فهرس الكتاب

الصفحة 3950 من 6724

ص -164- َحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ـ إلى قوله ـ: {أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ} ، [العنكبوت الآيات: 1-10] .

فليتأمّل العبد سياق هذه الآيات، وما تضمنته من العبر وكنوز الحِكَم، فإنّ النّاس إذا أرسل إليهم الرّسل بين أمرين: إمّا أن يقول أحدهم: آمنا، وإمّا أن لا، بل يستمرّ على السّيّئات، فمَن قال: آمنا، فتنه ربّه، والفتنة: الابتلاء والاختبار، ليتبيّن الصّادق من الكاذب، ومَن لم يقل: آمنا، فلا يحسب أنّه يفوت الله ويسبقه، فمَن آمن بالرّسل، عاداه أعداؤهم، وآذوه، فابتلي بما يؤلمه، ومَن لم يطعهم عوقب في الدّنيا والآخرة.

فلا بدّ من حصول الألم لكلّ نفس، لكن المؤمن يحصل له الألم ابتداءً، ثم تكون له العاقبة في الدّنيا والآخرة، والمعرض تحصل له اللّذّة ابتداءً، ثم يصير إلى الألم الدّائم.

وسئل الشّافعي ـ رحمه الله ـ أيّما أفضل للرّجل أن يمكن أو يُبتلى؟

فقال: لا يمكن حتى يُبتلى، والله ـ عزّ وجلّ ـ ابتلى أولي العزم من رسله، فلمّا صبروا مكّنهم، فلا يظن أحد أنّه يخلص من الألم البتة فأعقلهم من باع ألمًا مستمرًّا بألمٍ منقطعٍ، وأسفههم مَن باع الألم المنقطع اليسير بالألم المستمرّ العظيم.

فإن قيل: كيف يختار العاقل هذا؟

قيل: الحامل له على هذا النّقد والنّسيئة، والنّفس موكلة بالعاجل: {كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ} ، [القيامة الآيتان: 20-21] . {إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ} ، [الإنسان من الآية: 27] .

وهذا يحصل لكلّ أحدٍ، فإنّ الإنسان لا بدّ له أن يعيش مع النّاس، ولهم إرادات يطلبون منه موافقتهم عليها، فإن لم يفعل آذوه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت