فهرس الكتاب

الصفحة 3945 من 6724

ص -159- قد امتحن العبد بجهادهما، وبينهما عدوّ ثالث لا يمكنه جهادهما إلاّ بجهاده وهو واقف بينهما يثبط عن جهادهما وهو الشّيطان، قال الله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} الآية، [فاطر من الآية: 6] .

والأمر بذلك تنبيه على استفراغ الوسع في محاربته، فهذه ثلاثة أعداء أمر العبد بمحاربتها، وسُلطت عليه امتحانًا من الله، وأعطي العبد مددًا وقوّة، وبلي أحد الفريقين بالآخر، وجعل بعضهم لبعض فتنة، ليبلوَ أخبارهم، فأعطى عباده الأسماع والأبصار والعقول والقوى، وأنْزل عليهم كتبه، وأرسل إليهم رسله، وأمدّهم بملائكته، وأمرهم بما هو من أعظم العون لهم على حرب عدوّهم، وأخبرهم أنّهم إن امتثلوه فلن يزالوا منصورين وأنّه إن سلط عليهم، فلتركهم بعض ما أمروا به، ثم لم يؤيسهم بل أمرهم أن يداووا جراحهم، ويعودوا إلى مناهضة عدوّهم بصبرهم، وأخبرهم أنّه مع المتّقين منهم، ومع المحسنين، ومع الصّابرين، ومع المؤمنين، وأنّه يدافع عن عباده المؤمنين ما لا يدافعون عن أنفسهم، بل بدفاعه عنهم انتصروا، ولولا ذلك لاجتاحهم عدوّهم.

وهذه المدافعة بحسب إيمانهم، فإن قوي إيمانهم قويت، فمَن وجد خيرًا فليحمد الله، ومَن وجد غير ذلك فلا يلومن إلاّ نفسه. وأمرهم أن يجاهدوا فيه حقّ جهاده، كما أمرهم أن يتّقوه حقّ تقاته، وكما أنّ حقّ تقاته أن يُطاع فلا يُعصى، ويذكر فلا يُنسى، ويشكر فلا يُكفر، فحقّ جهاده أن يجاهد نفسه ليسلم قلبه ولسانه وجواره لله وبالله، لا لنفسه ولا بنفسه، ويُجاهد شيطانه بتكذيب وعده ومعصية أمره، فإنّه يعد بالأماني، ويمني الغرور، ويأمر بالفحشاء، وينهى عن الهدى وأخلاق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت