فنسأل الله العدل والإنصاف مع نفوسنا وإخواننا وخصومنا، ونقول:"وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بالإيمان وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ" [الحشر:10] . [1] .
وَأَبْلَغُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: لَا يَزِيدُ رَجُلٌ عَلَى صَدَاقِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَبَنَاتِهِ إلَّا رَدَدْته . فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِمَ تَحْرِمُنَا شَيْئًا أَعْطَانَا اللَّهُ إيَّاهُ ؟ ثُمَّ قَرَأَتْ: { وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} (20) سورة النساء، فَرَجَعَ عُمَرُ إلَى قَوْلِهَا وَقَدْ كَانَ حَافِظًا لِلْآيَةِ وَلَكِنْ نَسِيَهَا""
قلت: قد وردت من طرق مختلفة وجود إسنادها العلامة ابن كثير في تفسيره - (ج 2 / ص 243) وهذه خلاصتها من المقاصد الحسنة للسخاوي - (ج 1 / ص 431) برقم (814 ) وكشف الخفاء من المحدث - (ج 2 / ص 143) برقم (1958) حديث: كل أحد أعلم أو أفقه من عمر، قاله بعد أن خطب ناهيًا عن المغالاة في صداق النساء، وأن لا يزن على أربعمائة درهم، وقالت له امرأة من قريش: أما سمعت اللَّه تعالى يقول {وآتيتم إحداهن قنطارًا} ، وفي الكفاية (365 ) عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ قَالَ: رَكِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْبَرَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ:"أَيُّهَا النَّاسُ مَا إِكْثَارُكُمْ فِي صَدَقَاتِ النِّسَاءِ , فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابُهُ , وَإِنَّمَا الصَّدَقَاتُ فِيمَا بَيْنَ أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَمَا دُونَ ذَلِكَ , وَلَوْ كَانَ الْإِكْثَارُ فِي ذَلِكَ تَقْوًى أَوْ مَكْرُمَةً لَمْ تَسْبِقُوهُمْ إِلَيْهَا , فَلَا أَعْرِفَنَّ مَا زَادَ رَجُلٌ فِي صَدَاقِ امْرَأَةٍ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ"قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ فَاعْتَرَضَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ , فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَهَيْتَ النَّاسَ أَنْ يَزِيدُوا النِّسَاءَ فِي صَدُقَاتِهِنَّ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ ؟ قَالَ:"وَمَا ذَاكَ ؟"قَالَتْ: أَوَ مَا سَمِعْتَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ ؟ قَالَ:"وَأَنَّى ذَلِكَ ؟"قَالَ: فَقَالَتْ: أَوَ مَا سَمِعْتَ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ؟ قَالَ: فَقَالَ:"اللَّهُمَّ غَفْرًا , كُلُّ إِنْسَانٍ أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ", ثُمَّ رَجَعَ فَرَكِبَ الْمِنْبَرَ , ثُمَّ قَالَ:"أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي كُنْتُ قَدْ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تَزِيدُوا النِّسَاءَ فِي صَدُقَاتِهِنَّ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ , فَمَنْ شَاءَ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ مَالِهِ مَا أَحَبَّ وَطَابَتْ بِهِ نَفْسُهُ فَلْيَفْعَلْ"، وسنده جيد قوي. ....
قلت: وأكثر أهل العلم على تضعيف هذه القصة ، ففي إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل - (ج 6 / ص 347) برقم (. 1927 ) أما ما شاع على الألسنة من اعتراض المرأة على عمر وقولها:"نهيت الناس آنفا أن يغالوا في صداق النساء والله تعالى يقول في كتابه ( وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ) ؟ ! فقال عمر رضي الله عنه: كل أحد أفقه من عمر مرتين أو ثلاثا ثم رجع إلى المنبر فقال للناس: إني كنت نهيتكم أن تغالوا في صداق النساء ألا فليفعل رجل في ماله ما بدا له". فهو ضعيف منكر يرويه مجالد عن الشعبي عن عمر . أخرجه البيهقي ( 7 / 233 ) وقال:"هذا منقطع". قلت: ومع انقطاعه ضعيف من أجل مجالد وهو ابن سعيد ليس بالقوي ثم هو منكر المتن فأن الآية لا تنافي توجيه عمر إلى ترك المغالاة في مهور النساء ولا مجال الأن لبيان ذلك فقد كتبت فيه مقالا نشر في مجلة التمدن الإسلامي منذ بضع سنين . ثم وجدت له طريقا أخرى عند عبد الرزاق في"المصنف" ( 6 / 180 / 10420 ) عن قيس بن الربيع عن أبي حصين عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: فذكره نحوه مختصرا وزاد في الآية فقال:"قنطارا من ذهب"وقال: ولذلك هي في قراءة عبد الله . قلت: وإسناده ضعيف أيضا فيه علتان: الأولى: الانقطاع فإن أبا عبد الرحمن السلمي واسمه عبد الله بن حبيب بن ربيعة لم يسمع من عمر كما قال ابن معين . الأخرى: سوء حفظ قيس بن الربيع .
وفي فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ - (ج 10 / ص 133) قال: زيادة اعتراض المرأة على عمر بن الخطاب في الحديث لها طرق لا تخلو من مقال .
وقد نص أبو بكر بن العربي في (أحكام القرآن) على أن الرواية المشهورة عن عمر هي التي لم تتعرض لقضية المرأة .
وعلى فرض صحة القصة فهذا توجهها:
من خلال هذا العرض السريع لمجريات هذه الواقعة كما وردت في الطرق المختلفة يتضح أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فعل الواجب في هذه المسألة، حيث رجع إلى الحق لما بُيِّن له، ولم يمتنع من ذلك لمنصبه ومكانه بين الصحابة - رضي الله عنهم- لأنه كان يبحث عن الحق، وهو هنا لم يرجع إلى مجرد قول المرأة، لأنه لا حجة في قولها ولا في قول غيرها من الناس، وإنما رجع إلى الآية التي ذكرتها المرأة.
ثانيًا: الواجب على الإنسان عمومًا أن يكون باحثًا عن الحق متلمسًا له في كل أحواله، وإذا قال شيئًا أو حكم بشيء ثم تبين له أن الحق بخلافه فإن الواجب عليه الرجوع إلى الحق ولا غضاضة في ذلك، وهو خير من التمادي في الباطل، قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- في كتابه إلى أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه-"والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل"، وذلك بغض النظر عمّن أرشدك إليه سواء أكان امرأة أو رجلًا عالمًا أو عاميًا، صغيرًا أو كبيرًا، لأن الحكمة والحق ضالة المؤمن بغض النظر عن قائلها، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة -رضي الله عنه-:"صدقك وهو كذوب"يعني: إبليس لما ذكر لأبي هريرة - رضي الله عنه- فضل آية الكرسي، والحديث رواه البخاري (3275) من حديث أبي سعيد - رضي الله عنه -.
ثالثًا: هذه القصة الواردة عن عمر - رضي الله عنه- تعد قاعدة من قواعد الإفتاء والاجتهاد، والعلماء متفقون على مضمونها، ولم يقل أحد من أهل العلم بأن الإنسان يجوز له البقاء على قوله مع تبين خطئه ومجانبته للصواب، لكن العالم إذا اجتهد في أي مسألة من المسائل وتبين له الحق فيها وجب عليه العمل بما ظهر له من الحق وإفتاء من سأله عن حسب ما يراه حقًا في المسألة، ولا يرجع عما توصل إليه لقول أي إنسان كائنًا من كان، ولكن إذا تبين له دليل يخالف ما توصل إليه سواء أذكره هو أم ذكره غيره به وجب عليه العمل بما يقتضيه هذا الدليل.رابعًا: ينقسم الناس بحسب علمهم بالأدلة الشرعية إلى قسمين: علماء، وعامة؛ فالعلماء: هم أهل النظر في الأدلة الشرعية واستنباط ما اشتملت عليه من الأحكام، وهم الذين يجوز لهم مناقشة بعضهم البعض فيما ذهب إليه كل منهم في المسائل المختلف فيها، ولا يلزم أحد بما ذهب إليه غيره من العلماء، بل الواجب على كل منهم العمل بما أداه إليه اجتهاده.
أما العامة: فالواجب عليهم سؤال العلماء فيما يعرض لهم من أمور دينهم امتثالًا لقوله تعالى:"فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" [النحل:43] ، وليس من شأن العامي رد فتاوى أهل العلم أو عدم الأخذ بها أو تخير ما شاء منها، لأنه إن فعل ذلك فإنه لا يفعله عن علم ومعرفة، وإنما منطلقه في ذلك الهوى والتشهي، كما أنه لا يجوز للعامي أن يترك الأخذ بفتاوى أهل العلم بحجة أنهم ربما يكونوا مخطئين، لأننا لو أجزنا له ذلك لبقي العامي بغير تكليف، لأن كثيرًا من المسائل اجتهادية والعلماء مختلفون فيها واحتمال الخطأ قائم في حق كل فريق، وإنما الواجب على العامي أن يقلّد العلماء المشهود لهم بالعلم والتقوى، ولا يتجاوز أقوالهم إلا إذا تبين له خطؤها بدليل صحيح واضح، وإذا كان ليس من حق العامي رد كلام العلماء، فإن من حقه أن يسأل العالم عن دليل المسألة ومستندها الذي اعتمده العالم في فتواه، لأن العامي ليس متعبدًا باتباع أشخاص العلماء، وإنما هو متعبد باتباع الأدلة التي يعرفها العلماء ويبينونها للعامة.
والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. [2] .
وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا ذَكَّرَ الزُّبَيْرَ يَوْمَ الْجَمَلِ شَيْئًا عَهِدَهُ إلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرَهُ حَتَّى انْصَرَفَ عَنْ الْقِتَالِ [3] . وَهَذَا كَثِيرٌ فِي السَّلَفِ وَالْخَلَفِ .
السَّبَبُ السَّادِسُ: عَدَمُ مَعْرِفَتِهِ بِدَلَالَةِ الْحَدِيثِ
فتَارَةً لِكَوْنِ اللَّفْظِ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ غَرِيبًا عِنْدَهُ مِثْلَ لَفْظِ الْمُزَابَنَةِ [4] وَالْمُحَاقَلَةِ وَالْمُخَابَرَةِ [5] وَالْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ [6] وَالْغَرَرِ [7] ؛ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْكَلِمَاتِ الْغَرِيبَةِ الَّتِي قَدْ يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي تَفْسِيرِهَا، وَكَالْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ: « لاَ طَلاَقَ وَلاَ عَتَاقَ فِى إِغْلاَقٍ » [8] . فَإِنَّهُمْ قَدْ فَسَّرُوا الْإِغْلَاقَ بِالْإِكْرَاهِ ، وَمَنْ يُخَالِفُهُ لَا يَعْرِفُ هَذَا التَّفْسِيرَ .
(1) - وانظر للتوسع فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 3 / ص 46) رقم الفتوى 10064 مذهب عمر رضي الله عنه في التيمم تاريخ الفتوى: 09 جمادى الثانية 1422 وفتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 3 / ص 23) طعن الشيعة في عمر - رضي الله عنه -
(2) - وانظر فتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 4 / ص 492)
(3) - المستدرك للحاكم برقم (5574) عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ ، قَالَ: شَهِدْتُ الزُّبَيْرَ خَرَجَ يُرِيدُ عَلِيًّا ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ أَنْشُدُكَ اللَّهَ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، يَقُولُ: تُقَاتِلُهُ وَأَنْتَ لَهُ ظَالِمٌ ، فَقَالَ: لَمْ أَذْكُرْ ، ثُمَّ مَضَى الزُّبَيْرُ مُنْصَرِفًا"وهو حديث حسن لغيره - وضعفه عديدون"
وانظر تاريخ الرسل والملوك - (ج 3 / ص 49) وسير أعلام النبلاء - (ج 1 / ص 58)
قلت: ولم يكن قصد الزبير رضي الله عنه الخروج على علي رضي الله عنه ، بل المطالبة بإقامة الحد على قتلة عثمان رضي الله عنه الذي قتل مظلوما باتفاقهم ، والقتلة في جيش علي رضي الله عنه ، فلما ذكره بالحديث ترك القتال وقتل غيلة رضي الله عنه وأرضاه
(4) - أخرجه البخارى برقم (2171 ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ ، وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا ، وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْكَرْمِ كَيْلًا .
ومسلم برقم (3958 ) عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يُبَاعَ ثَمَرُ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ وَالْمُحَاقَلَةُ أَنْ يُبَاعَ الزَّرْعُ بِالْقَمْحِ وَاسْتِكْرَاءُ الأَرْضِ بِالْقَمْحِ. قَالَ وَأَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ « لاَ تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهُ وَلاَ تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ » .
(5) - أخرجه البخارى برقم (2381 ) ومسلم برقم (3991) عَنْ عَطَاءٍ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - نَهَى النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الْمُخَابَرَةِ ، وَالْمُحَاقَلَةِ ، وَعَنِ الْمُزَابَنَةِ ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا ، وَأَنْ لاَ تُبَاعَ إِلاَّ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ ، إِلاَّ الْعَرَايَا .
وزاد مسلم قَالَ عَطَاءٌ فَسَّرَ لَنَا جَابِرٌ قَالَ أَمَّا الْمُخَابَرَةُ فَالأَرْضُ الْبَيْضَاءُ يَدْفَعُهَا الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فَيُنْفِقُ فِيهَا ثُمَّ يَأْخُذُ مِنَ الثَّمَرِ. وَزَعَمَ أَنَّ الْمُزَابَنَةَ بَيْعُ الرُّطَبِ فِى النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا. وَالْمُحَاقَلَةُ فِى الزَّرْعِ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ يَبِيعُ الزَّرْعَ الْقَائِمَ بِالْحَبِّ كَيْلًا.
(6) - أخرجه البخارى برقم (2144 ) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ - رضى الله عنه - أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنِ الْمُنَابَذَةِ ، وَهْىَ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ بِالْبَيْعِ إِلَى الرَّجُلِ ، قَبْلَ أَنْ يُقَلِّبَهُ ، أَوْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ ، وَنَهَى عَنِ الْمُلاَمَسَةِ ، وَالْمُلاَمَسَةُ لَمْسُ الثَّوْبِ لاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ .
وفي صحيح مسلم برقم (3878 ) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ نُهِىَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ الْمُلاَمَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ. أَمَّا الْمُلاَمَسَةُ فَأَنْ يَلْمِسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبَ صَاحِبِهِ بِغَيْرِ تَأَمُّلٍ وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ يَنْبِذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبَهُ إِلَى الآخَرِ وَلَمْ يَنْظُرْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِلَى ثَوْبِ صَاحِبِهِ.
(7) -أخرجه مسلم برقم (3881 ) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ.
وفي شرح النووي على مسلم - (ج 5 / ص 296) برقم (2783 ) قال النووي رحمه الله:
أَمَّا بَيْع الْحَصَاة فَفِيهِ ثَلَاث تَأْوِيلَات:
أَحَدهَا أَنْ يَقُول: بِعْتُك مِنْ هَذِهِ الْأَثْوَاب مَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْحَصَاة الَّتِي أَرْمِيهَا . أَوْ بِعْتُك مِنْ هَذِهِ الْأَرْض مِنْ هُنَا إِلَى مَا اِنْتَهَتْ إِلَيْهِ هَذِهِ الْحَصَاة .
وَالثَّانِي أَنْ يَقُول: بِعْتُك عَلَى أَنَّك بِالْخِيَارِ إِلَى أَنْ أَرْمِي بِهَذِهِ الْحَصَاة .
وَالثَّالِث أَنْ يَجْعَلَا نَفْس الرَّمْي بِالْحَصَاةِ بَيْعًا ، فَيَقُول: إِذَا رَمَيْت هَذَا الثَّوْب بِالْحَصَاةِ فَهُوَ مَبِيع مِنْك بِكَذَا .
