وأهل الكوفة أبا موسى، وحكم معاوية عمرو بن العاص، ورجع علي ومن معه إلى العراق، ومعاوية ومن معه إلى الشام. ثم اجتمع الحكمان بدومة الجندل واتفقا على أن يخلعاهما معا ويختار المسلمون خليفة يرضون به، وقد عينوا يومئذ عبد الله بن عمر بن الخطاب. ثم اجتمعا بالناس فبدأ أبو موسى فخلع عليا ثم قام عمرو وقال: قد خلعت عليا كما خلعه وأثبت خلافة معاوية1 فرضي أهل الشام بذلك ورجعوا فبايعوا معاوية. ولما جرى التحكيم غضب خلق أزيد من عشرة آلاف من جيش علي وقالوا: لا حكم إلا لله، وكفروه واعتزلوه، وهم الخوارج. وشقوا عصا المسلمين ونصبوا راية الخلاف وسفكوا الدماء، وقطعوا السبيل، فبعث إليهم علي عبد الله بن عباس، قال ابن عباس: فدخلت عليهم فلم أرى قط قوما أشد منهم اجتهادا، جباههم قرحة من السجود، وأيديهم كأنها ثفن الإبل، وعليهم قمص مرحضة مشمرين مسهمة وجوههم من السهر، فسلمت عليهم فقالوا مرحبا يا ابن عباس ما جاء بك؟ قلت: أتيتكم من عند المهاجرين والأنصار ممن عند صهر رسول الله وعليهم أنزل القرآن وهم أعلم بتأويله منكم، فقالت طائفة منهم: لا تخاصموا قريشا فإن الله عز وجل يقول {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} . فقال اثنان أو ثلاثة لنكلمنه فقلت: هاتوا ما نقمتم، فقالوا: ثلاثا إحداهن أنه حكم الرجال في أمر الله وقد قال الله {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} ، وأنه قاتل ولم يسب ولم يغنم فإن كانوا مؤمنين ما حل لنا قتالهم وسبيهم، وإن كانوا كفارا حل لنا قتالهم وسبيهم. ومحا عن نفسه من إمرة المؤمنين فإن لم يكن أمير المؤمنين فإنه لأمير الكافرين، فقلت: أما قولكم حكم الرجال في دين الله فأنا أقرأ عليكم في كتاب الله ما ينقض قولكم، إن الله صير من حكمه إلى الرجال في ربع درهم ثمن أرنب، وتلا قوله {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} إلى قوله {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ} وفي المرأة وزوجها {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} فنشدتكم الله هل
ـــــــ
1 الحكمان تركا أمر الإمامة لكبار الصحابة، ولم يقل عمرو إلا ما قاله أبو موسى والصحيح في أمر التحكيم ما رواه الدار قطني وخليفة بن خياط من شيوخ البخاري، وانظره في العواصم من القواصم ص172-176