وكان لأهل كل دار بمكة صنم في دارهم يعبدونه، فإذا أراد أحدهم السفر فكان [أول] ما يصنع في منزله أن يتمسح به، وإذا قدم من سفر كان أول ما يصنع إذا دخل منزله أن يتمسح به.
قال ابن إسحاق: وكان لخولان صنم يقال له عم أنس بأرض خولان يقسمون له من أنعامهم وحروثهم قسما بينه وبين الله بزعمهم، فما دخل في حق عم أنس من حق الله سموه له وتركوه، وما دخل في حق الله من حق عم أنس ردوه عليه، وفيهم أنزل الله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا} الآية.
قال ابن إسحاق: وكان لبني ملكان من كنانة بن خزيمة صنم يقال له سعد، صخرة بفلاة من الأرض طويلة، فأقبل رجل منهم بإبل له مؤبلة ليقفها عليه ابتغاء بركته فيما يزعم، فلما رأته الإبل -وكان تهراق عليه الدماء- نفرت منه، فذهبت في كل وجه، فغضب ربها، فأخذ حجرا فرماه به ثم قال:"لا بارك الله فيك نفرت عني إبلي". ثم خرج في طلبها حتى جمعها، فلما اجتمعت قال:
أتينا إلى سعد ليجمع شملنا ... ففرقنا سعد فلا نحن من سعد
وهل سعد إلا صخرة بتنوفة ... من الأرض لا تدعو لغي ولا رشد
وقال أبو رجاء العطاري: كنا نعبد الحجر في الجاهلية، فإذا وجدنا حجرا هو أحسن منه نلقي ذلك ونأخذه، فإذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من تراب، ثم جئنا بغنم فحلبناها عليه، ثم طفنا به. وروى الدرامي عن مجاهد قال: حدثني مولاي1 أن أهله يعثوا معه بقدح فيه زبد ولبن إلى آلهتهم، قال:"فمنعني أن آكل الزبد لمخافتها"قال:"فجاء كلب فأكل الزبد وشرب اللبن ثم بال على الصنم وهو إساف ونائلة. قال هارون:"كان الرجل في الجاهلية إذا سافر حمل
ـــــــ
1 مولاه السائب بن أبي السائب أبو الحجاج المكي الإمام المقرئ المفسر.