فهرس الكتاب

الصفحة 434 من 522

وآخرُ مَنْ ماتَ منهم بالجزيرةِ: العُرْسُ بنُ عَميرةَ الكِندِيُّ، قالهُ أبو زكرياْ بنُ منده.

وآخرُ مَنْ ماتَ منهم بفلسطينَ: أبو أُبيٍّ عبدُ اللهِ بنُ أمِّ حَرَامٍ ، قالهُ أبو زكريا بنُ منده ، وهو ابنُ امرأةِ عبادةَ بنِ الصامتِ . واختُلِفَ في اسمهِ ، فقالَ ابنُ سعدٍ ، وخليفةُ ، وابنُ عبدِ البرِّ: هوَ عبدُ اللهِ بنُ عمرِو بنِ قيسٍ وقيلَ: عبدُ اللهِ بنُ أُبيٍّ ، وقيلَ: بنُ كعبٍ ، وقدِ اختلِفَ أيضًا في مكانِ وفاتهِ . فقيلَ: إنَّهُ ماتَ بدمشقَ . وذكرَ ابنُ سُميعٍ: أنَّهُ توفيَ ببيتِ المقدسِ ، قلتُ: فإنْ كانَ توفيَ بدمشقَ ، فآخرُ مَنْ ماتَ بفلسطينَ قيسُ بنُ سعدِ بنِ عبادةَ ، فقد ذكرَ أبو الشيخِ في"تاريخهِ"عن بعضِ ولدِ سعدٍ: أنَّ قيسَ بنَ سعدٍ توفيَ بفلسطينَ سنةَ خمسٍ وثمانينَ في ولايةِ عبدِ الملكِ ؛ لكنَّ المشهورَ أنَّهُ توفيَ في المدينةِ في آخرِ خلافةِ معاويةَ، قاله الهيثمُ بنُ عديٍّ ، والواقديُّ ، وخليفةُ ابنُ خياطٍ ، وغيرهم .

وآخرُ مَنْ ماتَ منهم بمصرَ: عبدُ اللهِ بنُ الحارثِ بنُ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيُّ ، قاله سفيانُ بنُ عيينةَ ، وعليُّ بنُ المدينيِّ ، وأبو زكريا بنُ منده . واختُلِفَ في سنةِ وفاتِهِ ، فالمشهورُ: سنةُ ستٍّ وثمانينَ ، وقيلَ: سنةُ خمسٍ ، وقيلَ: سبعٍ ، وقيلَ: ثمانٍ ، وقيل: تسعٍ . وذكرَ الطحاويُّ أنَّهُ ماتَ بسَفْطِ القدورِ ، وهي التي تُعرفُ اليومَ بسفطِ أبي ترابٍ ، وقدْ قيلَ: إنَّهُ ماتَ باليمامةِ ، حكاهُ أبو عبدِ اللهِ بنُ منده ، وقالَ أيضًا: إنَّهُ شهدَ بدرًا ، فعلى هذا هوَ آخرُ البدريينَ موتًا ، ولا يصحُّ شهودُهُ بدرًا ، واللهُ أعلمُ .

وآخرُ مَنْ ماتَ منهم باليمامةِ: الهِرْمَاسُ بنُ زيادٍ الباهليُّ، قالهُ أبو زكريا ابنُ منده، وذُكِرَ عن عِكْرِمَةَ بنِ عمارٍ ، قالَ: لقيتُ الهرماسَ بنَ زيادٍ سنةَ اثنتينِ ومائةٍ .

وآخرُهم موتًا بِبَرْقَةَ: رُوَيفعُ بنُ ثابتٍ الأنصاريُّ ، وقالَ أبو زكريا ابنُ منده: إنَّهُ توفيَ بإفريقيةَ ، وإنَّهُ آخرُ مَنْ ماتَ بها منَ الصحابةِ ، وقالَ أحمدُ بنُ البَرْقيِّ: توفيَ بِبَرْقةَ ، وصحَّحهُ المِزِّيُّ ، وقالَ ابنُ الصلاحِ:"إنَّهُ لا يصحُّ وفاتُهُ بإفريقيةَ"، وكذا ذكرَ ابنُ يونسَ: أنَّهُ توفيَ ببرقةَ ، وهوَ أميرٌ عليها لِمَسْلَمةَ بنِ مُخَلَّدٍ سنةَ ثلاثٍ وخمسينَ ، فإنَّ قبْرَهُ معروفٌ ببرقةَ إلى اليومِ ، ووقعَ في"تهذيبِ الكمالِ"نقلًا عنِ ابنِ يونسَ: أنَّ وفاتهُ في سنةِ ستٍّ وخمسينَ . وفي مكانِ وفاتِهِ قولٌ آخرُ لمْ يحكهِ ابنُ منده ، ولا ابنُ الصلاحِ ، وهوَ أنَّهُ ماتَ بِأَنْطَابُلُسَ ، قالهُ الليثُ بنُ سعدٍ . وقيلَ: إنَّهُ ماتَ بالشامِ .

وآخرُ مَنْ ماتَ منهم بالباديةِ: سَلَمَةُ بنُ الأكوعِ ، قالهُ أبو زكريا بنُ منده ، والصحيحُ أنَهُ ماتَ بالمدينةِ ، قالهُ ابنُهُ إياسُ بنُ سلمةَ ، ويحيى بنُ بكيرٍ ، وأبو عبدِ اللهِ بنُ منده . ورجَّحهُ ابنُ الصلاحِ .

واخْتُلِفَ أيضًا في سنةِ وفاتِهِ ، فالصحيحُ: أنَّهُ توفيَ سنةَ أربعٍ وسبعينَ ، وقيلَ: سنةُ أربعٍ وستينَ .

وهذا آخرُ ما ذكرهُ ابنُ الصلاحِ من أواخرِ مَنْ ماتَ منَ الصحابةِ مقيَّدًا بالأماكنِ ، وبقيَ عليهِ مما ذكرهُ أبو زكريا بنُ منده أنَّ آخرَ مَنْ ماتَ بِخُرَاسانَ منهم: بُرَيْدَةُ بنُ الحُصَيْبِ، وأنَّ آخرَ مَنْ ماتَ منهمْ بالرُّخَّجِ منهم: العدَّاءُ بنُ خالدِ بنُ هَوْذَةَ ، والرُّخَّجُ: من أعمالِ سجستانَ .

وممَّا لمْ يذكرْهُ ابنُ الصلاحِ، ولا ابنُ منده أيضًا: أنَّ آخرَ مَنْ ماتَ منهم بأصبهانَ: النابغةُ الجعديُّ ، وقد ذكرَ وفاتَهُ بأصبهانَ أبو الشيخِ في"طبقاتِ الأصبهانيينَ"، وأبو نُعَيمٍ في"تاريخِ أصبهانَ".

وآخرُ منْ ماتَ منهم بالطائفِ: عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ .

13-أهميته وفائدته:

ومعرفة الصحابة لها فوائد مهمة في الدين والعلم. منها:

1-أنهم هداةُ البشرية بهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وهم أمثلة تطبيق الدين، سيرتهم تملأ القلوب يقينا، وتحث الهمم على الجهاد والعمل، وتلهب الحماس في النفوس.

2-معرفة الحديث المرسل وتمييزه عن المنقطع والموصول، فإذا لم نعرف الناقل للحديث أهو صحابي أو ليس بصحابي لا يمكن لنا ذلك.

14-الجيلُ القرآنيُّ الفريدُ

لقد خرَّجت هذه الدعوة جيلًا من الناس - جيل الصحابة رضوان الله عليهم - جيلًا مميزًا في تاريخ الإسلام كله وفى تاريخ البشرية جميعه . ثم لم تعد تخرج هذا الطراز مرة أخرى .. نعم وُجد أفراد من ذلك الطراز على مدار التاريخ . ولكن لم يحدث قط أن تجمَّع مثل ذلك العدد الضخم ، في مكان واحد ، كما وقع في الفترة الأولى من حياة هذه الدعوة .

هذه ظاهرة واضحة واقعة ، ذات مدلول ينبغي الوقوف أمامه طويلًا ، لعلنا نهتدي إلى سرِّه .

إن قرآن هذه الدعوة بين أيدينا ، وحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهديه العملي ، وسيرته الكريمة ، كلها بين أيدينا كذلك ، كما كانت بين أيدي ذلك الجبل الأول ، الذي لم يتكرر في التاريخ .. ولم يغب إلا شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهل هذا هو السر ؟

لو كان وجود شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتميًّا لقيام هذه الدعوة ، وإيتائها ثمراتها ، ما جعلها الله دعوة للناس كافة ، وما جعلها آخر رسالة ، وما وكَّل إليها أمر الناس في هذه الأرض ، إلى آخر الزمان ..

ولكن الله - سبحانه - تكفل بحفظ الذِّكْر ، و علم أن هذه الدعوة يمكن أن تقوم بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويمكن أن تؤتي ثمارها . فاختاره إلى جواره بعد ثلاثة وعشرين عامًا من الرسالة ، وأبقى هذا الدِّين من بعده إلى آخر الزمان .. وإذن فإن غيبة شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تفسر تلك الظاهرة ولا تعللها .

فلنبحث إذن وراء سبب آخر . لننظر في النبع الذي كان يستقي منه هذا الجيل الأول ، فلعل شيئًا قد تغير فيه . ولننظر في المنهج الذي تخرجوا عليه ، فلعل شيئًا قد تغير فيه كذلك .

كان النبع الأول الذي استقى منه ذلك الجيل هو نبع القرآن . القرآن وحده . فما كان حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهديه إلا أثرًا من آثار ذلك النبع ، فعَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ أَتَيْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرِينِى بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - . قَالَتْ كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (4) سورة القلم.. [1] .

كان القرآن وحده إذن هو النبع الذي يستقون منه ، ويتكيفون به ، ويتخرجون عليه ، ولم يكن ذلك كذلك لأنه لم يكن للبشرية يومها حضارة ، ولا ثقافة ، ولا علم ، ولا مؤلفات ، ولا دراسات .. كلا !

فقد كانت هناك حضارة الرومان وثقافتها وكتبها وقانونها الذي ما تزال أوروبا تعيش عليه ، أو على امتداده . وكانت هناك مخلفات الحضارة الإغريقية ومنطقها وفلسفتها وفنها ، وهو ما يزال ينبوع التفكير الغربي حتى اليوم . وكانت هناك حضارة الفرس وفنها وشعرها وأساطيرها وعقائدها ونظم حكمها كذلك . وحضارات أخرى قاصية ودانية: حضارة الهند وحضارة الصين إلخ . وكانت الحضارتان الرومانية والفارسية تحفان بالجزيرة العربية من شمالها ومن جنوبها ، كما كانت اليهودية والنصرانية تعيشان في قلب الجزيرة .. فلم يكن إذن عن فقر في الحضارات العالمية والثقافات العالمية يقصر ذلك الجيل على كتاب الله وحده .. في فترة تكونه .. وإنما كان ذلك عن"تصميم"مرسوم ، ونهج مقصود .

فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « لاَ تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَىْءٍ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوكُمْ وَقَدْ ضَلُّوا فَإِنَّكُمْ إِمَّا أَنْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ أَوْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مَا حَلَّ لَهُ إِلاَّ أَنْ يَتَّبِعَنِى » أخرجه أحمد [2]

وإذن فقد كان هناك قصد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقصر النبع الذي يستقي منه ذلك الجيل .. في فترة التكون الأولى .. على كتاب الله وحده ، لتخلص نفوسهم له وحده . ويستقيم عودهم على منهجه وحده . ومن ثم غضب أن رأى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يستقي من نبع آخر .

كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد صنع جيل خالص القلب . خالص العقل . خالص التصور . خالص الشعور . خالص التكوين من أي مؤثر آخر غير المنهج الإلهي ، الذي يتضمنه القرآن الكريم .

ذلك الجيل استقى إذن من ذلك النبع وحده . فكان له في التاريخ ذلك الشأن الفريد .. ثم ما الذي حدث ، اختلطت الينابيع . ! صبت في النبع الذي استقت منه الأجيال التالية فلسفة الإغريق ومنطقهم ، وأساطير الفرس وتصوراتهم ، وإسرائيليات اليهود ولاهوت النصارى ، وغير ذلك من رواسب الحضارات والثقافات . واختلط هذا كله بتفسير القرآن الكريم ، وعلم الكلام ، كما اختلط بالفقه والأصول أيضًا . وتخرج على ذلك النبع المشوب سائر الأجيال بعد ذلك الجيل ، فلم يتكرر ذلك الجيل أبدًا

وما من شك أن اختلاط النبع الأول كان عاملًا أساسيًّا من عوامل ذلك الاختلاف البيِّن بين الأجيال كلها وذلك الجيل المميز الفريد .

هناك عامل أساسي آخر غير اختلاف طبيعة النبع . ذلك هو اختلاف منهج التلقي عما كان عليه في ذلك الجيل الفريد ..

إنهم - في الجيل الأول - لم يكونوا يقرءون القرآن بقصد الثقافة والاطلاع ، ولا بقصد التذوق والمتاع . لم يكن أحدهم يتلقى القرآن ليستكثر به من زاد الثقافة لمجرد الثقافة ، ولا ليضيف إلى حصيلته من القضايا العلمية والفقهية محصولًا يملأ به جعبته . إنما كان يتلقى القرآن ليتلقى أمر الله في خاصة شأنه وشأن الجماعة التي يعيش فيها ، وشأن الحياة التي يحياها هو وجماعته ، يتلقى ذلك الأمر ليعمل به فور سماعه ، كما يتلقى الجندي في الميدان"الأمر اليومي"ليعمل به فور تلقيه ! ومن ثم لم يكن أحدهم ليستكثر منه في الجلسة الواحدة ، لأنه كان يحس أنه إنما يستكثر من واجبات وتكاليف يجعلها على عاتقه ، فكان يكتفي بعشر آيات حتى يحفظها ويعمل بها كما جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه .

هذا الشعور .. شعور التلقي للتنفيذ .. كان يفتح لهم من القرآن آفاقًا من المتاع وآفاقًا من المعرفة ، لم تكن لتفتح عليهم لو أنهم قصدوا إليه بشعور البحث والدراسة والاطلاع ، وكان ييسر لهم العمل ، ويخفف عنهم ثقل التكاليف ، ويخلط القرآن بذواتهم ، ويحوله في نفوسهم وفي حياتهم إلى منهج واقعي ، وإلى ثقافة متحركة لا تبقى داخل الأذهان ولا في بطون الصحائف ، إنما تتحول آثارًا وأحداثًا تحوِّل خط سير الحياة .

إن هذا القرآن لا يمنح كنوزه إلا لمن يُقبل عليه بهذه الروح: روح المعرفة المنشئة للعمل . إنه لم يجيء ليكون كتاب متاع عقلي ، ولا كتاب أدب وفن ، ولا كتاب قصة وتاريخ - وإن كان هذا كله من محتوياته - إنما جاء ليكون منهاح حياة . منهاجًا إلهيًّا خالصًا . وكان الله سبحانه يأخذهم بهذا المنهج مفرقًا ، يتلو بعضه بعضًا: { وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا } [ الإسراء: 106 ]

لم ينزل هذا القرآن جملة ، إنما نزل وفق الحاجات المتجددة ، ووفق النمو المطَّرِد في الأفكار والتصورات ، والنمو المُطَّرِد في المجتمع والحياة ، ووفق المشكلات العملية التي تواجهها الجماعة المسلمة في حياتها الواقعية . وكانت الآية أو الآيات تنزل في الحالة الخاصة والحادثة المعينة تحدث الناس عما في نفوسهم ، وتصوِّر لهم ما هم فيه من الأمر ، وترسم لهم منهج العمل في الموقف ، وتصحح لهم أخطاء الشعور والسلوك ، وتربطهم في هذا كله بالله ربهم ، وتعرِّفُه لهم بصفاته المؤثرة في الكون ، فيحسون حينئذ أنهم يعيشون مع الملأ الأعلى ، تحت عين الله ، في رحاب القدرة . ومن ثم يتكيفون في واقع حياتهم ، وفق ذلك المنهج الإلهي القويم .

إن منهج التلقي للتنفيذ والعمل هو الذي صنع الجيل الأول . ومنهج التلقي للدراسة والمتاع هو الذي خرَّج الأجيال التي تليه . وما من شك أن هذا العامل الثاني كان عاملًا أساسيًا كذلك في اختلاف الأجيال كلها عن ذلك الجيل المميز الفريد . ( المعالم)

15 -أشهر المصنفات في ترجم الصحابة [3] :

يقول أبو عمر يوسف بن عبد البر [4] :"وما أظن أهل دين من الأديان إلا وعلماؤهم معتنون بمعرفة أصحاب أنبيائهم لأنهم الواسطة بين النبي وبين أمته"اهـ.

ولا ريب أن المسلمين كانوا أعظم الأمم عناية بمعرفة أصحاب نبيهم، وها هي ذي المؤلفات في الصحابة تتجاوز العشرات من الكتب، نعرفك بأهمها، وهي أربعة مؤلفات قيمة أخرجتها المطابع:

1-"الاستيعاب في أسماء الأصحاب"للإمام الحافظ المحدث الفقيه أبي عمر يوسف بن عبد البر النمري المتوفى سنة 463هـ

ابْنُ عَبْدِ البَرِّ أَبُو عُمَرَ يُوْسُفُ بنُ عَبْدِ اللهِ النَّمَرِيُّ الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، حَافظُ المَغْرِبِ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، أَبُو عُمَرَ يُوْسُفُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ البَرِّ بنِ عَاصِمٍ النَّمَرِيُّ، الأَنْدَلُسِيُّ، القُرْطُبِيُّ، المَالِكِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ الفَائِقَة.

مَوْلِدُهُ:فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسِتِّيْنَ وَثَلاَثِ مائَة فِي شَهْرِ رَبِيْعٍ الآخِرِ.

وَطَلَبَ العِلْم بَعْد التِّسْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَة، وَأَدْرَكَ الكِبَار، وَطَالَ عُمُرُهُ، وَعلاَ سندُه، وَتَكَاثر عَلَيْهِ الطلبَةُ، وَجَمَعَ وَصَنَّفَ، وَوثَّق وَضَعَّف، وَسَارَتْ بتَصَانِيْفه الرُّكبَانُ، وَخَضَعَ لعلمه عُلَمَاء الزَّمَان.

قَالَ الحُمَيْدِيُّ:أَبُو عُمَرَ فَقِيْهٌ حَافظٌ مُكْثِرٌ، عَالِم بِالقِرَاءات وَبَالخلاَف، وَبعلُوْم الحَدِيْث وَالرِّجَال، قَدِيْمُ السَّمَاع، يَمِيْل فِي الفِقْه إِلَى أَقْوَال الشَّافِعِيّ.

وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الغَسَّانِيّ:لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ بِبلدنَا فِي الحَدِيْثِ مِثْلَ قَاسِم بن مُحَمَّدٍ، وَأَحْمَد بن خَالِدٍ الجَبَّاب.

ثُمَّ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَلَمْ يَكُنِ ابْنُ عبد البر بدونهمَا، وَلاَ متخلفًا عَنْهُمَا، وَكَانَ مِنَ النَّمِرِ بن قَاسِط، طلب وَتَقدَّم، وَلَزِمَ أَبَا عُمَر أَحْمَدَ بنَ عَبْدِ المَلِكِ الفَقِيْه، وَلَزِمَ أَبَا الوَلِيْدِ بن الفَرَضِي، وَدَأَب فِي طَلَبِ الحَدِيْثِ، وَافْتَنَّ بِهِ، وَبَرَعَ برَاعَة فَاقَ بِهَا مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْ رِجَال الأَنْدَلُس، وَكَانَ مَعَ تَقَدُّمِهِ فِي علم الأَثر وَبَصَرِهِ بِالفِقْه وَالمَعَانِي لَهُ بسطَةٌ كَبِيْرَةٌ فِي علم النسب وَالأَخْبَار، جلاَ عَنْ وَطَنه، فَكَانَ فِي الغَرْب مُدَّةً، ثُمَّ تَحَوَّل إِلَى شَرْقِ الأَنْدَلُس، فَسَكَنَ دَانِية، وَبَلَنْسِية، وَشَاطِبَة، وَبِهَا تُوُفِّيَ.

قُلْتُ: كَانَ إِمَامًا ديِّنًا، ثِقَة، مُتْقِنًا، علاَمَة، مُتَبَحِّرًا، صَاحِبَ سُنَّةٍ وَاتِّبَاع، وَكَانَ أَوَّلًا أَثرِيًا ظَاهِرِيًا فِيْمَا قِيْلَ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مَالِكيًّا مَعَ مَيْلٍ بَيِّنٍ إِلَى فَقه الشَّافِعِيّ فِي مَسَائِل، وَلاَ يُنكر لَهُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مِمَّنْ بلغَ رُتْبَة الأَئِمَّة المُجْتَهِدين، وَمَنْ نَظَرَ فِي مُصَنَّفَاتِهِ، بانَ لَهُ مَنْزِلَتُهُ مِنْ سعَة العِلْم، وَقُوَّة الفَهم، وَسَيَلاَن الذّهن، وَكُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذ مِنْ قَوْله وَيُتْركُ إِلاَّ رَسُوْل اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلَكِن إِذَا أَخْطَأَ إِمَامٌ فِي اجْتِهَادِهِ، لاَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ ننسَى مَحَاسِنهُ، وَنُغطِي معَارِفه، بَلْ نستغفرُ لَهُ، وَنَعْتَذِرُ عَنْهُ.

قَالَ أَبُو عَلِيٍّ بنُ سُكَّرَة:سَمِعْتُ أَبَا الوَلِيْدِ البَاجِي يَقُوْلُ:لَمْ يَكُنْ بِالأَنْدَلُسِ مِثْل أَبِي عُمَرَ بنِ عَبْدِ البر فِي الحَدِيْثِ، وَهُوَ أَحْفَظُ أَهْلِ المَغْرِب.

وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الغَسَّانِيّ:أَلَّف أَبُو عُمَرَ فِي (المُوَطَّأِ) كتبًا مُفِيْدَة مِنْهَا:كِتَاب (التّمهيد لمَا فِي المُوَطَّأِ مِنَ المَعَانِي وَالأَسَانِيْد) فَرتَّبَهُ عَلَى أَسْمَاء شُيُوْخ مَالِك، عَلَى حروف المُعْجَم، وَهُوَ كِتَابٌ لَمْ يَتَقَدَّمه أَحَدٌ إِلَى مِثْلِهِ، وَهُوَ سَبْعُوْنَ جُزْءًا.

قُلْتُ:هِيَ أَجزَاء ضَخْمَة جِدًّا.

قَالَ ابْنُ حَزْمٍ:لاَ أَعْلَمُ فِي الكَلاَم عَلَى فِقه الحَدِيْث مِثْلَه فَكَيْفَ أَحْسَن مِنْهُ؟

ثُمَّ صَنَعَ كِتَاب (الاسْتذكَار لمَذْهَب عُلَمَاء الأَمصَار فِيمَا تَضَمَّنَهُ المُوَطَّأ مِنْ معَانِي الرَّأْي وَالآثَار) شرح فِيْهِ (المُوَطَّأ) عَلَى وَجهه، وَجَمَعَ كِتَابًا جَلِيْلًا مُفِيْدًا وَهُوَ (الاسْتيعَاب فِي أَسْمَاء الصَّحَابَة) ، وَلَهُ كِتَاب (جَامِع بيَان العِلْم وَفضله، وَمَا يَنْبَغِي فِي رِوَايَته وَحمله) وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ تَوَالِيفه.

وَكَانَ مُوَفَّقًا فِي التَأْلِيف، مُعَانًا عَلَيْهِ، وَنَفَع الله بتوَالِيفه، وَكَانَ مَعَ تَقَدُّمِهِ فِي علم الأَثر وَبَصَرِهِ بِالفِقْه وَمعَانِي الحَدِيْث لَهُ بَسْطَةٌ كَبِيْرَة فِي علم النسب وَالخَبَر.

قَالَ أَبُو دَاوُدَ المُقْرِئ:مَاتَ أَبُو عُمَرَ لَيْلَة الجُمُعَة سلخ ربيع الآخر، سَنَةَ ثَلاَثٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة، وَاسْتكمل خَمْسًا وَتِسْعِيْنَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَيَّام - رَحِمَهُ اللهُ - .

قُلْتُ:كَانَ حَافظَ المَغْرِب فِي زَمَانِهِ.

قُلْتُ:وَكَانَ فِي أُصُوْل الدّيَانَة عَلَى مَذْهَب السَّلَف، لَمْ يَدْخُلْ فِي علم الكَلاَم، بَلْ قفَا آثَارَ مَشَايِخه رَحِمَهُمُ الله. اهـ [5] .

قصد فيه إلى جمع ما تفرق في كتب الصحابة المدونة من قبله ذكر منها في مقدمته خمسة عشر مرجعا، وأشار إلى مراجع أخرى كثيرة لم يذكرها [6] ، واقتصر في جمعه"ذلك على النكت التي هي البغية من المعرفة بهم". فلذلك سمَّى كتابه"الاستيعاب"ورتبه على حروف المعجم.

لكن انتقد عليه أنه فاته جمع من الصحابة كثير، فإن غاية ما جمعه يبلغ ثلاثة آلاف وخمسمائة.

وأنه كما قال ابن الصلاح شانه بذكر ما شجر بين الصحابة، وحكاياته فيه عن الأخباريين لا المحدثين. والمحدثون لا يرتاحون إلى هؤلاء الأخباريين، لأن الغالب عليهم الإكثار والتخليط فيما يروونه.

2-كتاب"أسد الغابة في معرفة الصحابة"، للإمام المحدث الحافظ عز الدين علي بن محمد الجزري المعروف بابن الأثير المتوفى سنة 630هـ.

جمع في كتابه هذا بين الكتب التي هي غاية ما انتهى إليه الجمع في الصحابة حتى عهده، فاجتمع له من الصحابة /7500/ . وعني بترتيبه على الأحرف ترتيبا أدق من كتاب الاستيعاب [7] ، فجاء كتابا عظيما حافلا. قال الحافظ ابن حجر [8] :"إلا أنه تبع من قبله، فخلط من ليس صحابيا بهم، وأغفل كثيرا من التنبيه على كثير من الأوهام الواقعة في كتبهم".

3-كتاب"الإصابة في تمييز الصحابة"للإمام الحافظ البحر الحجة أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852هـ.

وهو أشمل وأوسع كتاب في تمييز الصحابة عن غيرهم ، وقد قسمه لأربع طبقات:

الأولى: فيمن وردت صحبته بطريق الرواية عنه ، أو عن غيره سواء كانت الطريق صحيحة أو حسنة أو ضعيفة ، أو وقع ذكره بما يدل على الصحبة بأي طريق كان ، وقد زاد فيها كل من وقف على صحبته ، ورمز لها في نهاية الترجمة بـ (ز) .

والثانية: ذكر فيها صغار الصحابة من الأطفال الذين ولدوا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ومات قبل بلوغهم سن التمييز أو التحمل .

الثالثة: المخضرمون الذين أسلموا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكنهم لم يروه.

الرابعة: فيمن ذكر في الكتب السابقة على سبيل الوهم والغلط وبيان ذلك الغلط ، ولم يسبق لهذا القسم .

وذكر أثناء التراجم بعضًا من الأحاديث للراوي وقد تبلغ ألفي حديث فبعضها بين درجته ، وبعضها ذكره دون سند وسكت عليه فهذا إما صحيح أو حسن ، وأخرى ذكر سندها وسكت عليها في كثير من الأحيان فهذه أحاديث غالبها معلّ وبعضها مقبول . والكتاب له طبعات متعددة وهو بحاجة لتحقيق وتخريج لكامل أحاديثه .

4-كتاب"حياة الصحابة"للعلامة الداعية المحدث الشيخ محمد يوسف الكاندهلوي -الهندي المتوفى سنة 1383 هـ تغمده الله برحمته.

وهو كتاب بديع جدا في هذا الفن، تناول فيه سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة رضي الله عنهم من حيث كونهم أمثلة عليا في تطبيق هذا الدين، ومن حيث كونهم قدوة تحتذى في العلم والعمل والتقى والورع، فجمع فيه أخبارهم مرتبة على الأبواب لا الأسماء. مثل:"باب تحمل الشدائد في الله"،"باب الهجرة"،"باب الجهاد"وهكذا...والكتاب بهذا عدة هامة، وسلاح ماض للداعية لا يستغنى عنه

ـــــــــــــــ

(1) - مسند أحمد (25338) صحيح

(2) - برقم (15006) وهو حديث حسن

(3) - منهج النقد في علوم الحديث - دار الفكر - الرقمية - (ج 1 / ص 126)

(4) - الاستيعاب: 1: 8-9.

(5) - سير أعلام النبلاء (18/153-163) 85

(6) - الاستيعاب: 1: 9-10

(7) - انظر تقدمة أسد الغابة 305.

(8) - الإصابة: ج1ص4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت