ص -256- والذي في هذه القصّة من الحِكَم أكبر وأجلّ من أن يحيط به إلاّ الله.
فمنها: أنّها مقدمة بين يدي الفتح الأعظم، وهذه عادته سبحانه في الأمور العظام شرعًا وقدرًا أن يوطئ بين يديها بمقدّمات.
ومنها: أنّها من أعظ الفتوح، فإنّ النّاس اختلطوا وتناظروا ودخل في الإسلام في هذه المدّة ما شاء الله وتلك الشّروط من أكبر الجند التي أقامها المشترطون لحزبهم، فذلّوا من حيث طلبوا العزّ، وعزّ المسلمون من حيث انكسروا لله، فانقلب العزّ بالباطل ذلاًّ بحقٍّ.
ومنها: ما سبّبه الله سبحانه للمؤمنين من زيادة الإيمان، والإذعان على ما كرهوا، وما حصل لهم من الرّضا بالقضاء وانتظار وعد الله، وشهود منّته بالسّكينة في تلك الحال التي تزعزع الجبال.
ومنها: أنّه سبحانه جعله سببًا للمغفرة لرسوله، ولإتمام نعمته عليه، وهدايته ونصره، وانشراح صدره به مع ما فيه من الضّيم، ولهذا ذكره سبحانه جزاءً وغايةً، وإنّما يكون ذلك على فعلٍ قام بالرّسول والمؤمنين.
وتأمّل وصفه قلوب المؤمنين في هذا الموطن الذي اضطربت فيه، فازدادوا بالسّكينة إيمانًا، ثم أكّد بيعتهم لرسوله أنّها بيعة له، وأنّ مَن نكثها، فعلى نفسه، وكلّ مؤمنٍ فقد بايع الله على لسان رسوله على الإيمان وحقوقه، ثم ذكر ظن ّ الأعراب، وأنّه من جهلهم به سبحانه، ثم أخبر برضاه على المؤمنين بالبيعة، وأنّه حينئذٍ علم ما في قلوبهم من صدق الطّاعة، فأنزل الله السّكينة عليهم وأثابهم بالفتح والمغانم الكثيرة، أوّل ذلك خيبر،