فهرس الكتاب

الصفحة 418 من 522

وأمَّا المصافحةُ: فهوَ أنْ يعلوَ طريقَ أحدِ الكتبِ الستةِ عن المساواةِ بدرجةٍ، فيكونُ الراوي كأنَّهُ سمعَ الحديثَ من البخاريِّ ، أو مسلمٍ مثلًا. أي: وحيثُ رجَّحَ أحدٌ من الأئِمَّةِ السِّتَّةِ براوٍ واحدٍ على الراوي الذي وقعَ لهُ ذلكَ الحديثُ ، سَمَّوْهُ مصافحةً ، بمعنى: أنَّ الراوي كأَنَّهُ لقيَ أحدَ الأئِمَّةِ السِّتَّةِ ، وصافحَهُ بذلكَ الحديثِ . ومثَّلْتُ بالكتبِ السِّتَّةِ ؛ لأنَّ الغالبَ عَلَى المخرِّجينَ استعمالُ ذلكَ بالنسبةِ إليهم فقطْ . وقدِ استعملَهُ الظاهريُّ وغيرُهُ بالنسبةِ إِلَى مسندِ أحمدَ، ولا مُشَاحَّةَ في ذلكَ. وَقَدْ وقعَ لنا غيرُ ما حديثٍ مصافحةً ، فمِنْ ذَلِكَ: الحديثُ المتقدِّمُ مثالًا للمساواةِ، فإنَّهُ مساواةٌ لشيوخِنا،مصافحةً لنا،كَمَا تقدَّمَ،واللهُ أعلمُ.

هذا القسمُ الرابعُ من أقسامِ العُلوِّ ، وهو تَقدُّمُ وفاةِ الراوي عَنْ شيخٍ ، على وفاةِ راوٍ آخَرَ عنْ ذلكَ الشيخِ .

مثالُهُ: مَنْ سمعَ"سننَ أبي داودَ"على الزكيِّ عبدِ العظيمِ ، أعلى مِمَّنْ سمعَهُ على النجيبِ الحرَّانيِّ .

ومَنْ سمعَهُ على النجيبِ ، أعلى ممَّنْ سمعَهُ على ابنِ خطيبِ المزَّةِ ، والفخرِ بنِ البخاريِّ؛ وإِنِ اشتركَ الأَربعَةُ في روايةِ الكتابِ عن شيخٍ واحدٍ ، وهو: ابنُ طَبَرْزَذ ؛ لتَقَدُّمِ وفاةِ الزكيِّ على النجيبِ ، وتَقَدُّمِ وفاةِ النجيبِ على مَنْ بَعْدَهُ .

روينا عن أبي يعلى الخليليِّ ، قال [1] َ: (( قد يكونُ الإسنادُ يعلُو على غيرِهِ بتقدُّمِ مَوْتِ راويهِ ، وإنْ كانا متساوِيَيْنِ في العدَدِ ) ).

وهذا كُلُّهُ بنسبةِ شيخٍ إلى شيخٍ . أمَّا علوُّ الإسنادِ بتقدُّمِ موتِ الشيخِ ، لا معَ التفاتِ لأمْرٍ آخرَ ، أو شيخٍ آخرَ ، فمَتى يُوصفُ بالعلوِّ ؟

روينا عَنْ ابنِ جَوْصَا ، قالَ: إسنادُ خمسينَ سنةً من موتِ الشيخِ ؛ إسنادُ عُلُوٍّ . وروينا عَنْ أبي عبدِ اللهِ بنِ مَنْدَه ، قالَ: إذا مرَّ عَلَى الإسنادِ ثلاثونَ سنةً ، فَهُوَ عالٍ .

وأَمَّا كلامُ ابنِ مَنْدَه ، فيحتملُ أنَّهُ أرادَ من حينِ السماعِ ، وهو بعيدٌ ؛ لأنَّهُ يجوزُ أنْ يكونَ َشيخُهُ إلى الآن حيًّا ، والظاهرُ أنَّهُ أرادَ إذا مضى على إسنادِ كتابٍ ، أو حديثٍ ، ثلاثونَ سنةً ، وهوَ في تِلْكَ المدَّةِ لا يقعُ أعلى من ذلكَ ، كسماعِ كتابِ البخاريِّ في سنةِ ستينَ وسبعمائةٍ مثلًا على أصحابِ أصحابِ ابنِ الزَّبيديِّ ، فإنَّهُ مضتْ عليهِ ثلاثونَ سنةً مِنْ موتِ مَنْ كانَ آخرَ مَنْ يرويه عاليًا ، وهو الحجَّارُ .

