فهرس الكتاب

الصفحة 410 من 522

"قَوْله: ( وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيل وَلَا حَرَج ) أَيْ لَا ضِيق عَلَيْكُمْ فِي الْحَدِيث عَنْهُمْ لِأَنَّهُ كَانَ تَقَدَّمَ مِنْهُ - صلى الله عليه وسلم - الزَّجْر عَنْ الْأَخْذ عَنْهُمْ وَالنَّظَر فِي كُتُبهمْ ثُمَّ حَصَلَ التَّوَسُّع فِي ذَلِكَ ، وَكَأَنَّ النَّهْي وَقَعَ قَبْل اِسْتِقْرَار الْأَحْكَام الْإِسْلَامِيَّة وَالْقَوَاعِد الدِّينِيَّة خَشْيَة الْفِتْنَة ، ثُمَّ لَمَّا زَالَ الْمَحْذُور وَقَعَ الْإِذْن فِي ذَلِكَ لِمَا فِي سَمَاع الْأَخْبَار الَّتِي كَانَتْ فِي زَمَانهمْ مِنْ الِاعْتِبَار ، وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْله"لَا حَرَج": لَا تَضِيق صُدُوركُمْ بِمَا تَسْمَعُونَهُ عَنْهُمْ مِنْ الْأَعَاجِيب فَإِنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُمْ كَثِيرًا ، وَقِيلَ: لَا حَرَج فِي أَنَّ لَا تُحَدِّثُوا عَنْهُمْ لِأَنَّ قَوْله أَوَّلًا:"حَدِّثُوا"صِيغَة أَمْر تَقْتَضِي الْوُجُوب فَأَشَارَ إِلَى عَدَم الْوُجُوب وَأَنَّ الْأَمْر فِيهِ لِلْإِبَاحَةِ بِقَوْلِهِ:"وَلَا حَرَج"أَيْ فِي تَرْك التَّحْدِيث عَنْهُمْ . وَقِيلَ: الْمُرَاد رَفْع الْحَرَج عَنْ حَاكِي ذَلِكَ لِمَا فِي أَخْبَارهمْ مِنْ الْأَلْفَاظ الشَّنِيعَة نَحْو قَوْلهمْ ( اِذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّك فَقَاتِلَا ) وَقَوْلهمْ: ( اِجْعَلْ لَنَا إِلَهًا ) وَقِيلَ: الْمُرَاد بِبَنِي إِسْرَائِيل أَوْلَاد إِسْرَائِيل نَفْسه وَهُمْ أَوْلَاد يَعْقُوب ، وَالْمُرَاد حَدِّثُوا عَنْهُمْ بِقِصَّتِهِمْ مَعَ أَخِيهِمْ يُوسُف ، وَهَذَا أَبْعَد الْأَوْجُه . وَقَالَ مَالِك الْمُرَاد جَوَاز التَّحَدُّث عَنْهُمْ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْر حَسَن ، أَمَّا مَا عُلِمَ كَذِبه فَلَا . وَقِيلَ: الْمَعْنَى حَدِّثُوا عَنْهُمْ بِمِثْلِ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآن وَالْحَدِيث الصَّحِيح . وَقِيلَ: الْمُرَاد جَوَاز التَّحَدُّث عَنْهُمْ بِأَيِّ صُورَة وَقَعَتْ مِنْ اِنْقِطَاع أَوْ بَلَاغ لِتَعَذُّرِ الِاتِّصَال فِي التَّحَدُّث عَنْهُمْ ، بِخِلَافِ الْأَحْكَام الْإِسْلَامِيَّة فَإِنَّ الْأَصْل فِي التَّحَدُّث بِهَا الِاتِّصَال ، وَلَا يَتَعَذَّر ذَلِكَ لِقُرْبِ الْعَهْد . وَقَالَ الشَّافِعِيّ: مِنْ الْمَعْلُوم أَنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لَا يُجِيز التَّحَدُّث بِالْكَذِبِ ، فَالْمَعْنَى حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيل بِمَا لَا تَعْلَمُونَ كَذِبه ، وَأَمَّا مَا تُجَوِّزُونَهُ فَلَا حَرَج عَلَيْكُمْ فِي التَّحَدُّث بِهِ عَنْهُمْ وَهُوَ نَظِير قَوْله:"إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْل الْكِتَاب فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ"وَلَمْ يَرِدْ الْإِذْن وَلَا الْمَنْع مِنْ التَّحَدُّث بِمَا يُقْطَع بِصِدْقِهِ ."اهـ

وقالَ الخطيبُ: وعن صحابَتهِ ، وعن العلماءِ ، فإنَّ روايَتهُ تجوزُ .

(( وَلْيَتَجَنَّبْ ما شَجَرَ بينَ الصَّحابةِ ) ) [1] ، فعَنْ ثَوْبَانَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا ، وَإِذَا ذُكِرَتِ النُّجُومُ فَأَمْسِكُوا ، وَإِذَا ذُكِرَ الْقَدَرُ فَأَمْسِكُوا. [2]

وجرتْ عادةُ غيرِ واحدٍ مِنَ الأَئَمَّةِ أنْ يختِم مجالسَ الإملاءِ بشيءٍ من الحكاياتِ والنوادرِ والإنشاداتِ بأسانيدِها . قالَ ابنُ الصلاحِ: وذلكَ حَسَنٌ . وقدْ بَوَّبَ لهُ الخطيبُ في"الجامعِ"، واستَدَلَّ لهُ بما رَوَى بإسنادِهِ إلى عليٍّ (رضيَ اللهُ عنهُ) قالَ: رَوِّحُوا القُلُوبَ ، وابْتَغُوا لها طُرَفَ الحِكْمَةِ ، فإنها تمل كما تمل الأبدان. [3]

وعَنْ قَسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ ، قَالَ: رَوِّحُوا الْقُلُوبَ تَعِ الذِّكْرَ. [4]

وعن ابن شهاب ، أنه كان يقول: « روحوا القلوب ساعة وساعة » [5]

وعن الزُّهْرِيِّ: أَنَّهُ كانَ يقولُ لأصحابهِ: هاتُوا من أَشْعَارِكُم ، هاتُوا من حديثِكُمُ ، فإنَّ الأُذُنَ مَجَّةٌ والقلبُ حَمِضٌ . [6]

وعن سليمان بن حرب ، قال: كنا عند حماد بن زيد يحدثنا بأحاديث كثيرة ثم قال لنا: « خذوا في أبراز الجنة، فحدثنا بالحكايات » [7]

وعَن عِكْرِمَةَ ، قَالَ: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَنَحْنُ مُنْطَلِقُونَ إلَى عَرَفَاتٍ ، فَكُنْت أُنْشِدُهُ الشِّعْرَ ، وَيَفْتَحُهُ عَلَيَّ. [8]

وعَن مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: خَرَجْت مَعَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ إلَى الْكُوفَةِ ، فَكَانَ لاَ يَأْتِي عَلَيْهِ يَوْمٌ إلاَّ أَنْشَدَنَا فِيهِ الشِّعْرَ. [9]

وعَن كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ ، قَالَ: كَانَ أخِرُ مَجْلِسٍ جَلَسْنَا فِيهِ مَعَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مَجْلِسًا تَنَاشَدْنَا فِيهِ الشِّعْرَ. [10]

قالَ الخطيبُ [11] : وِإنْ لم يكنِ الراوي من أهلِ المعرفةِ بالحديثِ ، وعِلَلِهِ ، واختلافِ وجوهِهِ ، وطرقِهِ ، وغيْرِ ذلكَ من أنواعِ علومِهِ ، فينبغي لهُ أنْ يَستعينَ ببعضِ حُفَّاظِ وقتهِ في تخريجِ الأحاديثِ التي يُريدُ إملاءَ ها قبلَ يومِ مجلسِهِ . فقدْ كانَ جماعةٌ من شيوخِنَا يفعلونَ ذلكَ منهم: أبو الحسينِ بنُ بِشْرَانَ والقاضي أبو عمرَ الهاشميُّ ، وأبو القاسمِ السَّرَّاجُ ، وغيرُهم .

قالَ ابنُ الصلاحِ [12] : (( وإذا نَجِزَ الإملاءُ فلا غنًى عن مقابلتِهِ ، وإتقانِهِ ، وإصلاحِ ما فسدَ منهُ بزيغِ القلمِ ، وطُغيانِهِ ) ).

هكذا قالَ ابنُ الصلاح هنا ، أنَّهُ لا غنًى عن مقابلةِ الإملاءِ ، وقد تقدَّمَ في كلامِهِ التَّرْخِيصُ في الروايةِ من الأصلِ غيرِ المُقَابلِ بشروطٍ ثلاثةٍ ، ولم يذكرْ ذلكَ هنا ، فيحتملُ أنْ يُحملَ هذا على مَا تقدَّمَ ، ويُحتملُ أنْ يُفَرِّقَ بينَ النُّسَخِ مِنْ أصْلِ السَّمَاعِ ، والنسخِ مِنْ إملاءِ الشَّيْخِ حِفظًا ؛ لأنَّ الحِفْظَ يخونُ. ولكنَّ المقابلَةَ للإملاءِ، إنَّما هيَ مَعَ الشَّيْخِ أيضًا مِنْ حفظِهِ، لا على أُصُولِهِ، وليسَ في كلامِ الخطيبِ هنا اشتراطُ مقابَلةِ الإملاءِ ، وإنما تَرْجَمَ عليهِ بقولهِ: المعارضةُ بالمجلسِ المكتوبِ وإِتقانهِ ، وإصلاحِ ما أفسدَ منهُ زيغُ القلمِ ، وطغيانُهُ ، وعَنْ زَيْدِ بن ثَابِتٍ ، قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ الْوَحْيَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَكَانَ يَشْتَدُّ نَفَسَهُ ويَعْرَقُ عَرَقًا شَدِيدًا مِثْلَ الْجُمَانِ ، ثُمَّ يُسَرَّى عَنْهُ ، فَأَكْتُبُ وَهُوَ يُمْلِي عَلَيَّ ، فَمَا أَفْرَغُ حَتَّى يَثْقُلَ ، فَإِذَا فَرَغْتُ ، قَالَ: اقْرَأْ ، فَأَقْرَأَهُ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ سَقْطٌ أَقَامَهُ [13] . اهـ

ويَنْبغي أن لا يُملي في الأسْبُوع إلاَّ يومًا واحدًا, لحديث البخارى (6411 ) حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِى شَقِيقٌ قَالَ كُنَّا نَنْتَظِرُ عَبْدَ اللَّهِ إِذْ جَاءَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَقُلْنَا أَلاَ تَجْلِسُ قَالَ لاَ وَلَكِنْ أَدْخُلُ فَأُخْرِجُ إِلَيْكُمْ صَاحِبَكُمْ ، وَإِلاَّ جِئْتُ أَنَا ،فَجَلَسْتُ فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ وَهْوَ آخِذٌ بِيَدِهِ فَقَامَ عَلَيْنَا فَقَالَ أَمَا إِنِّى أَخْبَرُ بِمَكَانِكُمْ ، وَلَكِنَّهُ يَمْنَعُنِى مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِى الأَيَّامِ ، كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا .

وفي صحيح مسلم (7305) عَنْ شَقِيقٍ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ بَابِ عَبْدِ اللَّهِ نَنْتَظِرُهُ فَمَرَّ بِنَا يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ النَّخَعِىُّ فَقُلْنَا أَعْلِمْهُ بِمَكَانِنَا . فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ إِنِّى أُخْبَرُ بِمَكَانِكُمْ فَمَا يَمْنَعُنِى أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ إِلاَّ كَرَاهِيَةُ أَنْ أُمِلَّكُمْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِى الأَيَّامِ مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا.

وفي رواية (7307 ) عَنْ شَقِيقٍ أَبِى وَائِلٍ قَالَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُنَا كُلَّ يَوْمِ خَمِيسٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّا نُحِبُّ حَدِيثَكَ وَنَشْتَهِيهِ وَلَوَدِدْنَا أَنَّكَ حَدَّثْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ. فَقَالَ مَا يَمْنَعُنِى أَنْ أُحَدِّثَكُمْ إِلاَّ كَرَاهِيَةُ أَنْ أُمِلَّكُمْ. إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِى الأَيَّامِ كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. [14]

وفي صحيح البخارى (6337 ) عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدِّثِ النَّاسَ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّةً ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَمَرَّتَيْنِ ، فَإِنَّ أَكْثَرْتَ فَثَلاَثَ مِرَارٍ وَلاَ تُمِلَّ النَّاسَ هَذَا الْقُرْآنَ ، وَلاَ أُلْفِيَنَّكَ تَأْتِى الْقَوْمَ وَهُمْ فِى حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ فَتَقُصُّ عَلَيْهِمْ ، فَتَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ فَتُمِلُّهُمْ ، وَلَكِنْ أَنْصِتْ ، فَإِذَا أَمَرُوكَ فَحَدِّثْهُمْ وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ ، فَانْظُرِ السَّجْعَ مِنَ الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ [15] ، فَإِنِّى عَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابَهُ لاَ يَفْعَلُونَ إِلاَّ ذَلِكَ . يَعْنِى لاَ يَفْعَلُونَ إِلاَّ ذَلِكَ الاِجْتِنَابَ .

وعن ابن أبي مليكة ، أن عبيد بن عمير ، دخل على عائشة فقالت: « من هذا ؟ » ، فقال: عبيد بن عمير ، فقالت: « عمير بن قتادة ؟ » ، فقال: نعم ، قالت: « ألم أحدث أنك تجلس ويجلس إليك ؟ » ، قال: بلى يا أم المؤمنين ، قالت: « فإياك وإهلاك الناس وتقنيطهم » [16]

وعن ابن أبي مليكة ، أن عبيد بن عمير ، دخل على عائشة فقالت: من هذا ؟ فقالوا: عبيد بن عمير فقالت: أعمير بن قتادة ؟ قالوا: نعم قالت: « ألم أحدث أنك تجلس ويجلس إليك قال: بلى قالت: فإياك وإملال الناس وتقنيطهم » [17]

4-ما هي السِّنُّ التي ينبغي للمحدث أن يتصدى للتحديث فيها ؟ [18]

الأداء لا زمن له معين بل حسب الحاجة فإذا رأى الحاجة أدى وإذا لم ير حاجة وهناك من يؤدي عنه فالحمد لله ، فيؤدي عند الحاجة إليه فإذا كان في مكان قد أدى عنه غيره فلا يجب عليه ولكن إذا أدى زيادة فهو من باب الفضل والخير ومن باب التعاون على الخير .

قال العراقي:"قالَ الخطيبُ في كتابِ"الجامع" [19] : فإن احتيجَ إليهِ في روايةِ الحديثِ قبل أنْ يعلوا سنُّهُ فيجبُ عليهِ أَنْ يُحدِّثَ ، ولا يمتنعَ ؛ لأنَّ نشرَ العلمِ عندَ الحاجةِ إليهِ لازمٌ ، والممتنعُ مِن ذلكَ عاصٍ آثمٌ ."

وقالَ ابنُ الصلاحِ [20] : والذي نقولُهُ أنهُ متى احتيجَ إِلَى ما عندَهُ استحبَّ لَهُ التَّصَدِّي لروايتهِ ، ونشرِهِ في أيِّ سنٍّ كانَ .

وروينا عن أبي محمدَ بنِ خَلاَّدٍ الرَّامَهُرْمُزِيُّ في كتابهِ"المحدِّث الفاصل" [21] ، قالَ: الَّذِي يصحُّ عندي من طريقِ الأَثرِ والنَّظَرِ في الحدِّ الَّذِي إذا بَلَغَهُ الناقلُ حَسُنَ بهِ أنْ يُحدِّثَ ؛ هو أنْ يستوفيَ الخمسيْنَ؛لأنَّها انتهاءُ الكهولةِ،وفيها مجتمعُ الأَشُدِّ. قالَ: (( وليسَ بمستَنْكَرٍ أنْ يُحَدِّثَ عندَ استيفاءِ الأربعينَ؛ لأَنَّهَا حَدُّ الاستواءِ ، ومنتهى الكمَالِ، نُبِّيءَ رَسولُ اللهِ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، وهو ابنُ أربعينَ ، وفي الأربعينَ تتناهى عزيمةُ الإنسانِ وقَّوتُهُ ويتوفرُ عقلُهُ ويجودُ رأيُهُ )).

وتعقَّبَهُ القاضي عياضٌ في كتابِ"الإلماع"، فقالَ: واستحسانُهُ هذا لا تقومُ لهُ حُجَّةٌ بما قالَ، وكمْ مِنَ السلفِ المتقدِّمِيْنَ ، ومَنْ بعدَهُمْ مِنَ الْمُحَدِّثِيْنَ مَنْ لم ينتِهِ إلى هذا السنِّ، ولا استوفى هذا العمرَ ، وماتَ قبلَهُ ، وقد نَشَرَ مِنَ العلمِ ، والحديثِ ما لا يُحصَى .

