وأكثر المعاصي إنما تولد من فضول الكلام والنظر وهما أوسع مداخل الشيطان، فإن جارحتيهما لا يملاّن ولا يسأمان بخلاف البطن، فإنه إذا امتلى لم يبقَ فيه إرادة للطعام.
وأما العين واللسان فلو تركا لم يفترا، وكان السلف يحذرون من فضول النظر (1) ، وكانوا يقولون ما من شيء أحوج إلى طول السجن من اللسان (2) .
وأما فضول الكلام (3) فهو داع إلى أنواع كثيرة من الشر، فإنه يحرك الجوارح إلى المعاصي ويثقله عن الطاعات وحسبك بهذا (4) شرًا فكم من معصية جلبها الشبع وفضول الطعام، ولهذا جاء في بعض الآثار:"ضيقوا مجاري الشيطان بالصوم" (5) .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ما ملأ آدمي وعاء شرًا من بطنه) (6) .
ولو لم يكن في الآمتلاء من الطعام إلا أنه يدعو إلى الغفلة عن ذكر الله، فإذا غفل القلب عن الذكر ساعة واحدة غلبه الشيطان، وشهاه وهام به في كل واد فإن النفس إذا شبغت تحركت، وطافت على أبواب الشهوات فإذا جاعت سكنت وذلت.
(1) هكذا في جميع المخطوطات والصواب [الكلام] .
(2) هذا ورد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه بسند صحيح كما في"الصمت"لابن أبن أبي الدنيا وغيره.
(3) هكذا في جميع المخطوطات والصواب [الطعام] .
(4) في نسخة (ب) عبارة (بهذين) والذيب أثبتناه مناسب لما بعده؛ لأنه قال (لشبع وفضول الطعام) ، ولو قال الشيخ وفضول الكلام لكان مناسبًا ذكره عبارة (هذين) .
(5) الرواية الصحيح': (أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) ، أما هذه الزيادة فقد أوردها الغزالي في إحيائه، وأشار العراقي إلى أنه لا أصل لها، وكذا قال الشيخ الألباني في تعليقه على كتاب"حقيقة الصيام"لشيخ الإسلام ابن تيمية، وقد أحسن ابن القيم إذْ قال:"وفي بعض الآثار".
(6) الحديث رواه الترمذي (2380) ، وقال: حسن صحيح، والحاكم (4/121) ، وصححه ووافقه الذهبي، والإمام أحمد (4/132) ، وحسنه الألباني كما في"إرواء الغليل" (7/41) .