هذا القسمُ الخامسُ من أقسامِ العلوِّ، وهو تقدُّمُ السماعِ من الشيخِ

فمَنْ تقدَّمَ سماعُهُ من شيخٍ كانَ أعلى ممَّنْ سمعَ من ذلكَ الشيخِ نفسِهِ بعدَهُ.روينا عن محمدِ بنِ طاهرٍ، قالَ: من العُلُوِّ تقدُّمُ السَّماعِ . ولكنْ جعلَ ابنُ طاهرٍ ، وتبعهُ ابنُ دقيقِ العيدِ ، هذا القسمَ ، والذي قبلَهُ ، قسمًا واحدًا ، وقالَ ابنُ الصلاحِ [2] : (( إنَّ كثيرًا من هذا يدخلُ في النوعِ المذكورِ قبلَهُ ، وفيهِ ما لا يدخلُ مثلُ أنْ يسمعَ شخصانِ مِن شيخٍ واحدٍ ، وسماعُ أحدِهما من ستينَ سنةً مثلًا ، وسماعُ الآخرِ من أربعينَ سنةً ) )، قلتُ: وأهلُ الحديثِ مُجْمِعُوْنَ على أفضليةِ المتَقَدِّمِ في حَقِّ مَنِ اختلَطَ شيخُهُ ، أو خَرِفَ لِهَرَمٍ ، أو مَرَضٍ ، وهو واضحٌ .

أمَّا مَنْ لَمْ يحصلْ لهُ ذلكَ فربَّما كانَ السماعُ المتأخِّرُ أرجحَ ، بأنْ يكونَ تحديثُهُ الأولُ قبلَ أنْ يبلغَ درجةَ الإتقانِ ، والضبطِ ، ثُمَّ كانَ الشيخُ متصفًا بذلكَ في حالةِ سماعِ الراوي المتأخِّرِ السماعِ ، فلهذا مزيةٌ ، وفضلٌ على السماعِ المتقدِّمِ ، وهو أرفعُ وأعلى ، لكنَّهُ علوٌّ معنويٌّ على ما سيأتي .

فهذهِ أقسامُ العلوِّ ولَمَّا جمعَ ابنُ طاهرٍ ، وابنُ دقيقِ العيدِ ، بين قسمي تقدُّمِ السماعِ، وتقدُّمِ الوفاةِ ، وجعلاهما قسمًا واحدًا ، زادا بدلَ الساقطِ: العلوَّ إلى صاحِبَي الصحيحينِ ومصنِّفي الكُتبِ المشهورةِ.وجعلَ ابنُ طاهرٍ هذا قسمينِ:أحدُهُما:العلوُّ إلى البخاريِّ ومسلمٍ ،وأبي داودَ وأبي حاتِمٍ،وأبي زرعةَ.والآخرُ:العلوُّ إلى كتبٍ مصنَّفَةٍ لأقْوَامٍ،كابنِ أبي الدنيا،والخطَّابيِّ،وأشباهِهِما ، قالَ:ابنُ طاهرٍ: واعلمْ أنَّ كلَّ حديثٍ عَزَّ على المحدِّثِ ، ولَمْ يجدْهُ عاليًا ولابُدَّ لهُ مِنْ إيرادِهِ في تصنيفٍ،أو احتجاجٍ بِهِ ؛ فمنْ أيِّ وجهٍ أوردَهُ ، فهو عالٍ لعزَّتِهِ ، ثُمَّ مَثَّلَ ذلكَ بأَنَّ البخاريَّ روى عن أماثلِ أصحابِ مالكٍ ، ثُمَّ روَىَ حديثًا لأبي إسحاقَ الفَزَاريِّ عن مالكٍ ، لمعنى فيه فكانَ فيهِ بينَهُ وبينَ مالكٍ ثلاثةُ رجالٍ ، واللهُ أعلمُ .

