القتل، {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ} الآية. وإنما عنى بهذا الرماة. ولقد كانت الدولة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أول النهار حتى سقط من أصحاب لواء قريش تسعة أو سبعة الحديث. وفيه أن عمر قال: يا رسول الله ألا أجيبه؟ قال: بلى. فلما قال: اعل هبل. قال عمر: الله أعلى وأجل. قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، وإن الحرب سجال، قال عمر: لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. قال: إنكم تزعمون ذلك فقد خبنا وخسرنا. انتهى. قال في الهدى: فأمرهم بجوابه عند افتخاره بآلهته وبشركه تعظيما للتوحيد وإعلاما بعزة من عبده المسلمون وقوة جانبه وأنه لا يغلب، ونحن جنده وحزبه، ولم يأمرهم بإجابته حين قال: أفيكم محمد، أفيكم ابن أبي قحافة، أفيكم عمر؟ بل قد روى أنه نهاهم عن إجابته لأن كلمهم لم يكن برد بعد في طلب القوم ونار غيظهم بعد متوقدة، فلما قال لأصحابه: أما هؤلاء فقد كفيتموهم حمي عمر بن الخطاب واشتد غضبه وقال: كذبت يا عدو الله. وكان في هذا الإعلام من الإدلال والشجاعة وعدم الجبن والتعرف إلى العدو في تلك الحال ما يؤذيهم بقوة العزم وبسالتهم، وأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا، وأنه وقومه جديرون بعدم الخوف منهم، وقد أبقى لهم ما يسوؤهم منهم. وكان في الإعلام ببقاء هؤلاء الثلاثة بعد ظنه وظن قومه أنهم قد أصيبوا من المصلحة وغيظ العدو وحزنه والفت في عضده ما ليس في جوابه حين سألهم عنهم واحدا بعد واحد، وكان سؤاله عنهم ونعتهم لقومه آخر سهام العدو وكيده فصبر له النبي صلى الله عليه وسلم حتى استوفى كيده ثم انتدب له عمر فرد سهامه عليه، وكان ترك الجواب أولا عليه أحسن، وذكره ثانيا أحسن. وأيضا فإن في ترك إجابته حين سألهم عنهم إهانة له وتصغيرا لشأنه، فلما منته نفسه موتهم فظن أنهم قد قتلوا وحصل له بذلك الكبر والإعجاب ما حصل كان ذلك في جوابه إهانة له وتحقيرا وإذلالا، ولم يكن هذا مخالفا لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تجيبوه؟"فإنه إنما نهى عن إجابته أولا لما سأل: أفيكم محمد، أفيكم فلان؟ ولم ينه عن إجابته لما قال أما هؤلاء فقد قتلوا. وبكل حال فلا أحسن من ترك إجابته أولا ولا أحسن من إجابته ثانيا، ولم يسأل إلا عن هؤلاء الثلاثة لعلمه وعلم قومه أن قيام الإسلام بهم.