معلوم لمن تأمله من هديهم [1] وسيرتهم، فقد أنكر أبو سعيد على مروان وهو أمير على المدينة [2] ، وأنكر عبادة بن الصامت على معاوية وهو خليفة [3] ، وأنكر ابن عمر على الحجاج مع سَطْوته وبأسه، وأنكر على عمرو بن سعيد [4] ، وهو أمير على المدينة، وهذا كثير [جدًا] [5] من إنكارهم على الأمراء والولاة إذا خرجوا عن العدل لم يخافوا سَوطهم [6] ولا عقوبتهم، ومن بعدهم لم تكن لهم [7] هذه المنزلة، بل كانوا يتركون كثيرًا من الحق خوفًا من ولاة الظلم وأمراء الجور، فمن المحال أن يوفَّق هؤلاء [8] للصواب ويحرمه أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
الوجه الثامن والثلاثون: ما ثبت في"الصحيح"من حديث أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه-:"أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رقى المنبر فقال:"إن عبدًا خيّره اللَّه بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند اللَّه"فبكى أبو بكر -رضي اللَّه عنه- وقال: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا فعجبنا لبكائه أن يُخبر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن رجل خُيّر فكان المخيّر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكان أبو بكر أعلمنا به [9] ، وقال [10] النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-:"إن أمَنَّ الناس علينا في صحبته وذات يده أبو بكر، ولو كنت مُتّخذًا من [أهل] الأرض خليلًا لاتخذتُ أبا بكر خليلًا ولكن أخوةُ الإسلام ومودّته، لا يبقى [11] في المسجد باب إلا سُدَّ إلا باب
(1) في (ق) :"لمن تأمل هديهم".
(2) رواه البخاري (956) في (كتاب العيدين) : باب الخروج إلى المصلى بغير منبر، ومسلم (889) في (صلاة العيدين) : أوله، من حديث أبي سعيد الخدري.
(3) أخرجه مسلم في صحيحه (1587) في المساقاة: باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا قصة بين عبادة ومعاوية، وفيها إنكار عبادة على معاوية.
(4) إنكار ابن عمر على الحجاج، أخرجه ابن المبارك في"الزهد" (رقم 1381) -ومن طرقه ابن أبي الدنيا في"الأمر بالمعروف" (رقم 52) - وإسناده حسن.
وأما الإنكار على عمرو بن سعيد، فظفرتُ أن أبا شريح الخزاعي أنكر عليه، رواه البخاري (104 و 1832 و 4295) ومسلم (1354) وأحمد (4/ 32 و 6/ 385) .
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) .
(6) في (ق) :"سطوتهم".
(7) في (ق) :"لم تكن له".
(8) المتأخرون، ومن المحال أن يكون بين ظهرانيهم منكر في فتيا وغيرها ويقرّونه ولا ينكرونه. (س) .
(9) رواه البخاري (466) في (الصلاة) : باب الخوخة والممر في المسجد، و (3654) في (فضائل الصحابة) : باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-:"سدّوا الأبواب إلا باب أبي بكر"، و (3904) في"مناقب الأنصار": باب هجرة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-وأصحابه إلى المدينة، ومسلم (2382) في"فضائل الصحابة": باب من فضائل أبي بكر الصديق.
(10) في (ق) :"فقال".
(11) في (ق) :"لا يبقيّن".