4-أقسامُ النزول [3] :

وأمّا أقسامُ النزولِ ، فهي خمسةٌ أيضًا . فإنَّ كُلَّ قسمٍ من أقسامِ العلوِّ ضدَّهُ قسمٌ مِن أقسامِ النزولِ ، كما قالَ ابنُ الصلاحِ . وقالَ الحاكمُ في"علومِ الحديثِ" [4] : (( لَعَلَّ قائلًا يقولُ: النزولُ ضدُّ العلوِّ، فمَنْ عَرَفَ العلوَّ، فقدْ عَرَفَ ضِدَّهُ . قالَ الحاكمُ: وليسَ كذلكَ ، فإنَّ للنزولِ مراتبَ لا يعرفُها إلاَّ أهلُ الصنعةِ ) )، قالَ ابنُ الصلاحِ [5] : (( هذا ليسَ نفيًا لكونِ النزولِ ضدَّ العلوِّ عَلَى الوجهِ الَّذِي ذكرتُهُ ، بَلْ نفيًا لكونهِ يُعرفُ بمعرفةِ العلوِّ . قالَ: وذلكَ يليقُ بِمَا ذكرَهُ هُوَ في معرفةِ العلوِّ ، فإنَّهُ قَصَّرَ في بيانِهِ وتفصيلِهِ ، وليسَ كذلكَ ما ذكرناهُ فإنَّهُ مفصَّلٌ تفصيلًا مبيّنًا مُفْهِمًا لمراتبِ النزولِ ) ).

5-هل العلو أفضل أو النزول ؟

ثُمَّ إنَّ النزولَ حيثُ ذَمَّهُ مَنْ ذَمَّهُ ، كقولِ عليِّ بنِ المدينيِّ ، وأبي عمرٍو المستمليِّ ، فيما رويناهُ عنهما: النزولُ شُؤْمٌ [6] . وكقولِ ابنِ معينٍ فيما رويناهُ عنهُ: الحديثُ بنزولٍ كالقُرْحَةِ في الوجهِ [7] ، فهو محمولٌ على ما إذا لم يكنْ مع النزولِ ما يجبرُهُ ، كزيادَةِ الثقةِ في رجالِهِ على العالي ، أو كونِهِم أحفظَ ، أو أفقهَ ، أو كونِهِ متَّصِلًا بالسماعِ وفي العالي حضورٌ ، أو إجازةٌ ، أو مناولةٌ ، أو تساهلُ بعضِ رواتهِ في الحملِ ، ونحوُ ذلكَ ؛ فإنَّ العدولَ حينئذٍ إلى النزولِ ليسَ بمذمومٍ ، ولا مفضولٍ .

وقد روينا عن وكيعٍ قالَ [8] : الأعمشُ أحبُّ اليكم عنْ أبي وائلٍ عَنْ عبدِ اللهِ ؟ أو سفيانُ ، عن منصورٍ عن إبراهيمَ ، عن علقمةَ ، عن عبدِ اللهِ ؟ فقلنا: الأعمشُ عن أبي وائلٍ أقربُ . فقالَ: الأعمشُ شيخٌ، وأبو وائلٍ شيخٌ ، وسفيانُ ، عن منصورٍ ، عن إبراهيمَ ، عنْ علقمةَ فقيهٌ، عن فقيهٍ ، عن فقيهٍ ، عن فقيهٍ .

وروينا عن ابنِ المباركِ قالَ [9] : ليسَ جَوْدةُ الحديثِ قربَ الإسنادِ ، بلْ جَوْدةُ الحديثِ صحةُ الرجالِ.

وروينا عن السِّلفيِّ قالَ [10] : الأصلُ الأخذُ عن العلماءِ فنزولُهُم أَوْلَى من العُلُوِّ عن الجهلةِ على مذهبِ المحقِّقِينَ من النَقَلَةِ ، والنازلُ حينئذٍ هو العالي في المعنى عندَ النظرِ والتحقيقِ، كما روينا عَنْ نِظامِ الْمُلْكِ قالَ [11] : عندي أنَّ الحديثَ العالي: ما صحَّ عن رسولِ اللهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، وإنْ بلغَتْ رواتُهُ مائةً . وكما روينا عن السِّلَفيِّ من نظمهِ [12] :

لَيْسَ حُسْنُ الحَدِيْثِ قربَ رِجَالٍعِنْدَ أَربَابِ علمِهِ النَّقَّادِ

بَلْ عُلُوُّ الحَدِيْثِ عِنْد أُولِي الإِتْقَانِ وَالحِفْظِ صِحَّةُ الإِسْنَادِ

فَإِذَا مَا تَجَمَّعَا فِي حَدِيْثٍفَاغتَنِمْهُ فَذاكَ أَقْصَى المُرَادِ

قالَ ابنُ الصلاحِ [13] : (( هذا ليسَ منْ قَبيلِ العلوِّ المتعارفِ إطلاقُهُ بينَ أهلِ الحديثِ ، وإنَّما هو عُلُوٌّ مِنْ حيثُ المعنى فحسبُ ) ).

قال السخاوي [14] :"وقد فصل شيخنا تفصيلًا حسنًا، وهو أن النظر إن كان للمسند فشيوخ وإن كان للمتن فالفقهاء وإذا رجح وكيع الإِسناد الثاني مع نزوله بدرجتين لما امتاز به رواته من الفقه المنضم لمعرفة الحديث على الإِسناد الأول مع كونه صحيحًا، فكيف بغيره مما لا يصح (والصحة) بلا شك مع النزول هي (العلو) المعنوي (عند النظر) والتحقيق، والعالي عند فقد الضبط والإِتقان علو صوري، فكيف عند فقد التوثيق! وإليه أشار السلفي حيث قال: الأصل الأخذ عن العلماء فنزولهم أولى من علو الجهلة على مذهب المحققين من النقلة. والنازل حينئذ هو العالي في المعنى عند النظر والتحقيق."

قلت: وشذ بعضهم فزعم أن النزول أفضل من العلو؛"لأنه يجب على الراوي أن يجتهد في متن الحديث وتأويله، وفي الناقل وتعديله، وكلما زاد الاجتهاد زاد صاحبه ثوابا" [15] .

وهذا مذهب ضعيف، ضعيف الحجة، وما أحسن قول الحافظ العراقي2:"هذا بمثابة من يقصد المسجد لصلاة الجماعة، فيسلك طريقا بعيدة لتكثر الخطأ، وإن أداه سلوكها إلى فوات الجماعة التي هي المقصود!!". [16]

لكن المحدثين استثنوا من تفضيل العلو ما إذا كان مع النزول ما يجبره ويجعل له مزية على الإسناد العالي، كأن يوجد في النازل زيادة يرويها ثقة، أو يكون رجال الإسناد النازل أحفظ أو أفقه ، كما مرَّ قبل قليل ٍ .. [17]

6-أشهرُ المصنفات فيه:

لا توجد مصنفات خاصة في الأسانيد العالية أو النازلة بشكل عام ، لكن أفرد العلماء بالتصنيف أجزاء أطلقوا عليها اسم"الثُلاثيات"ويعنون بها الأحاديث التي فيها بين المصنِّف وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أشخاص فقط ، وفي ذلك إشارة إلى اهتمام العلماء بالأسانيد العوالي ، فمن تلك الثلاثيات .

ثلاثيات البخاري، لابن حجر.

ثلاثيات أحمد بن حنبل ، للسَّفَّاريني .

ـــــــــــــــ

(1) - الإرشاد في معرفة علماء الحديث للخليلي - (ج 1 / ص 13)

(2) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 58)

(3) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 59) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 631) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 2 / ص 430) وشرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 190) وتوجيه النظر إلى أصول الأثر - (ج 2 / ص 26)

(4) - معرفة علوم الحديث للحاكم - (ج 1 / ص 20)

(5) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 59)

(6) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (120)

(7) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (119 )

(8) - المحدث الفاصل بين الراوي والواعي للرامهرمزي (120) وتهذيب الكمال للمزي - (ج 1 / ص 166)

(9) - أدب الإملاء والاستملاء - (ج 1 / ص 71) وتهذيب الكمال للمزي - (ج 1 / ص 166)

(10) - فتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 2 / ص 268) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 71)

(11) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 59) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 2 / ص 269)

(12) - سير أعلام النبلاء (21/37) وتاريخ الإسلام للذهبي - (ج 9 / ص 60)

(13) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 59)

(14) - فتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 2 / ص 267)

(15) - كذا نقل عنهم الرامهرمزي في المحدث الفاصل ص26.

(16) - منهج النقد في علوم الحديث - دار الفكر - الرقمية - (ج 1 / ص 363)

(17) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 59) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 71)

قال وكيع لأصْحَابه: الأعمش أحب إليكُم عن وائل عن عبد الله, أم سُفيان عن منصُور عن إبْرَاهيم عن عَلْقمة عن عبد الله ؟ فقالوا: الأعمش عن أبي وائل أقرب. فقال: الأعمش شيخ, وأبو وائل شيخ, وسُفيان عن منصور عن إبْرَاهيم عن علقمة, فقيه عن فقيه عن فقيه عن فقيه.

قال ابن المُبَارك: ليسَ جَوْدة الحديث قُربُ الإسْنَاد, بل جَوْدة الحديث صحَّة الرِّجَال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت