بهِ ، وتحرَّى أنْ يُحدِّثَ احتسابًا ، رَجَوْتُ له خيرًا ؛ كالحضرميِّ وموسى وعَبْدَانَ . قالَ: ولم أرَ بفَهْمِ أبي خَلِيْفَةَ وضَبْطِهِ بأسًا معَ سِنِّهِ . انتهى كلامُهُ .

وقد حَدَّثَ جَمَاعةٌ من الصَّحابةِ فمَنْ بعدَهُم بعدَ مجاوزةِ الثمانينَ. فمِنَ الصحابةَ: أنسُ بنُ مالكٍ ، وعبدُ اللهِ بنُ أبي أوفى ، وسَهْلُ بنُ سَعْدٍ ، في آخَرِينَ .

ومن التَّابِعِيْنَ: شُرَيْحٌ القَاضِي ، ومجاهدٌ ، والشعبيُّ ، في آخرينَ .

ومِنْ اتباعِهِم: مالكُ بنُ أنسٍ ، واللَّيْثُ بنُ سعدٍ ، وسفيانُ بنُ عُيينةَ ، في آخَرِين منهم . وممَّنْ بعدَهُم ، وقدْ ذَكَرَ القاضي عياضٌ أنَّ مالكًَا قالَ: (( إنَّمَا يَخْرِّفُّ الكذَّابُونَ ) )وقد حَدَّثَ جماعةٌ بعدَ أنْ جاوزوا المائةَ:

فمِنَ الصحابةِ: حَكِيْمُ بنُ حِزَامٍ ، ومِنَ التابعينَ: شَرِيْكُ بنُ عبدِ اللهِ النَّمرِيُّ ، ومِمَّنْ بعدَهم: الحسنُ بنُ عَرَفَةَ ، وأبو القاسمِ عبدُ اللهِ بنُ محمّدٍ البغويُّ ، وأبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ عَلَيٍّ الْهُجَيْمِيُّ ، حَدَّثَ وهو ابنُ مائةٍ وثلاثِ سنينَ ، والقاضي أبو الطَّيِّبِ طاهرُ بنُ عبدِ اللهِ الطَّبَرِيُّ ، والحافظُ أبو الطاهرِ أحمدُ بنُ محمّدٍ السِّلَفيُّ ، وغَيْرُهُم ؛ ولم يتغيرْ أحدٌ منهم . وقَرَأَ القَارِئُ يومًَا على الْهُجَيْمِيِّ بعدَ أنْ جاوزَ المائَةَ ، وأرادَ اختبارَهُ بذلكَ .

كالكَلْبِ يَحْمِي جِلْدَهُ برَوْقِهِ إنَّ الجَبَانَ حَتْفُهُ مِنْ فَوْقِهِ

فقالَ لَهُ الْهُجَيْمِيُّ: قُلِ الثَّوْرَ يا ثَوْرُ ! فإنَّ الكلبَ لا روقَ لَهُ ، فَفَرِحَ الناسُ بصحَّةِ عَقلهِ وجودةِ حسِّهِ . قالَ الجوهريُّ: (( والرَّوْقُ: القَرْنُ ) ).

قالَ الْقَاضِي عياضٌ: (( وإنما كرهَ مَنْ كرهَ لإصحابِ الثمانينَ التحديثَ ؛ لأنَّ الغالبَ على مَنْ يَبْلُغُ هذا السِّنَّ اختلالُ الجسْمِ ، والذِّكْرِ، وضَعْفِ الحالِ ، وتغَيُّرِ الفَهْمِ ، وحلولِ الخَرَفِ؛ مخافةَ أنْ يبدأَ به التغيرُ والاختلالُ ، فلا يفطنُ له إلاَّ بعدَ أنْ جازتْ عليهِ أشياءُ ) ) [20]

ص) - مراعاة الأهلية للتحديث:

معنى مراعاة الأهلية أن لا يجلس للتحديث إلا إذا كان أهلا لذلك، سواء كان في سن مبكرة أو متأخرة.

وقد أنشد بعض البغداديين:

إن الحداثة لا تقصر بالفتى المرزوق ذهنا

لكن تذكي قلبه فيفوق أكبر منه سنا وضابط ذلك ما قاله ابن الصلاح:"إنه متى احتيج إلى ما عنده استحبَّ له التصدي لروايته ونشره في أي سنٍّ كان" [21] .

فإذا ما توفر فيه ذلك فليحرص على إفادة علم الحديث ونشره ما وسعه ذلك.

3-ما يستحبُّ فعله إذا أراد حضور مجلس الإملاء [22] :

يُستحب لهُ إذَا أرادَ حُضور مجلس التَّحديث أن يتطهَّر بغسل ووضوء ويتطيَّب ويتبخَّر, ويستاك, كما ذكره ابن السَّمعاني ،ويُسرِّح لحيتهُ ويَجْلس في صَدْر مَجْلسهِ مُتمكنًا في جُلوسهِ بوقَار وهَيْبة, و عن مالكٍ (رضيَ اللهُ عنهُ) ، أنَّهُ كانَ إذا أرادَ أنْ يُحَدِّثَ توضّأَ، وجلسَ على صَدْرِ فراشِهِ ، وسَرَّحَ لِحْيَتَهُ ، وتمكَّنَ في جلوسِهِ بوَقَارٍ وهَيْبَةٍ ، وحَدَّثَ ، فقيلَ لهُ في ذلكَ ، فقالَ أُحبُّ أَنْ أعظِّمَ حديثَ رسولِ اللهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ولا أُحَدِّثَ إلاَّ على طهارةٍ مُتَمَكِّنًا ، وكانَ يَكْرَهُ أَنْ يُحدِّثَ في الطريقِ ، أو وهوَ قائمٌ ،أو يستعجلَ وقالَ [23] :أُحِبُّ أَنْ أتَفَهَّمَ ما أُحَدِّثُ بهِ عنْ رسولِ اللهِ ( - صلى الله عليه وسلم - )

ورويَ عنهُ أَيضًا [24] أنَّهُ كانَ يغتسلُ لذلكَ ويتبخَّرُ ويتطَيَّبُ ، فإنْ رفعَ أحدٌ صوتَهُ في مجلسِهِ زَبَرَهُ ، وقالَ: قالَ اللهُ تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} (2) سورة الحجرات، فَمَنْ رَفَعَ صوتَهُ عِندَ حديثِ رسولِ اللهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) . فكأَنَّمَا رفعَ صوتَهُ فوقَ صوتِ رسولِ اللهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) .

وعَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: لَقَدْ كَانَ يُسْتَحَبُّ أَنْ لاَ تُقْرَأَ الأَحَادِيْثُ الَّتِي عَنْ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلاَّ عَلَى طَهَارَةٍ.. [25]

وعن ضِرَار بن مُرَّة قال: كانوا يَكْرهون أن يُحدِّثوا على غير طُهْر. [26]

وقال ابن وهب ، حدثني مالك ، أن رجلا جاء إلى سعيد بن المسيب ، وهو مريض فسأله عن حديث ، وهو مضطجع فجلس فحدثه فقال له الرجل: وددت أنك لم تتعن فقال له: إني كرهت أن أحدثك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا مضطجع" [27] "

وقال بشر بن الحارث سأل رجل ابن المبارك عن حديث ، وهو يمشي ، فقال: « ليس هذا من تَوقير العِلْم » قال بشر: فاستحسنته جدا. [28]

وعن مَالك قال [29] : « إن مجالسَ العلم تحتضنُ بالخشوع والسكينة والوقار » .

"ويَنْبَغِي للشَّيْخِ أنْ لا يقومَ لأحدٍ في حالِ التَّحْدِيْث ِ. وكذلكَ قارئُ الحديثِ ، فقدْ بَلَغَنَا عن محمّدِ بنِ أحمدَ بنِ عبدِ اللهِ الفقيهِ ، وهو أبو زيدٍ المروزيُّ ، أنَّهُ قالَ: القارئُ لحديثِ رسولِ اللهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) إذا قامَ لأَحَدٍ فإنَّهُ تُكْتَبُ عليهِ خطيئةٌ [30] ."

ويُسْتَحَبُّ لهُ أنْ يُقْبِلَ على مَنْ يحدِّثُهُم ، فقد روينا عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ ، قالَ: مِنَ السُّنَّةِ إذا حَدَّثَ القومَ أنْ يُقْبِلَ عليهم جميعًا، ولا يخص أحدا دون أحد . [31]

وروينا عنهُ قالَ: كانوا يُحِبُّونَ إذا حَدَّثَ الرجلُ أنْ لا يُقْبِلَ على الرجلِ الواحدِ ، ولكِنْ ليعمَّهُمْ . [32]

ويُستحبُّ أنْ يُرَتِّلَ الحديثَ ، ولا يَسْرُدَهُ سَرْدًَا يمنعُ السامعَ من إدراكِ بعضِهِ . ففي الصَّحِيْحَيْنِ البخارى (3568 ) معلقا ومسلم (6554 ) عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ أَلاَ يُعْجِبُكَ أَبُو فُلاَنٍ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَانِبِ حُجْرَتِى يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، يُسْمِعُنِى ذَلِكَ وَكُنْتُ أُسَبِّحُ فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِىَ سُبْحَتِى ، وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ . .

وعند الترمذى (4000 ) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَسْرُدُ سَرْدَكُمْ هَذَا وَلَكِنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلاَمٍ بَيْنَهُ فَصْلٌ يَحْفَظُهُ مَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ. قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

ويُستحبُّ لهُ أنْ يَفْتَتِحَ مجلسَهُ ويختِمَهُ بتحميدِ اللهِ تَعَالَى وصلاةٍ وسَلاَمٍ عَلَى النبيِّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، ودعاءٍ يَليقُ بالحالِ . قالَ ابنُ الصلاحِ [33] : (( ومِنْ أَبْلَغِ ما يفتَتِحَهُ بهِ أنْ يقولَ: الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ ، أكملُ الحمدِ عَلَى كُلِّ حالٍ ، والصلاةُ والسلامُ الأَتمَّانِ عَلَى سَيِّدِ المُرْسِليْنَ، كُلَّما ذكرَهُ الذاكرونَ، وكُلَّمَا غَفَلَ عَنْ ذكرِهِ الغافلونَ ، اللِّهُمَّ صلِّ عليهِ ، وعلى آلهِ ، وسائرِ النبيِّينَ ، وآلِ كُلٍّ وسائرِ الصالحِيْنَ ، نهايةَ ما ينبغي أنْ يَسْأَلَهُ السَّائِلوَنَ ) )اهـ

وقال العراقي أيضًا [34] :"واستحسَنُوا افتتاحَ مجلِسِ الإملاءِ بقراءةِ قارئٍ لشيءٍ من القرآنِ العظيمِ، وقالَ الخطيبُ: سورةً من القرآنِ . ثُمَّ رَوَى بإسنادِهِ إِلَى أبي نَضْرَةَ ، قالَ [35] : كانَ أصحابُ رسولِ اللهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) إذا اجتمعوا تذاكروا العلمَ وقرؤوا سورةً."

فإذا فَرَغَ القارئُ استنصَتَ الْمُسْتَمْلِي أهلَ المجلِسِ ، حيثُ احْتِيْجَ للاستنصاتِ . ففي الصحيحينِ البخارى (121 ) ومسلم (232 ) عَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لَهُ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ « اسْتَنْصِتِ النَّاسَ » فَقَالَ: « لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » ..

فإذا أنْصَتَ الناسُ بَسْمَلَ الْمُسْتَمْلِي وحَمِدَ اللهَ تَعَالَى ، وصَلَّى عَلَى النبيِّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الشيخِ الْمُحَدِّثِ قائلًا لهُ: مَنْ ذكرتَ ؟ أي: مِنَ الشيوخِ ، أو ما ذكرتَ ؟ أي: مِنَ الأحاديثِ رحمكَ اللهُ ، أو غَفَرَ اللهُ لكَ ، ودَعَا لَهُ . وقد روينا عَنْ يحيى بنِ أكثمَ ، قالَ [36] : نِلْتُ القضاءَ وقضاءَ القضاةِ والوزارةَ ، وكذا ، وكذا ، ما سُرِرْتُ بشيءٍ مثلَ قولِ الْمُسْتَمْلِي: مَنْ ذكرتَ رحمكَ اللهُ .

قالَ الخطيبُ [37] : وإذا انتهى الْمُسْتَمْلِي في الإسنادِ إلى ذكر النبيِّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) استُحِبَّ لَهُ الصلاةُ عليهِ رافعًا صوتَهُ بذلكَ ، وهكذا يفعلُ في كُلِّ حديثٍ عادَ فيه ذكرُ النبيِّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) .

قالَ [38] : وإذا انتهى إلى ذِكْرِ بعضِ الصحابةِ ، قالَ: رِضْوانُ اللهِ عليهمْ ، أو رَضِيَ اللهُ عنهُ . انتهى.

وكذلكَ الترضّي والتَّرَحُّمُ عن الأئِمَّةِ، فقد رَوَى الخطيبُ أنَّ الربيعَ بنَ سليمانَ قالَ القارئُ يومًا [39] : حَدَّثَكُم الشَّافِعيُّ ، فغلط القارئُ فلَمْ يَقُلْ: (رضيَ اللهُ عنهُ) ، فقالَ الربيعُ: ولا حرفَ حتى يُقالَ: (رضيَ اللهُ عنهُ) .اهـ

(1) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 9 / ص 46) (26945) صحيح

(2) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (786)

(3) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (708 )

(4) - سير أعلام النبلاء (10/231)

(5) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 179)

(6) - سير أعلام النبلاء (11/432)

(7) - ص 271

(8) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 33)

(9) - فتح الباري لابن حجر - (ج 19 / ص 254)

(10) - المدخل إلى السنن الكبرى (520 ) بلفظه وفي الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1838 ) عن ابن عباس: « قال كان يقول: يا سعيد اخرج بنا إلى النخل ويقول: يا سعيد حدث قلت: أحدث وأنت شاهد ؟ قال: إن أخطأت فتحت عليك » وهو صحيح

(11) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 34)

(12) - شرح النووي على مسلم - (ج 1 / ص 144)

(13) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 178)

(14) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (777)

(15) - مصنف عبد الرزاق (20476) وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (859)

(16) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (777)

(17) - منهج النقد في علوم الحديث - دار الفكر - (ج 1 / ص 196)

(18) - انظر المحدث الفاصل: 354. والالماع: 204-209.

(19) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1933)

(20) - انظر فتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 2 / ص 177) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 32) وشرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 178)

(21) - علوم الحديث 213. وقد حدد الرامهرمزي في المحدث الفاصل ق43آ الأهلية بسن الخمسين وناقشه في ذلك القاضي عياض نقاشا قيما في الإلماع: 200-204 فانظرها.

(22) - التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 17) وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 207) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 34)

(23) - المدخل إلى السنن الكبرى (569)

(24) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 53)

(25) - المدخل إلى السنن الكبرى (572 ) و سير أعلام النبلاء [ (5/274)

(26) - المدخل إلى السنن الكبرى (571 )

(27) - المدخل إلى السنن الكبرى (570 ) وفيه انقطاع

(28) - المدخل إلى السنن الكبرى (573 )

(29) - المدخل إلى السنن الكبرى (574)

(30) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 53) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 388) وشرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 179)

(31) - مسند ابن الجعد (475 ) صحيح

(32) - الأدب المفرد للبخاري (1347 ) صحيح

(33) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 53)

(34) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 180)

(35) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1217)

(36) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1225)

(37) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي - (ج 4 / ص 19) وأدب الإملاء والاستملاء - (ج 1 / ص 78)

(38) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1319) وأدب الإملاء والاستملاء - (ج 1 / ص 79)

(39) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي ( 1328)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت