وقد تنازع الفقهاء: هل القياس يقتضي نجاسة الماء بملاقاة النجاسة إلا ما استثناه الدليل [1] ، أو القياس يقتضي أنه لا ينجس إذا لم يتغير؟ على قولين، والأول قول أهل العراق، والثاني قول أهل الحجاز، وفقهاء الحديث منهم من يختار هذا ومنهم من يختار هذا [2] .
وقول أهل الحجاز هو الصواب الذي تدل عليه الأصول والنصوص والمعقول [3] ، فإن اللَّه سبحانه أباح الطَّيبات وحَرَّم الخبائث، والطيَّبُ والخبيثُ يثبت للمَحَلِّ [4] باعتبار صفات قائمة به، فما دامت تلك الصفة فالحكمُ تابعٌ لها، فإذا زالت وخَلَفتها الصفة الأخرى زال الحكم وخلله ضده، وهذا [5] هو مَحْضُ القياس والمعقول، فهذا الماء والطعام كان طيبًا لقيام الصفةِ الموجبةِ لِطِيبه، فإذا زالت تلك الصفة وخَلَفتها [6] صفة الخبث عاد خبيثًا، فإذا زالت صفة الخَبَث عاد [إلى ما كان] [7] عليه، وهذا كالعصير الطيب إذا تخَمَّر صار خبيثًا فإذا عاد إلى ما كان عليه عاد طيِّبًا، [والماء الكثير إذا تغير بالنجاسة صار خبيثًا فإذا زال التغير عاد طيبًا، والرجل المسلم إذا ارتدَّ صار خبيثًا فإذا عاد إلى الإسلام عاد طيبًا] [8] ، والدليل على أنه طيب الحس والشرع: أما الحس فلأن الخبث لم يظهر له فيه أثرٌ بوجه ما لا في لونٍ ولا طعمٍ ولا رائحةٍ، ومحالٌ صِدْقُ المشتقِّ بدون المشتق منه، وأما الشرع فمن وجوه:
أحدها: أنه كان طيبًا قبل ملاقاته لما يتأثر به، والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت رفعه، وهذا يتضمن أنواع الاستصحاب الثلاثة المتقدمة: استصحاب براءة الذمة من الإثم بتناوله شربًا أو طبخًا أو عجنًا [9] ، وملابسة واستصحاب [10] الحكم الثابت وهو الطهارة، واستصحاب حكم الإجماع في محل النزاع.
(1) في (ق) :"إلا ما استثنى في الدليل".
(2) انظر:"إحكام الأحكام" (1/ 21 - 22) لابن دقيق العيد،"فتح الباري" (1/ 348) ،"شرح النووي على صحيح مسلم" (1/ 187) ،"البناية" (1/ 711) .
(3) انظر:"تهذيب السنن" (1/ 56 - 74) ، و"بدائع الفوائد" (3/ 130، 131، 257 - 258) .
(4) في (ق) و (ك) :"في المحل".
(5) في (د) و (ك) :"فهذا".
(6) في (ق) :"وخلفها".
(7) بدل ما بين المعقوفتين سقط من (ك) و (ق) :"خلا".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ق) .
(9) في (ق) و (ك) :"وطبخًا وعجنًا".
(10) في (د) :"وملابسة استصحاب"وفي (ك) :"أو استصحاب".