فهرس الكتاب

الصفحة 499 من 522

وأخذ عنهم التابعون كذلك كلُّ واحد ما تيسر له فحفظ ما سمع من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومذاهب الصحابة وعقلها ، وجمع المختلف على ما تيسر له ورجَّح بعض الأقوال على بعضٍ ، واضمحلَّ في نظرهم بعضُ الأقوال وإن كان مأثورا عن كبار الصحابة، كالمذهب المأثور عن عمر وابن مسعود في تيمم الجنب اضمحل عندهم لما استفاض من الأحاديث عن عمار وعمران بن الحصين وغيرهما، فعند ذلك صار لكلِّ عالم من العلماء التابعين مذهبٌ على حيالِه فانتصبَ في كل بلد إمامٌ مثلُ سعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله ابن عمر في المدينة، وبعدهما الزهري والقاضي يحيى بن سعيد وربيعة بن عبد الرحمن فيها ، وعطاء بن أبي رباح بمكة، وإبراهيم النخعي والشعبي بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة، وطاوس بن كيسان باليمن ، ومكحول بالشام، فأظمأ اللهُ أكبادًا إلى علومهم فرغبوا فيها وأخذوا عنهم الحديث وفتاوى الصحابة وأقاويلهم ، ومذاهب هؤلاء العلماء وتحقيقاتهم من عند أنفسهم ، واستفتى منهم المستفتون ، ودارت المسائل بينهم ورفعت إليهم الأقضية، وكان سعيد بن المسيب وإبراهيم وأمثالهما جمعوا أبواب الفقه أجمعها ، وكان لهم في كلِّ باب أصولٌ تلقُّوها من السلف، وكان سعيد وأصحابه يذهبون إلى أن أهل الحرمين أثبتُ الناس في الفقه ، وأصلُ مذهبهم فتاوى عبد الله بن عمر وعائشة وابن عباس وقضايا قضاة المدينة، فجمعوا من ذلك ما يسَّره الله لهم، ثم نظروا فيها نظر اعتبار وتفتيش، فما كان منها مجمعًا عليه بين علماء المدينة فإنهم يأخذون عليه بنواجذهم، وما كان فيه اختلاف عندهم فإنهم يأخذون بأقواها وأرجحها ، إما بكثرة من ذهبَ إليه منهم أو لموافقته بقياسِ قويٍّ أو تخريجٍ صريحٍ من الكتاب والسنة أو نحو ذلك، وإذا لم يجدوا فيما حفظوا منهم جواب المسألة خرَّجوا من كلامهم وتتبعوا الإيماء والاقتضاء ، فحصل لهم مسائلَ كثيرةً في كلِّ بابٍ بابٍ ، وكان إبراهيمُ وأصحابه يرون أن عبد الله بن مسعود وأصحابه أثبتُ الناس في الفقه، عَنْ مَسْرُوقٍ: أَنَّهُ كَانَ يُشَرِّكُ ، فَقَالَ لَهُ عَلْقَمَةُ: هَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَثْبَتُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: لاَ وَلَكِنِّى رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَأَهْلَ الْمَدِينَةِ يُشَرِّكُونَ فِى ابْنَتَيْنِ وَبِنْتِ ابْنٍ وَابْنِ ابْنٍ وَأُخْتَيْنِ. [1]

وقول أبي حنيفة رضي الله عنه للأوزاعي إبراهيم أفقه من سالم ولولا فضل الصحبة لقلت أن علقمة أفقه من عبد الله بن عمر وعبد الله هو عبد الله [2] .

وأصل مذهبه فتاوى عبد الله بن مسعود وقضايا علي رضي الله عنهما وفتاواه وقضايا شريح وغيره من قضاة الكوفة، فجمع من ذلك ما يسره الله ثم صنع في آثارهم كما صنع أهل المدينة في آثار أهل المدينة، وخرَّج كما خرَّجوا فلخص له مسائل الفقه في كل بابٍ باب ،وكان سعيدُ بن المسيب لسانَ فقهاء المدينة، وكان أحفظَهم لقضايا عمر ولحديث أبي هريرة ، وإبراهيمَ لسانَ فقهاء الكوفة ، فإذا تكلما بشيء ولم ينسباه إلى أحد، فإنه في الأكثر منسوب إلى أحدٍ من السلَّف صريحا أو إيماءًا و نحو ذلك، فاجتمع عليهما فقهاء بلدهما وأخذوا عنهما وعقلوه وخرَّجوا عليه والله أعلم.

ـــــــــــــــ

(1) - سنن الدارمى (2952) صحيح

(2) - قلت: لم أجدها في مصدر حديثي ، وهي في فتح القدير - (ج 2 / ص 100) والبحر الرائق شرح كنز الدقائق - (ج 3 / ص 289)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت