هم قبل البيت. وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} الآية.
وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: بينما الناس يصلون الصبح في مسجد قباء إذ جاءهم رجل فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة، ألا فاستقبلوها. وكان وجه الناس إلى الشام فاستداروا بوجوههم إلى الكعبة، فقال بعض العلماء: وفي هذا دليل أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به، وإن تقدم نزوله، لأنهم لم يؤمروا بالإعادة. قال في الهدى: وكان في جعل القبلة إلى بيت المقدس ثم تحويلها إلى الكعبة حكم عظيمة ومحنة للمسلمين والمشركين وأهل الكتاب والمنافقين، فأما المسلمين فقالوا: سمعنا وأطعنا، وقالوا آمنا به كل من عند ربنا، وهم الذين هدى الله ولم تكن كبيرة عليهم. وأما المشركون فقالوا: كما رجع إلى قبلتنا يوشك أن يرجع إلى ديننا. وأما اليهود فقالوا: خالف قبلة الأنبياء. وأما المنافقون فقالوا: ما يدري محمد أين يتوجه، إن كانت القبلة الأولى حقا فقد تركها، وإن كانت الثانية هي الحق فقد كان على باطل. وكثرت أقاويل السفهاء من الناس. وكانت كما قال الله {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} وكانت محنة من الله امتحن بها عباده ليرى من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، فأنزل الله جواب السفهاء {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} أي أن الحكم والتصرف والأمر كله لله، فحيثما وجهنا توجهنا، ولو وجهنا كل يوم مرات إلى جهات عديدة فنحن عبيده وفي تصرفه وخدامه. وأكد سبحانه الأمر بذلك مرة بعد مرة، وأمر حيثما كان رسوله، ومن حيث خرج، وأخبر أن الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم هداهم لهذه القبلة، وأنها هي القبلة التي لهم وهم أهلها لأنهم أوسط الأمم وهي أوسط القبل وأفضلها، فاختار أفضل القبل لأفضل الأمم، كما اختار لهم أفضل الرسل وأفضل الكتب، وأخرجهم في خير القرون، وخصهم بأفضل الشرائع، ومنحهم خير الأخلاق، وأسكنهم خير الأرض، وجعل منازلهم في الجنة خير المنازل، وموقفهم في الجنة خير المواقف على تل عال والناس تحتهم، فسبحان من يختص برحمته من يشاء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه أحمد