وفي معرفة السنن والآثار (3439) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبُو بَكْرٍ ، وَأَبُو زَكَرِيَّا ، وَأَبُو سَعِيدٍ ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ ، أَنَّ زَيْدًا أَبَا عَيَّاشٍ أَخْبَرَهُ ، أَنَّهُ سَأَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ الْبَيْضَاءِ بِالسُّلْتِ ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: أَيَّتُهُمَا أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ: الْبَيْضَاءُ ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ ، وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، يُسْأَلُ عَنْ شِرَاءِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ ؟"، قَالُوا: نَعَمْ ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ"."
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: رَأْيُ سَعْدٍ نَفْسُهُ أَنَّهُ كَرِهَ الْبَيْضَاءَ بِالسُّلْتِ ، فَإِنْ كَانَ كَرِهَهَا نَسِيئَةً فَذَلِكَ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَبِهِ نَأْخُذُ ، وَلَعَلَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ كَرِهَهَا لِذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ كَرِهَهَا مُتَفَاضِلَةً فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ أَجَازَ الْبُرَّ بِالشَّعِيرِ مُتَفَاضِلًا ، وَلَيْسَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - حُجَّةٌ، قَالَ: وَفِي حَدِيثِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - دَلَائِلُ مِنْهَا: أَنَّهُ سَأَلَ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالرُّطَبِ عَنْ نُقْصَانِهِ ، فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ إِذَا حَضَرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَهُمُ عَنْهُ ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - نَظَرَ فِي تَنْقِيصِ الرُّطَبِ ، فَلَمَّا كَانَ يَنْقُصُ لَمْ يُجِزْ بَيْعَهُ بِالتَّمْرِ ، وَقَدْ حَرَّمَ أَنْ يَكُونَ التَّمْرُ بِالتَّمْرِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَكَذَلِكَ دَلَّتْ أَنْ لَا يَجُوزَ رُطَبٌ بِرُطَبٍ ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ وَقَعَتْ ، وَلَا نَعْرِفُ كَيْفَ يَكُونَانِ فِي الْمُتَعَقِّبِ . وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي شَرْحِ ذَلِكَ ، وَقَرَأْتُ فِي كِتَابِ أَبِي سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيمَا حَكَى عَنْ بَعْضِهِمْ ، أَنَّهُ قَالَ: الْبَيْضَاءُ هُوَ الرُّطَبُ مِنَ السُّلْتِ ، وَالْأَوَّلُ أَعْرَفُ ، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَلْيَقُ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ مَوْضِعُ التَّشْبِيهِ مِنَ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، وَقَرَأْتُ فِي كِتَابِ الْغَرْبِيَّيْنِ فِي السُّلْتُ قَالَ: هُوَ حَبٌّ بَيْنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ""
قال ابن عربي في فتوحاته المكية في فصل صلاة الكسوف [1] :
"فإن أخطأ المجتهد فهو بمنزلة الكسوف الذي يكون في غيبة المكسوف فلا وزر عليه وهو مأجور ،وإن ظهر له النص وتركه لرأيه أو لقياسه الجليّ في زعمه فلا عذر له عند الله وهو مأثوم ، وهو الكسوف الظاهر الذي يكون له الأثر المقرّر عند علماء الأحكام بسير الكواكب ، وأكثر ما يكون هذا في الفقهاء المقلدين الذين قالوا لهم لا تلقدونا واتبعوا الحديث إذا وصل إليكم المعارض لما حكمنا به، فإنّ الحديث مذهبنا وإن كنا لا نحكم بشيء إلا بدليل يظهر لنا في نظرنا أنه دليل، وما يلزمنا غير ذلك لكن ما يلزمكم اتباعنا ،ولكن يلزمكم سؤالنا نوفي كل وقت في النازلة الواحدة قد يتغير الحكم عند المجتهد ، ولهذا كان يقول مالك إذا سئل في نازلة هل وقعت فإن قيل لا يقول لا أفتي، وإن قيل نعم أفتى في ذلك الوقت بما أعطاه دليله، فأبت المقلدة من الفقهاء في زماننا أن توفي حقيقة تقليدها لإمامها باتباعها الحديث الذي أمرها به إمامها وقلدته في الحكم مع وجود المعارض ، فعصت الله في قوله { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (7) سورة الحشر، وعصت الرسول في قوله { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } (31) سورة آل عمران ، فإنه ما قالها إلا عن أمر ربه سبحانه ،وعصت إمامها في قوله خذوا بالحديث إذا بلغكم واضربوا بكلامي الحائط ، فهؤلاء في كسوف دائم مسرمد عليهم إلى يوم القيامة، فلا هم مع الله ولا مع رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولا مع إمامهم، فهم في براءة من الله ورسوله وإمامهم ، فلا حجة لهم عند الله ،فانظروا مع من يحشر هؤلاء"
ـــــــــــــــ
(1) - الفتوحات المكية - (ج 2 / ص 107)