ودخلت سنة سبع وثلاثين والجيشان بصفين، ومضى المحرم ولم يكن بينهم قتال، وأرسل علي إلى معاوية رسلا يدعونه إلى الله وإلى الطاعة فأتوه فقالوا له: إن الدنيا عنك زائلة، وإنك راجع إلى الآخرة، وإن الله جازيك بما قدمت يداك، وإنا ننشدك الله أن لا تفرق جماعة هذه الأمة أو تسفك دماءها بينها. فقال للمتكلم: هلا أوصيت بذلك صاحبك؟ فقال: إن صاحبي ليس مثلك، إن صاحبي أحق البرية كلها بهذا الأمر بالفضل والدين والسابقة في الإسلام والقرابة من رسول الله. فقال له معاوية: ويطل دم عثمان؟ لا والله، لا أفعل ذلك أبدا. فلما دخل شهر صفر تنابذوا، وبات علي يعبئ الكتائب ويقول: لا تقاتلوهم إلا أن يبدؤوكم، فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم لا تقتلوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تأخذوا شيئا من أموالهم. فاقتتلوا أياما، وكانت بينهم وقعات كثيرة قيل كانت تسعين وقعة، وقتل من الفريقين أكثر من سبعين ألفا، وقتل من جند علي عمار بن ياسر من السابقين الأولين البدريين من نجباء الصحابة.
قال أبو عمر في ترجمته: تواترت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعمار تقتلك الفئة الباغية، ولما قتل عمار أمسك عمرو بن العاص عن القتال وتابعه على ذلك خلق كثير، فقال له معاوية: لم لا تقاتل؟ قال: قتلنا هذا الرجل وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتله الفئة الباغية، فدل على أنا نحن البغاة. فقال له معاوية: اسكت، فوالله ما تزال تدحض في بولك، أنحن قتلناه؟ إنما قتله علي وأصحابه جاؤوا به حتى ألقوه بيننا، وإنما دفعنا عن أنفسنا فقتل. فبلغ ذلك عليا فقال: إن كنت أنا قتلته فالنبي صلى الله عليه وسلم قتل حمزة حين أرسله إلى قتال الكفار. ولما قتل عمار حمل علي في اثني عشر ألفا، فلم يبق لأهل الشام صف إلا انتقض.
وتخلف جماعة من سادات الصحابة عن القتال في الفتنة، منهم سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وأبو اليسر وزيد بن ثابت ومحمد بن مسلمة وابن عمر وأسامة بن زيد وصهيب الرومي وأبو موسى الأشعري ورأوا أن السلامة في العزلة وقالوا: إذا كان غزو الكفار قاتلنا.
ولما سئم الفريقان تداعوا إلى الخصومة، ورفع أهل الشام المصاحف على رؤوس الرماح وقالوا: ندعوكم إلى كتاب الله، فرشي الفريقان، فحكم علي