المهملة بلدين بالشام بينهما ثلاثة أيام، فأعطوه الجزية، وكتب لهم رسول الله كتابا. وذكر ابن عائذ في مغازيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بتبوك في زمان قد قل ماؤها فيه، فاغترف رسول الله بيده غرفة من ماء فمضمض بها ثم بصقه فيها ففارت عينها حتى امتلأت، فهي كذلك حتى الساعة.
قلت: في صحيح مسلم عن معاذ أنه صلى الله عليه وسلم قال قبل وصوله إليها:"إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي". قال فجئنا وقد سبق إليها رجلان والعين تبض بشيء من مائها، فسألهما رسول الله:"هل مسستما من مائها شيئا؟"قالا: نعم. وقال لهما ما شاء أن يقول. ثم غرف من العين قليا قليلا حتى اجتمع الوشل، ثم غسل رسول الله فيه وجهه ويده ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير فاستقى الناس. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يوشك يا معاذ إن طالت بك الحياة أن ترى ما ههنا قد ملئ جنانا".
وذكر البيهقي في الدلائل والحاكم من حديث عقبة بن عامر قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فاسترقد رسول الله لما كان منها على ليلة، فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رمح، فقال:"ألم أقل لك يا بلال اكلأ لنا الفجر؟"فقال: يا رسول الله ذهب بي النوم الذي ذهب بك. فانتقل رسول الله من ذلك المكان غير بعيد ثم صلى، ثم ذهب بقية يومه وليلته.
ثم أصبح في تبوك، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال:"أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله. وأوثق العرى كلمة التقوى. وخير الملل ملة إبراهيم. وخير السنن سنة محمد. وأشرف الحديث ذكر الله. وأحسن القصص هذا القرآن. وخير الأمور عوارفها. وشر الأمور محدثاتها. وأحسن الهدى هدى الأنبياء. وأشرف الموت قتل الشهداء. وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى. وخير الأعمال ما نفع. وخير الهدى ما اتبع. وشر العمى عمى القلب. واليد العليا خير من اليد السفلى. وما قل وكفى خير مما كثر وألهى. وشر المعذرة حين يحضر الموت. وشر الندامة يوم القيامة. ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبرا، ومن الناس من لا يذكر الله إلا هجرا. ومن أعظم"