ص -127- الذي لو قام به لقضي له على خصمه، فلو فعل الأسباب، ثم غلب، فقالها لوقعت موقعها، كما أنّ إبراهيم الخليل لما فعل الأسباب المأمور بها ولم يعجز بترك شيءٍ منها، ثم غلبه العدوّ، وألقوه في النّار قال:"حسبي الله ونعم الوكيل"، فوقعت الكلمة موقعها، فأثرت أثرها.
وكذلك رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وأصحابه يوم أُحدٍ لما قيل لهم بعد انصرافهم من أُحدٍ: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} ، [آل عمران، من الآية: 173] ، فتجهّزوا وخرجوا لهم، ثم قالوها، فأثرت أثرها، ولهذا قال الله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} ، [الطّلاق من الآية: 3] ، وقال الله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} ، [المائدة، من الآية: 11] .
فالتّوكّل والحسب بدون القيام بالأسباب المأمور بها عجزٌ محضٌ، وإن كان مشوبًا بنوعٍ من التّوكّل، فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكّله عجزًا، ولا عجزه توكّلًا، بل يجعل توكّله من جملة الأسباب التي لا يتمّ المقصود إلاّ بها كلّها. ومن ها هنا غلط طائفتان:
إحداهما: زعمت أنّ التّوكّل وحده سببٌ مستقلٌّ فعطّلت الأسباب التي اقتضتها حكمة الله.
الثّانية: قامت بالأسباب وأعرضت عن التّوكّل، والمقصود أنّه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أرشد العبد إلى ما فيه غاية كماله أن يحرص على ما ينفعه ويبذل جهده وحينئذٍ ينفعه التّحسّب بخلاف مَن فرّط، ثم قال: حسبي الله ونعم الوكيل. فإنّ الله يلومه، ولا يكون في هذه الحال حسبه، فإنّما هو حسب مَن اتّقاه، ثم توكّل عيه.