وَأَمَّا النَّهْي عَنْ بَيْع الْغَرَر فَهُوَ أَصْل عَظِيم مِنْ أُصُول كِتَاب الْبُيُوع ، وَلِهَذَا قَدَّمَهُ مُسْلِم وَيَدْخُل فِيهِ مَسَائِل كَثِيرَة غَيْر مُنْحَصِرَة كَبَيْعِ الْآبِق وَالْمَعْدُوم وَالْمَجْهُول وَمَا لَا يَقْدِر عَلَى تَسْلِيمه وَمَا لَمْ يَتِمّ مِلْك الْبَائِع عَلَيْهِ وَبَيْع السَّمَك فِي الْمَاء الْكَثِير وَاللَّبَن فِي الضَّرْع وَبَيْع الْحَمْل فِي الْبَطْن وَبَيْع بَعْض الصُّبْرَة مُبْهَمًا وَبَيْع ثَوْب مِنْ أَثْوَاب وَشَاة مِنْ شِيَاه وَنَظَائِر ذَلِكَ ، وَكُلّ هَذَا بَيْعه بَاطِل لِأَنَّهُ غَرَر مِنْ غَيْر حَاجَة . وَقَدْ يَحْتَمِل بَعْض الْغَرَر بَيْعًا إِذَا دَعَتْ إِلَيْهِ حَاجَة كَالْجَهْلِ بِأَسَاسِ الدَّار وَكَمَا إِذَا بَاعَ الشَّاة الْحَامِل وَاَلَّتِي فِي ضَرْعهَا لَبَن فَإِنَّهُ يَصِحّ لِلْبَيْعِ ، لِأَنَّ الْأَسَاس تَابِع لِلظَّاهِرِ مِنْ الدَّار ، وَلِأَنَّ الْحَاجَة تَدْعُو إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِن رُؤْيَته . وَكَذَا الْقَوْل فِي حَمْل الشَّاة وَلَبَنهَا . وَكَذَلِكَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَاز أَشْيَاء فِيهَا غَرَر حَقِير ، مِنْهَا أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى صِحَّة بَيْع الْجُبَّة الْمَحْشُوَّة وَإِنْ لَمْ يُرَ حَشْوهَا ، وَلَوْ بِيعَ حَشْوهَا بِانْفِرَادِهِ لَمْ يَجُزْ . وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَاز إِجَارَة الدَّار وَالدَّابَّة وَالثَّوْب وَنَحْو ذَلِكَ شَهْرًا مَعَ أَنَّ الشَّهْر قَدْ يَكُون ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَقَدْ يَكُون تِسْعَة وَعِشْرِينَ . وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَاز دُخُول الْحَمَّام بِالْأُجْرَةِ مَعَ اِخْتِلَاف النَّاس فِي اِسْتِعْمَالهمْ الْمَاء وَفِي قَدْر مُكْثهمْ . وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَاز الشُّرْب مِنْ السِّقَاء بِالْعِوَضِ مَعَ جَهَالَة قَدْر الْمَشْرُوب وَاخْتِلَاف عَادَة الشَّارِبِينَ وَعَكْس هَذَا . وَأَجْمَعُوا عَلَى بُطْلَان بَيْع الْأَجِنَّة فِي الْبُطُون وَالطَّيْر فِي الْهَوَاء .
قَالَ الْعُلَمَاء: مَدَار الْبُطْلَان بِسَبَبِ الْغَرَر . وَالصِّحَّة مَعَ وُجُوده عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ أَنَّهُنَّ إِنْ دَعَتْ حَاجَة إِلَى اِرْتِكَاب الْغَرَر وَلَا يُمْكِن الِاحْتِرَاز عَنْهُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ وَكَانَ الْغَرَر حَقِيرًا جَازَ الْبَيْع وَإِلَّا فَلَا ، وَمَا وَقَعَ فِي بَعْض مَسَائِل الْبَاب مِنْ اِخْتِلَاف الْعُلَمَاء فِي صِحَّة الْبَيْع فِيهَا وَفَسَاده كَبَيْعِ الْعَيْن الْغَائِبَة مَبْنِيّ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَة ، فَبَعْضهمْ يَرَى أَنَّ الْغَرَر حَقِير فَيَجْعَلهُ كَالْمَعْدُومِ فَيَصِحّ الْبَيْع ، وَبَعْضهمْ يَرَاهُ لَيْسَ بِحَقِيرٍ فَيَبْطُل الْبَيْع وَاَللَّه أَعْلَم
وَاعْلَمْ أَنَّ بَيْع الْمُلَامَسَة وَبَيْع الْمُنَابَذَة وَبَيْع حَبَل الْحَبَلَة وَبَيْع الْحَصَاة وَعَسْب الْفَحْل وَأَشْبَاههَا مِنْ الْبُيُوع الَّتِي جَاءَ فِيهَا نُصُوص خَاصَّة هِيَ دَاخِلَة فِي النَّهْي عَنْ بَيْع الْغَرَر وَلَكِنْ أُفْرِدَتْ بِالذِّكْرِ ، وَنُهِيَ عَنْهَا لِكَوْنِهَا مِنْ بِيَاعَات الْجَاهِلِيَّة الْمَشْهُورَة وَاَللَّه أَعْلَم .
(8) - سنن ابن ماجه برقم ( 2124 ) وأبو داود ( 2193) وابن أبي شيبة برقم (18034 ) وأحمد برقم (27115 ) والمستدرك برقم (2802و2803) والسنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي - (ج 7 / ص 357) برقم ( 15493 و15494 و20509) وسنن الدارقطنى برقم (4035 ) والمسند الجامع برقم ( 16734) وإرواء الغليل - (ج 7 / ص 113) برقم ( 2047 ) وحسنه عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ حَدَّثَتْنِى عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « لاَ طَلاَقَ وَلاَ عَتَاقَ فِى إِغْلاَقٍ » . من طرق وهو حديث صحيح لغيره
وفي نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية - (ج 6 / ص 230)
قَالَ أَبُو دَاوُد: أَظُنُّهُ الْغَضَبُ يَعْنِي الْإِغْلَاقَ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْإِغْلَاقُ الْإِكْرَاهُ ؛ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ"، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، قَالَ فِي"التَّنْقِيحِ": وَقَدْ فَسَّرَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا بِالْغَضَبِ ، قَالَ شَيْخُنَا: وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَعُمُّ الْإِكْرَاهَ ، وَالْغَضَبَ ، وَالْجُنُونَ ، وَكُلَّ أَمْرٍ انْغَلَقَ عَلَى صَاحِبِهِ عِلْمُهُ وَقَصْدُهُ ، مَأْخُوذٌ مِنْ غَلَقَ الْبَابَ ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ: { رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ ، وَالنِّسْيَانُ ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } ، وَهَذَا الْحَدِيثُ تَقَدَّمَ فِي"الصَّلَاةِ"بِجَمِيعِ طُرُقِهِ ، وَأَصَحُّهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ فِي"الْمُسْتَدْرَكِ"، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ."
قلت: الغضب ينقسم إلى ثلاثة أقسام كما ذكر العلماء:
الأول: غضب يزيل العقل، فلا يشعر صاحبه بما قال، وهذا لا يقع طلاقه بلا نزاع.
الثاني: ما يكون في مباديه، بحيث لا يمنع صاحبه من تصور ما يقول، وقصده فهذا يقع طلاقه.
الثالث: أن يستحكم الغضب ويشتد به فلا يزول عقله بالكلية، ولكن يحول بينه وبين نيته، بحيث يندم على ما فرط منه إذا زال. قال ابن القيم: (وهذا محل نظر وعدم الوقوع في هذه الحالة قوي متجه) . انظر: زاد المعاد (5/215) ، وقال: (هذا موضع الخلاف، ومحل النظر، والأدلة الشرعية تدل على عدم نفوذ طلاقه) . انظر: إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان (39) ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى- بقوله: (إن غيره الغضب ولم يزل عقله لم يقع الطلاق؛ لأنه ألجأه وحمله عليه فأوقعه، وهو يكرهه ليستريح منه فلم يبق له قصد صحيح فهو كالمكره، ولهذا لا يجاب دعاؤه على نفسه وماله، ولا يلزمه نذر الطاعة فيه) . انظر: المبدع (7/252) الفروع (5/282) ، الإنصاف (8/432) ، ورجحه الشيخ العلامة ابن باز - رحمه الله تعالى-، الفتاوى (21/373) لحديث المذكور وقد أفرد العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى- هذه المسألة بمصنف جمع فيه الأدلة من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين، وذكر أن عدم الوقوع مقتضى القياس الصحيح والاعتبار وأصول الشريعة، وأجاب عن أدلة الموقعين، ومن قرأ ما كتبه اطمأن لقوله - رحمه الله تعالى-
وانظر فتاوى الأزهر - (ج 10 / ص 82) وفتاوى معاصرة - (ج 1 / ص 182) وفتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ - (ج 11 / ص 8) وفتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ج 1 / ص 2301) وفتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ج 1 / ص 4439) وفتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ج 1 / ص 6853) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 4 / ص 2780) ومجموع فتاوى ابن باز - (ج 19 / ص 118) والموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 1790) والموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 2638) والموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 10296) والموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 10298) والفقه الإسلامي وأدلته - (ج 6 / ص 272) والروضة الندية - (ج 2 / ص 272) والسيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار - الرقمية - (ج 1 / ص 402) وفتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 11 / ص 308) وإعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 1 / ص 433) وتلقيح الافهام العلية بشرح القواعد الفقهية - (ج 1 / ص 104) وفي فتاوى يسألونك - (ج 1 / ص 129)