ص -110- أي: يزجرهم عن الكفر زجرًا شديدًا، إذ كان في تلك الأنباء صدق الرّسل والإنذار بالعذاب الذي وقع بالمتقدمين.
ولهذا يقول عقيب كلّ قصّة: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} 1. أي: عذابي لِمَن كذب رسلي، وإنذاري لهم بذلك قبل مجيئه.
ثم قال: {أَكُفَّارُكُمْ} أيّتها الأمة {خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ } الذين كذبوا الرّسل من قبلكم، {أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} . {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ} 2.
وذلك: أنّ كونكم لا تعذبون مثلهم؛ إمّا لكونكم لا تستحقّون ما استحقّوا، أو لكون الله أخبر أنّه لا يعذّبكم؛ فهذا بالنّظر إلى فعل الله.
وأمّا بالنّظر إلى قوّة الرّسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأتباعه، فيقولون: {نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ} ، فإنّهم أكثر وأقوى. كما قالوا: {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} إلى قوله: {أَثَاثًا وَرِئْيًا} 3. أي: أموالًا ومنظرًا. فقال تعالى: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} 4.
أخبر رسولَه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهزيمتهم، وهو بمكّة، في قلة من الأتباع، وضعف منهم، ولا يظن أحد ـ قبل أن يهاجر ـ بالعادة المعروفة أنّ أمره يعلو، ويقاتلهم؛ فكان كما أخبر. وذلك ببدر، وتلك سنة الله، كما قال تعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ} الآية5.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الآيات: 16، و18، و21، و30 من سورة القمر.
2 الآيتان 43-44 من سورة القمر.
3 الآيتان 73-74 من سورة مريم.
4 الآية 45 من سورة القمر.
5 الآية 23 من سورة الفتح.