ص -293- أوفى على جبل سلع بأعلى صوته يقول: يا كعب بن مالك أبشر. قال: فخررت ساجدًا، وعرفتُ أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بتوبة الله تعالى علينا حين صلّى صلاة الفجر، فذهب النّاس يبشّروننا، وذهب قِبَل صاحبِيَّ مبشِّرون، وركض رجل إليّ فرسًا، وسعى ساعٍ من أسلم فأوفَى على الجبل، فكان الصّوت أسرع من الفرس.
فلمّا جاءني الذي سمعت صوته يبشِّرني، نزعت له ثوبَيَّ، فكسوته إيّاهما ببشراه والله ما أملك غيرهما يومئذٍ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، فتلقاني النّاس فوجًا فوجًا يهنّئوني بالتّوبة، يقولون: ليهنك توبة الله تعالى عليك يا كعب، حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ جالس حوله النّاس، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله ـ رضي الله عنه ـ يهرول، حتى صافحني وهنّأني، والله ما قام إليَّ رجل من المهاجرين غيره، وكان كعب لا ينساها لطلحة، فلمّا سلّمت على رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال ـ وهو يبرق وجهه من السّرور:"أبشر بخير يومٍ مرَّ عليك مُذ ولدتك أُمّك"، قال: قلت: أَمِنْك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال:"لا بل من عند الله".
وكان رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ إذا سُرَّ استنار وجهه، حتى كأنّه قطعة قمرٍ، وكنا نعرف ذلك منه، فلَمّا جلست بين يديه، قلت: يا رسول الله إنّ من توبتِي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك"، قلت: فإنّي أمسك سهمي الذي بخيبر، فقلت: يا رسول الله إنّ الله إنّما أنجاني بالصّدق وإنّ من توبتي أن لا أحدِّث إلاّ صدقًا ما بقيت،