ثم أقامت ثقيف بعد مقتل عروة أشهرا، ثم إنهم ائتمروا بينهم ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب وقدج بايعوا وأسلموا، وقال بعضهم لبعض: ألا ترون أنه لا يأمن لكم سرب ولا يخرج منكم أحد إلا اقتطع؟ فائتمروا بينهم وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله رجلا كما أرسلوا عروة، فكلموا عبد ياليل ابن عمرو بن عمير وكان في سن عروة بن مسعود وعرضوا ذلك عليه، فأبى أن يفعل وخشي أن يصنع به إذا رجع كما صنع بعروة فقال: لست فاعلا حتى ترسلوا معي رجالا. فأجمعوا أن يرسلوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من بني مالك فيكونون ستة. فبعثوا الحكم بن عمرو بن وهب وشرحبيل بن غيلان ابن سلمة. ومن بني مالك عثمان بن أبي العاص بن بشر ابن عبد دهمان وأوس ابن عوف ونمير بن خرشة بن ربيعة، فخرج بهم عبد ياليل وهو نائب القوم وصاحب أمرهم. ولم يخرج بهم إلا خشية أن يصنع به مثل ما صنع بعروة لكي يشغل كل رجل منهم إذا رجعوا إلى الطائف رهطه، فلما دنوا من المدينة وتركوا قناة لقوا بها المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت رعيتها نوبا عليهم، فلما رآهم ترك الركاب عند الثقفيين ومر يشتد ليبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومهم عليه، فلقيه أبو بكر الصديق قبل أن يدخل على رسول الله فأخبره عن ركب ثقيف أن قدموا يريدون البيعة والإسلام وأن يشترطوا شروطا ويكتبوا من رسول الله كتابا في قومهم وبلادهم وأموالهم، فقال أبو بكر للمغيرة: أقسمت عليك بأن لا تسبقني إلى رسول الله حتى أكون أنا أحدثه، ففعل المغيرة، فدخل أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بقدومهم عليه، ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فروح الظهر معهم وعلمهم كيف يحيون رسول الله فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية، ولما قدموا ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبة عليهم في ناحية مسجده كما يزعمون، وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله حتى كتبوا كتابهم، وكان خالد هو الذي يكتب كتابهم بيده، وكانوا لا يطعمون طعاما يأتيهم من عند رسول الله حتى يأكل منه خالد حتى أسلموا وفرغوا من كتابهم.