ص -298- وفي نهيه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ عن كلامهم خاصّة دليلٌ على صدقهم وكذب الباقين، فأراد تأديب الصّادقين.
وأمّا المنافقون فهذا الدواء لا يعمل في مرضهم، وهكذا يفعل الرّبّ سبحانه بعباده في عقوبات جرائمهم. فمَن هان عليه، خلى بينه وبين معاصيه، فكلّما أحدث ذنبًا أحدث له نعمة.
وقوله:"حتى تسوّرتُ حائط أبي قتادة"، فيه دليلٌ على دخول الإنسان دار صاحبه وجاره، إذا علم رضاه بلا إذنٍ.
وفي أمره لهم باعتزال النّساء كالبشارة بالفرج من جهة كلامه لهم، ومن أمره لهم بالاعتزال.
وفي قوله:"الحقي بأهلكِ"دليلٌ على أنّه لا يقع بهذه اللّفظة وأمثالها طلاقٌ ما لم ينوه.
وفي سجوده لما سمع صوت المبشِّر دليلٌ أنّ تلك عادة الصّحابة، وهي سجود الشّكر عند النّعم المتجدّدة والنّقم المندفعة، وقد سجد ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ حين بشّره جبريل أنّ مَن صلّى عليه مرّة صلّى الله عليه بها عشرًا، وسجد حين شفع لأمّته، فشفّعه الله فيهم ثلاث مرّات، وسجد أبو بكر لما جاءه قتل مسيلمة، وسجد عليّ حين وجد ذا الثّدية، وفي استباق صاحب الفرس والرّاقي على سلعٍ دليلٌ على حرص القوم على الخير، وتسابقهم في مسرة بعضهم بعضًا.
ومنها: أنّ إعطاء المبشِّر من مكارم الأخلاق، وجواز إعطاء البشير جميع ثيابه، واستحباب تهنئة مَن تجدّدت له نعمة دينية، والقيام إليه، ومصافحته فهذه سنة مستحبّة، وجائز في النّعم الدّنيوية لِمَن تجدّدت له. وأنّ الأولى أن يقال: ليهنك ما أعطاك الله، ونحوه فإنّ فيه تولية النّعمة ربّها، والدّعاء لِمَن نالها بالتّهني بها.