ومثال آخرحول الرمل في الطواف ، فالرَّمَل سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الطَّوَافِ ، يُسَنُّ فِي الأَْشْوَاطِ الثَّلاَثَةِ الأُْولَى مِنْ كُل طَوَافٍ بَعْدَهُ سَعْيٌ ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ ، وَسُنِّيَّةُ الرَّمَل هَذِهِ خَاصَّةٌ بِالرِّجَال فَقَطْ دُونَ النِّسَاءِ [1] .
وذهب ابن عباس إلى أنه إنما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - على سبيل الارتفاق لعارض عرض وهو قول المشركين حطمهم حمى يثرب وليس بسنة ، ففي صحيح البخارى ( 1602 ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابُهُ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ ، وَقَدْ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ . فَأَمَرَهُمُ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلاَثَةَ ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلاَّ الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ""
الثَّالِثُ: السَّهْوُ وَالنِّسْيَانُ: كَأَنْ يَنْقُل صَحَابِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَمْرًا فَيُقْضَى عَلَيْهِ بِالسَّهْوِ ، عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ كُنْتُ أَنَا وَابْنُ عُمَرَ مُسْتَنِدَيْنِ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ وَإِنَّا لَنَسْمَعُ ضَرْبَهَا بِالسِّوَاكِ تَسْتَنُّ - قَالَ - فَقُلْتُ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَعْتَمَرَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - فِى رَجَبٍ قَالَ نَعَمْ. فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ أَىْ أُمَّتَاهُ أَلاَ تَسْمَعِينَ مَا يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَتْ وَمَا يَقُولُ قُلْتُ يَقُولُ اعْتَمَرَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - فِى رَجَبٍ. فَقَالَتْ يَغْفِرُ اللَّهُ لأَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَعَمْرِى مَا اعْتَمَرَ فِى رَجَبٍ وَمَا اعْتَمَرَ مِنْ عُمْرَةٍ إِلاَّ وَإِنَّهُ لَمَعَهُ. قَالَ وَابْنُ عُمَرَ يَسْمَعُ فَمَا قَالَ لاَ وَلاَ نَعَمْ. سَكَتَ. [2] .
ومن ذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حج فرآه الناس فذهب بعضهم إلى أنه كان متمتعا وبعضهم إلى أنه كان قارنا ، وبعضهم إلى أنه كان مفردا.
فعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ يَا أَبَا الْعَبَّاسِ عَجِبْتُ لاِخْتِلاَفِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى إِهْلاَلِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ أَوْجَبَ. فَقَالَ إِنِّى لأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ إِنَّهَا إِنَّمَا كَانَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ فَمِنْ هُنَاكَ اخْتَلَفُوا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَاجًّا فَلَمَّا صَلَّى فِى مَسْجِدِهِ بِذِى الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْهِ أَوْجَبَ فِى مَجْلِسِهِ فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ حِينَ فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْهِ فَسَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ فَحَفِظْتُهُ عَنْهُ ثُمَّ رَكِبَ فَلَمَّا اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ أَهَلَّ وَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ إِنَّمَا كَانُوا يَأْتُونَ أَرْسَالًا فَسَمِعُوهُ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ يُهِلُّ فَقَالُوا إِنَّمَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمَّا عَلاَ عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ وَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ فَقَالُوا إِنَّمَا أَهَلَّ حِينَ عَلاَ عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ أَوْجَبَ فِى مُصَلاَّهُ وَأَهَلَّ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ وَأَهَلَّ حِينَ عَلاَ عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ. قَالَ سَعِيدٌ فَمَنْ أَخَذَ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَهَلَّ فِى مُصَلاَّهُ إِذَا فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْهِ." [3] "
الرَّابِعُ: اخْتِلاَفُ الضَّبْطِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَمِعَ شَيْئًا فَلَمْ يَحْفَظْهُ إِنَّمَا مَرَّتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - جَنَازَةُ يَهُودِىٍّ وَهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهِ فَقَالَ « أَنْتُمْ تَبْكُونَ وَإِنَّهُ لَيُعَذَّبُ » . [4] .
الْخَامِسُ: اخْتِلاَفُهُمْ فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ ، وَمِنْ هَذَا: الْقِيَامُ لِلْجِنَازَةِ ، فَقَال بَعْضُهُمْ: لِتَعْظِيمِ الْمَلاَئِكَةِ ، فَيَعُمُّ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ ، وَقَال قَائِل: لِهَوْل الْمَوْتِ ، فَيَعُمُّهُمَا ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - قَالَ مَرَّ بِنَا جَنَازَةٌ فَقَامَ لَهَا النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - وَقُمْنَا بِهِ . فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِىٍّ . قَالَ « إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا » [5] .
وعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ حَدَّثَنِى جَابِرٌ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - إِذْ مَرَّتْ بِنَا جَنَازَةٌ فَقَامَ لَهَا فَلَمَّا ذَهَبْنَا لِنَحْمِلَ إِذَا هِىَ جَنَازَةُ يَهُودِىٍّ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا هِىَ جَنَازَةُ يَهُودِىٍّ. فَقَالَ « إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ فَإِذَا رَأَيْتُمْ جَنَازَةً فَقُومُوا » [6] .
وعن عَمْرَو بْنِ مُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِى لَيْلَى قَالَ كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَاعِدَيْنِ بِالْقَادِسِيَّةِ ، فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ فَقَامَا . فَقِيلَ لَهُمَا إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ ، أَىْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَقَالاَ إِنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامَ فَقِيلَ لَهُ إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِىٍّ . فَقَالَ « أَلَيْسَتْ نَفْسًا » [7] .
وعَنْ أَبِى مَعْمَرٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ عَلِىٍّ فَمَرَّتْ جَنَازَةٌ فَقَامُوا لَهَا فَقَالَ عَلِىٌّ مَا هَذَا قَالُوا أَمْرُ أَبِى مُوسَى. فَقَالَ إِنَّمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِجَنَازَةِ يَهُودِيَّةٍ وَلَمْ يَعُدْ بَعْدَ ذَلِكَ. [8]
وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِىٍّ كَانَ جَالِسًا فَمُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ فَقَامَ النَّاسُ حَتَّى جَاوَزَتِ الْجَنَازَةُ فَقَالَ الْحَسَنُ إِنَّمَا مُرَّ بِجَنَازَةِ يَهُودِىٍّ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى طَرِيقِهَا جَالِسًا فَكَرِهَ أَنْ تَعْلُوَ رَأْسَهُ جَنَازَةُ يَهُودِىٍّ فَقَامَ. [9]
وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ جَنَازَةً مَرَّتْ بِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَامَ فَقِيلَ إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِىٍّ. فَقَالَ « إِنَّمَا قُمْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ » [10] .
ومنها اختلافهم في الجمع بين المختلفين ، ومثاله نكاح المتعة [11]
وَنِكَاحُ الْمُتْعَةِ مِنْ أَنْكِحَةِ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَكَانَتْ مُبَاحًا فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ ثُمَّ حُرِّمَ [12] ،فعَنِ الْحَسَنِ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَىْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِىٍّ عَنْ أَبِيهِمَا وَكَانَ حَسَنٌ أَرْضَاهُمَا فِى أَنْفُسِنَا أَنَّ عَلِيًّا - رضى الله عنه - قَالَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ إِنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ [13] .
ثُمَّ رَخَّصَ فِيهِ عَامَ الْفَتْحِ ،فعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ أَنَّ أَبَاهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَتْحَ مَكَّةَ قَالَ فَأَقَمْنَا بِهَا خَمْسَ عَشْرَةَ - ثَلاَثِينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ - فَأَذِنَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى مُتْعَةِ النِّسَاءِ فَخَرَجْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ قَوْمِى وَلِى عَلَيْهِ فَضْلٌ فِى الْجَمَالِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الدَّمَامَةِ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا بُرْدٌ فَبُرْدِى خَلَقٌ وَأَمَّا بُرْدُ ابْنِ عَمِّى فَبُرْدٌ جَدِيدٌ غَضٌّ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَسْفَلِ مَكَّةَ أَوْ بِأَعْلاَهَا فَتَلَقَّتْنَا فَتَاةٌ مِثْلُ الْبَكْرَةِ الْعَنَطْنَطَةِ فَقُلْنَا هَلْ لَكِ أَنْ يَسْتَمْتِعَ مِنْكِ أَحَدُنَا قَالَتْ وَمَاذَا تَبْذُلاَنِ فَنَشَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بُرْدَهُ فَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ وَيَرَاهَا صَاحِبِى تَنْظُرُ إِلَى عِطْفِهَا فَقَالَ إِنَّ بُرْدَ هَذَا خَلَقٌ وَبُرْدِى جَدِيدٌ غَضٌّ. فَتَقُولُ بُرْدُ هَذَا لاَ بَأْسَ بِهِ. ثَلاَثَ مِرَارٍ أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ اسْتَمْتَعْتُ مِنْهَا فَلَمْ أَخْرُجْ حَتَّى حَرَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - . [14]
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ إِلَى حُرْمَةِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَبُطْلاَنِ عَقْدِهِ ، مُسْتَدِلِّينَ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا حَدِيثُ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَال:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الاِسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَل سَبِيلَهُ ، وَلاَ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا" [15] .
وعَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الْمُتْعَةِ قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَتْ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلَمَّا أُنْزِلَ النِّكَاحُ وَالطَّلاَقُ وَالْعِدَّةُ وَالْمِيرَاثُ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ نُسِخَتْ. [16]
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى غَزْوَةِ تَبُوكَ فَنَزَلْنَا بِثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ فَرَأَى نِسَاءً يَبْكِينَ فَقَالَ: « مَا هَذَا؟ » . قِيلَ: نِسَاءٌ تَمَتَّعَ بِهِنَّ أَزْوَاجُهُنَّ ثُمَّ فَارَقُوهُنَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « حَرَّمَ أَوْ هَدَمَ الْمُتْعَةَ النِّكَاحُ وَالطَّلاَقُ وَالْعِدَّةُ وَالْمِيَراثُ » [17] .
بِمَعْنَى أَنَّ الْمُتْعَةَ تَرْتَفِعُ مِنْ غَيْرِ طَلاَقٍ وَلاَ فُرْقَةٍ وَلاَ يَجْرِي التَّوَارُثُ بَيْنَهُمَا ، مِمَّا دَل عَلَى أَنَّ الْمُتْعَةَ لَيْسَتْ بِنِكَاحٍ وَلَمْ تَكُنِ الْمَرْأَةُ فِيهَا زَوْجَةً لِلرَّجُل .
ولأدلة ٍ كثيرةٍ لا مجال لذكرها الآن ، وَلأَِنَّ النِّكَاحَ مَا شُرِعَ لاِقْتِضَاءِ الشَّهْوَةِ ، بَل شُرِعَ لأَِغْرَاضٍ وَمَقَاصِدَ يُتَوَسَّل بِهِ إِلَيْهَا ، وَاقْتِضَاءُ الشَّهْوَةِ بِالْمُتْعَةِ لاَ يَقَعُ وَسِيلَةً إِلَى الْمَقَاصِدِ فَلاَ يُشْرَعُ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَالتَّابِعِينَ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ . [18]
الْقَوْل الثَّانِي: حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهَا جَائِزَةٌ ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ عَطَاءٌ وَطَاوُوسٌ ، وَبِهِ قَال ابْنُ جُرَيْجٍ ...
وقَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: َقَدْ صَحَّ التَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ لِلْمُتْعَةِ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، بِحَدِيثِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ أنه غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَتْحَ مَكَّةَ قَالَ فَأَقَمْنَا بِهَا خَمْسَ عَشْرَةَ - ثَلاَثِينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ - فَأَذِنَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى مُتْعَةِ النِّسَاءِ فَخَرَجْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ قَوْمِى وَلِى عَلَيْهِ فَضْلٌ فِى الْجَمَالِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الدَّمَامَةِ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا بُرْدٌ فَبُرْدِى خَلَقٌ وَأَمَّا بُرْدُ ابْنِ عَمِّى فَبُرْدٌ جَدِيدٌ غَضٌّ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَسْفَلِ مَكَّةَ أَوْ بِأَعْلاَهَا فَتَلَقَّتْنَا فَتَاةٌ مِثْلُ الْبَكْرَةِ الْعَنَطْنَطَةِ فَقُلْنَا هَلْ لَكِ أَنْ يَسْتَمْتِعَ مِنْكِ أَحَدُنَا قَالَتْ وَمَاذَا تَبْذُلاَنِ فَنَشَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بُرْدَهُ فَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ وَيَرَاهَا صَاحِبِى تَنْظُرُ إِلَى عِطْفِهَا فَقَالَ إِنَّ بُرْدَ هَذَا خَلَقٌ وَبُرْدِى جَدِيدٌ غَضٌّ. فَتَقُولُ بُرْدُ هَذَا لاَ بَأْسَ بِهِ. ثَلاَثَ مِرَارٍ أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ اسْتَمْتَعْتُ مِنْهَا فَلَمْ أَخْرُجْ حَتَّى حَرَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ." [19] ."
وَمُخَالَفَةُ بَعْضٍ مِنَ الصَّحَابَةِ غَيْرُ قَادِحَةٍ فِي حُجِّيَّتِهِ وَلاَ قَائِمَةٍ لَنَا بِالْمَعْذِرَةِ عَنِ الْعَمَل بِهِ ، وَالْجُمْهُورُ مِنَ الصَّحَابَةِ قَدْ حَفِظُوا التَّحْرِيمَ وَعَمِلُوا بِهِ ، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ لَمَّا وَلِىَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَذِنَ لَنَا فِى الْمُتْعَةِ ثَلاَثًا ثُمَّ حَرَّمَهَا وَاللَّهِ لاَ أَعْلَمُ أَحَدًا تَمَتَّعَ وَهُوَ مُحْصَنٌ إِلاَّ رَجَمْتُهُ بِالْحِجَارَةِ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَنِى بِأَرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَحَلَّهَا بَعْدَ إِذْ حَرَّمَهَا. [20]
وعَنْ أَبِى نَضْرَةَ قَالَ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَأْمُرُ بِالْمُتْعَةِ وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَنْهَى عَنْهَا قَالَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ عَلَى يَدَىَّ دَارَ الْحَدِيثُ تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - .
فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ قَالَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ بِمَا شَاءَ وَإِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ نَزَلَ مَنَازِلَهُ فَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ وَأَبِتُّوا نِكَاحَ هَذِهِ النِّسَاءِ فَلَنْ أُوتَى بِرَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً إِلَى أَجَلٍ إِلاَّ رَجَمْتُهُ بِالْحِجَارَةِ. [21]
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: صَعِدَ عُمَرُ الْمِنْبَرَ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَنْكِحُونَ هَذِهِ الْمُتْعَةَ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ، أَحْسَبُهُ قَالَ عَنْهَا: لاَ أُوتَى بِأَحَدٍ نَكَحَهَا إِلاَّ رَجَمْتُهُ بِالْحِجَارَةِ. [22]
السَّادِسُ: اخْتِلاَفُهُمْ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ ، وَمِنْهُ: عَنْ أَبِى أَيُّوبَ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلاَ تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلاَ تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ وَلاَ غَائِطٍ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا » . قَالَ أَبُو أَيُّوبَ فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ قَالَ نَعَمْ. [23]
فَذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى عُمُومِ هَذَا الْحُكْمِ وَكَوْنِهِ غَيْرَ مَنْسُوخٍ .
وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ قَالَ كُنْتُ أُصَلِّى فِى الْمَسْجِدِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ فَلَمَّا قَضَيْتُ صَلاَتِى انْصَرَفْتُ إِلَيْهِ مِنْ شِقِّى فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ نَاسٌ إِذَا قَعَدْتَ لِلْحَاجَةِ تَكُونُ لَكَ فَلاَ تَقْعُدْ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَلاَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ - قَالَ عَبْدُ اللَّهِ - وَلَقَدْ رَقِيتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ. [24]
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ نَهَى نَبِىُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا. [25]
فَذَهَبَ قومٌ إِلَى أَنَّهُ نَسْخٌ لِلنَّهْيِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ ، وَقَالُوا: إِنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِالصَّحْرَاءِ ، فَإِذَا كَانَ فِي الْمَرَاحِيضِ فَلاَ بَأْسَ بِالاِسْتِقْبَال وَالاِسْتِدْبَارِ .
فعَنْ مَرْوَانَ الأَصْفَرِ قَالَ رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا فَقُلْتُ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَيْسَ قَدْ نُهِىَ عَنْ هَذَا قَالَ بَلَى إِنَّمَا نُهِىَ عَنْ ذَلِكَ فِى الْفَضَاءِ فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَىْءٌ يَسْتُرُكَ فَلاَ بَأْسَ. [26]
وَبِالْجُمْلَةِ اخْتَلَفَتْ مَذَاهِبُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَأَخَذَ التَّابِعُونَ الْعِلْمَ مِنْهُمْ ، فَأَقْبَل أَبْنَاءُ كُل قُطْرٍ عَلَى مَنْ نَزَل فِي قُطْرِهِمْ يَسْتَفْتُونَهُمْ ، وَيَرْوُونَ عَنْهُمْ ، وَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمْ ، وَلَمْ تَكُنِ الصَّحَابَةُ سَوَاءً فِيمَا يَعْلَمُونَ ، وَلَمْ يَكُنْ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْفَظُ كُل مَا يَحْفَظُهُ غَيْرُهُ ، وَلَمْ يَكُونُوا سَوَاءً فِي اسْتِعْمَال الرَّأْيِ فِيمَا لاَ نَصَّ فِيهِ ، وَلاَ فِي الأَْخْذِ بِأَخْبَارِ الآْحَادِ ، فَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَتَوَسَّعُ فِي الرَّأْيِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ الْوَرَعُ وَالاِحْتِيَاطُ عَلَى الْوُقُوفِ عِنْدَ النُّصُوصِ وَالتَّمَسُّكِ بِالآْثَارِ .
(1) - انظر الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 23 / ص 149) والمسلك المتقسط للقاري شرح لباب المناسك للسندي طبع مصر ص 108 ، ومختصر خليل بشرحه منح الجليل للشيخ محمد عليش تصوير بيروت 1 / 484 ، ومغني المحتاج شرح المنهاج للشربيني الخطيب تصوير بيروت 1 / 487 ، والمغني لابن قدامة طبع دار المنار سنة 1367 هـ ج3 ص 374 - 376 .
(2) - صحيح مسلم (3095 )
(3) - سنن أبى داود (1772 ) حسن
(4) - صحيح مسلم ( 2196 )
(5) - صحيح البخارى (1311 )
(6) - سنن أبى داود ( 3176 ) صحيح
(7) - صحيح البخارى ( 1312 )
(8) - سنن النسائى ( 1934 ) صحيح
(9) - سنن النسائى ( 1938 ) وفيه انقطاع
(10) - سنن النسائى ( 1941 ) صحيح
(11) - انظر الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 41 / ص 333)
(12) - الْبَدَائِع 2 / 272 - 273 ، وَأَحْكَام الْقُرْآنِ لِلْجَصَّاصِ 2 / 151 ، وَالشَّرْح الصَّغِير 2 / 387 ، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 2 / 238 ، 239 ، وَفَتْح الْبَارِي 9 / 167 وَمَا بَعْدَهَا ، وَكَشَّاف الْقِنَاع 5 / 96 ، وَالإِْنْصَاف 8 / 163 ، وَشَرْح صَحِيح مُسْلِم 9 / 153 وَمَا بَعْدَهَا
(13) - صحيح البخارى (5115 )
(14) - صحيح مسلم (3486 )
البَكرة: الفتية من الإبل والمراد أنها طويلة العنق في اعتدال الخلق: البالى الدمامة: قبح الصورة العطف: الجانب العنطنطة: طويلة العنق مع حسن قوام
(15) - صحيح مسلم ( 3488 )
(16) - المعجم الأوسط للطبراني (11413) والسنن الكبرى للبيهقي (ج 7 / ص 207) (14566) صحيح لغيره
(17) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 7 / ص 207) (14562) حسن
(18) - الْبَدَائِع 2 / 272 - 273 ، وَالشَّرْح الصَّغِير 2 / 387 ، وَأَحْكَام الْقُرْآنِ لِلْجَصَّاصِ 2 / 164 - 155 ، وَفَتْح الْبَارِي شَرْح صَحِيح الْبُخَارِيّ 9 / 166 - 174 ، وَشَرْح مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ 9 / 153 - 162 ، وَالْحَاوِي للماوردي 11 / 449 - 458 ، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 142 ، وَكَشَّاف الْقِنَاع 5 / 96 - 98 .
(19) - صحيح مسلم ( 3486)
(20) - سنن ابن ماجه (2039 ) حسن
(21) - صحيح مسلم (3006 )
(22) - مسند البزار (135) صحيح
(23) - صحيح مسلم ( 632 )
(24) - صحيح مسلم (634 )
(25) - سنن أبى داود (13 ) صحيح
(26) - سنن أبى داود (11 ) حسن