تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ الآيات، إلى قوله {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} والآيات بعدها.
قال ابن إسحاق: فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كما حدثني عاصم بن عمر ابن قتادة وسيد أهلها عبد الله بن أبي لا يختلف عليه في شرفه من قومه اثنان، لم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل، من أحد الفريقين حتى جاء الإسلام غيره. ومعه في الأوس رجل هو في قومه من الأوس شريف مطاع أبو عامر عبد ابن عمرو بن صيفي بن النعمان وهو أبو حنظلة الغسيل يوم أحد. وكان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح وكان يقال له الراهب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تقولوا الراهب، ولكن قولوا الفاسق"، كما حدثني محمد بن أبي أمامة عن بعض آل حنظلة بن أبي عامر، فشقيا بشرفهما وضرهما، وكان قوم عبد الله قد نظموا له الخرز ليتوجوه ثم يملكوه عليهم، فجاءهم الله برسوله وهو على ذلك، فلما انصرف قومه عنه إلى الإسلام ضغن ورأى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استلبه ملكا. فلما رأى قومه قد أبوا إلا الإسلام دخل كارها مصرا على نفاقه وضغنه.
وأما أبو عامر فأبى إلا الكفر والفراق لقومه حين اجتمعوا على الإسلام، فخرج إلى مكة ببضعة عشر رجلا، وكان أبو عامر أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة قبل أن يخرج إلى مكة فقال: ما هذا الدين الذي جئت به؟ قال:"جئت بالحنيفية دين إبراهيم". قال: فأنا عليها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لست عليها. قال: بلى، إنك أدخلت يا محمد في الحنيفية ما ليس منها. قال:"ما فعلت، ولكني جئت بها بيضاء نقية". قال: الكاذب أماته الله طريدا غريبا وحيدا. يعرض برسول الله صلى الله عليه وسلم، أي إنك جئت بها كذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أجل فمن كذب يفعل الله به ذلك". فكان هو ذلك عدو الله، خرج إلى مكة، فلما فتحت خرج إلى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف لحق بالشام فمات بها.
وأما عبد الله بن أبي فأقام على شبهة في قومه مترددا حتى غلبه الإسلام فدخل فيه كارها.