بالحج من بقعته شكرا لله لما فتح الله عليه من هذه المدائن الكبار، واستناب على خراسان الأحنف بن قيس.
وسار حتى دخل مكة وطاف وسعى وحل، ثم أتى وافدا على أمير المؤمنين عثمان بالمدينة، وقدم ابن كريز إلى البصرة فاستقر بها، ونوابه على خراسان وسجستان والجبال، وكثر المال والخراج على عثمان، وأتاه الخراج من النواحي.
واتخذ الخزائن العظيمة بالمدينة. وكان يقسم بين الناس فيأمر للرجل بمائة ألف درهم. واتسعت الدنيا وكثرت الأموال حتى كانت الفرس تشترى بمائة ألف، وكان البستان يباع بالمدينة بأربع مائة ألف، وكانت المدينة عامرة كثيرة الأموال والخيرات والناس، ويجبى إليها خراجح الممالك، وهي دار الأمان وقبة الإسلام، فبطر الناس بكثرة الأموال والنعم، وفتحوا أقاليم الدنيا واطمأنوا وتفرغوا، فأخذوا ينقمون على خليفتهم لكونه يعطي المال أقاربه ويوليهم الولايات الجليلة، فتكلموا فيه وكان قد صار له أموال عظيمة وله ألف مملوك، فآل الأمر إلى أن قالوا: هذا لا يصلح للخلافة، وهموا بعزله وجرت أمور طويلة نسأل العافية. وروى الإمام أحمد في مسنده حدثنا معاوية بن عمر حدثنا زيد عن عاصم عن شقيق قال: لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال الوليد: أراك قد جفوت أمير المؤمنين عثمان؟ فقال له عبد الرحمن: أبلغه أني لم أفر يوم عينين1، قال عاصم يقول: يوم أحد، ولم أتخلف يوم بدر، ولم أترك سنة عمر. قال: فنطلق الوليد فخبر بذلك عثمان، قال فقال: أما قوله إني لم أفر يوم عينين، فكيف يعيرني بذلك وقد عفا الله عنه فقال {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ} وأما قوله إني تخلفت يوم بدر فإني كنت أمرض رقية بنت رسول الله، وقد ضرب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم، ومن ضرب له رسول الله بسهم فقد شهد، وأما قوله إني لم أترك سنة عمر فإني لا أطيقها ولا هو، فأتاه فحدثه بذلك. انتهى.
ـــــــ
1 عينان اسم الجبل الذي أقام عليه الرماة يوم أحد، فسمي به يوم أحد.