فهذا عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ تُوُفِّيَ ولم يُكْمِلِ الأربعينَ ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ لم يبلغِ الخَمْسِيْنَ . وكذلكَ إبراهيمُ النَّخَعِيُّ . وهذا مالكُ بنُ أنسٍ قد جلسَ للناسِ ابنَ نَيَّفٍ وعشرينَ سنةً ، وقيلَ: ابنُ سبعَ عشرةَ سنةً ، والناسُ متوافرونَ، وشيوخُهُ أحياءٌ: ربيعةُ وابنُ شهابٍ وابنُ هُرْمُزٍ ونافعٌ ومحمدُ بنُ الْمُنْكَدِرِ ، وغيرُهم .

وقد سمعَ منهُ ابنُ شهابٍ حديثَ الفُرَيْعةِ . ثُمَّ قالَ: وكذلكَ محمدُ بنُ إدريسَ الشافعيُّ قد أُخِذَ عنهُ العلمُ في سنِّ الحداثةِ وانتصبَ لذلكَ في آخرينَ من الأئِمَّةِ المتقدِّمِيْنَ والمتأخِّرِيْنَ . انتهى كلامُ القاضي عياضٍ .

وقد روينا عن محمدِ بنِ بشارٍ بُنْدَارٍ ، أنَّهُ حَدَّثَ وهو ابنُ ثماني عشرةَ سنةً . وروينا عن أبي بكرٍ الأعْيَنِ ، قالَ: كتَبْنَا عن محمّدِ بنِ إسماعيلَ البخاريِّ على بابِ محمدِ بنِ يُوْسُفَ الفِرْيَابِيِّ،وما في وَجْهِهِ من شَعْرَةٍ.

وروينا عن الخطيبِ قال [22] َ: وقد حَدَّثْتُ أنَا وَلِيَ عشرونَ سنةً،كَتَبَ عَنِّي شيخُنا أبو القاسمِ الأزهريُّ أشياءَ في سنةِ اثنتي عَشْرَةَ وأربعمائةٍ.انتهى.

وقد حَدَّثَ شيخُنُا الحافظُ أبو العباسِ أحمدُ بنُ مُظَفَّرٍ ، وسنُّهُ ثماني عَشْرَةَ سنةً ، سمعَ منهُ الحافظُ أبو عبدِ اللهِ الذهبيُّ سنةَ ثلاثٍ وتسعينَ وستمائةٍ ، وحَدَّثَ عنهُ في"مُعْجَمِهِ"بحديثٍ من"الأفرادِ"للدَّارقطنيِّ ، وقالَ عقِبَهُ: أملاهُ عليَّ ابنُ مُظَفَّرٍ ، وهو أمردُ .

وقد حدَّثَ شيخُنا أبو الثناءِ محمودُ بنُ خليفةَ المنبجيُّ ولهُ عشرونَ سنةً ، سمعَ منهُ شيخُنا العلاَّمةُ شيخُ الإسلامِ تقيُّ الدينِ السُّبْكيُّ أحاديثَ من"فضائلِ القرآنِ"، لأبي عُبيدٍ .

قلتُ: وقدْ سَمِعَ مِنِّي صاحبُنا العلاَّمَةُ أبو محمودٍ محمدُ بنُ إبراهيمَ المقدسيُّ ، وَلِيَ عشرونَ سنةً ، سنةَ خمسٍ وأربعينَ ، وقد سَمِعَ على شيخِنَا الحافظِ عمادِ الدِّيْنِ بنِ كثيرٍ حديثًا من"أماليِّ ابنِ سمعونَ"، ولم أُكْمِل يومَئِذٍ ثلاثينَ سنةً ، سنةَ أربعٍ وخمسينَ بدمشقَ . وهذا ونحوُهُ من روايةِ الأكابرِ عنِ الأَصاغرِ .

وقد حملَ ابنُ الصَّلاحِ كلامَ ابنِ خَلاَّدٍ على مَحْمِلٍ صَحيحٍ ، فقالَ: ما ذكرَهُ ابنُ خَلاَّدٍ غيرُ مُسْتَنْكَرٍ ، وهو محمولٌ على أنَّهُ قالَهُ فيمَنْ يَتَصَدَّى للتَّحْدِيْثِ ابتداءً من نفسِهِ من غيرِ بَرَاعَةٍ في العِلْمِ تعجَّلَتْ له قبلَ السنِّ الذي ذَكَرَهُ . فهذا إِنما ينبغي له ذلكَ بعدَ استيفاءِ السنِّ المذكورِ ، فَإنَّهُ مِظنَّةُ الاحتياجِ إلى ما عندَهُ .

قالَ: (( وأَمَّا الذينَ ذكرَهُم عياضٌ ممَّنْ حَدَّثَ قبلَ ذلكَ ، فالظاهرُ أَنَّ ذلكَ لبراعةٍ منهم في العلمِ تقَدَّمَتْ ، ظهرَ لهمُ معها الاحتياجُ إليهم فحدَّثوا قبلَ ذلكَ ، أوْ لأنَّهمَ سُئِلُوا ذلكَ ، إمَّا بصريحِ السؤالِ ، وإمَّا بقرينةِ الحالِ ) )انتهى كلامُهُ [23]

5-أشهر المصنفات فيه:

أ)"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع"للخطيب البغدادي.

ب)"جامع بيان العلم وفضله، وما ينبغي في روايته وحمله"لابن عبد البر. ، وكلاهما مطبوع ، ومنتشر بين طلبة العلم .

ـــــــــــــــ

(1) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1368) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 20)

وفي العزلة للخطابي - (ج 1 / ص 54) : قال أبو سليمان أما ما شجر بين الصحابة من الأمور وحدث في زمانهم من اختلاف الآراء فإنه باب كلما قل التسرع فيه والبحث عنه كان أولى بنا وأسلم لنا ، ومما يجب علينا أن نعتقد في أمرهم أنهم كانوا أئمة علماء قد اجتهدوا في طلب الحق وتحروا وجهته وتوخوا قصده فالمصيب منهم مأجور والمخطئ معذور وقد تعلق كل منهم بحجة وفزع إلى عذر والمقايسة عليهم والمباحثة عنهم اقتحام فيما لا يعنينا . والله تعالى يغفر لنا ولهم برحمته . وليس التهاجر منهم والتصارم بأكثر من التقاتل في الحروب والتواجه بالسيوف ولا أعجب من التباهل فيما شجر بينهم من الاختلاف والتنازع في التأويل وكل منهم في ذلك مأجور على قدر اجتهاده في طلب الحق وحسن نيته والله يغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ونسأله أن لا يجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا إنه رءوف رحيم .اهـ

(2) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 2 / ص 116) (1411) وصحيح الجامع (545) وهو صحيح لغيره

(3) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1400 ) وفيه انقطاع

(4) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 13 / ص 475) (36263) صحيح

(5) - جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (483 ) صحيح

(6) - جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (478 -481) والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1403)

(7) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1409)

(8) -ة مصنف ابن أبي شيبة (ج 8 / ص 513) ( 26559) صحيح

(9) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 8 / ص 513) ( 26560) صحيح

(10) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 8 / ص 513) ( 26561) صحيح

(11) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1271)

(12) - الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 391) وشرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 181)

(13) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 5 / ص 58) (4755) والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1417) وهو حديث حسن

(14) - يتخول: يتعاهد السآمة: الملل والضجر

(15) - قَالَ الْغَزَالِيّ: الْمَكْرُوه مِنْ السَّجْع هُوَ الْمُتَكَلَّف لِأَنَّهُ لَا يُلَائِم الضَّرَاعَة وَالذِّلَّة ، وَإِلَّا فَفِي الْأَدْعِيَة الْمَأْثُورَة كَلِمَات مُتَوَازِيَة لَكِنَّهَا غَيْر مُتَكَلَّفَة ، قَالَ الْأَزْهَرِيّ: وَإِنَّمَا كَرِهَهُ - صلى الله عليه وسلم - لِمُشَاكَلَتِهِ كَلَام الْكَهَنَة كَمَا فِي قِصَّة الْمَرْأَة مِنْ هُذَيْل .فتح الباري لابن حجر - (ج 18 / ص 107)

(16) - جامع معمر بن راشد (1170 ) صحيح

(17) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1392 ) صحيح

(18) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 32) ونزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 50) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 781) والتعليقات البازية على نزهة النظر شرح نخبة الفكر - (ج 1 / ص 37) وقفو الأثر - (ج 2 / ص 207)

(19) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (722)

(20) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 52)

(21) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (721) والمحدث الفاصل بين الراوي والواعي للرامهرمزي (237 )

(22) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (728)

(23) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 178)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت