بقوله: جاء الله من طور سينا، وأشرق من عاسير، واستعلن من جبال فاران. ولما كان ما في التوراة خبرا عنها أخبر بها على ترتيبها الزماني فقدم الأسبق، وأما القرآن فإنه أقسم بها تعظيما لشأنها، وذلك لقدرته وآياته وكتبه ورسله، فأقسم بها على وجه التدريج كما في قوله درجة بعد درجة، فختمها بأعلى الدرجات؛ فأقسم أولا بالتين والزيتون ثم بطور سيناء ثم بمكة"شرفها الله"لأن أشرف الكتب الثلاثة القرآن ثم التوراة ثم الإنجيل، وكذا الأنبياء فأقسم بها على وجه التدريج كما في قوله تعالى: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا} فأقسم بطبقات المخلوقات طبقة بعد طبقة، فأقسم بالرياح والذاريات، ثم بالسحاب الحاملات للمطر فإنها فوق الرياح، ثم بالجاريات يسرا وقد قيل إنها السفن، ولكن الأنسب أن تكون هي الكواكب المذكورة في قوله تعالى: {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} والكواكب فوق السحاب. ثم قال {فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا} وهي الملائكة التي هي أعلى درجة من هذا كله. وما ذكره ابن قتيبة وغيره من تربية إسماعيل في برية فاران فهكذا هو في التوراة.
وقال داود في الزبور في قوله: سبحوا الله تسبيحا جديدا، وليفرح بالخلق من اصطفى الله له أمته وأعطاه النصر وسدد الصالحين منهم بالكرامة يسبحونه على مضاجعهم ويكبرون الله بأصوات مرتفعة، بأيديهم سيوف ذات شفرتين لينتقم بهم من الأمم الذين لا يعبدونه. وهذه الصفات إنما تنطبق على صفات محمد وأمته، فهم الذين يكبرون الله بأصوات مرتفعة في أذانهم للصلوات الخمس، وعلى الأماكن العالية، كما قال جابر بن عبد الله كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا علونا كبرنا، وإذا هبطنا سبحنا. فوضعت الصلاة على ذلك. رواه أبو داود وغيره. وهم يكبرون الله بأصوات عالية مرتفعة في أعيادهم عيد الفطر وعيد النحر في الصلاة والخطبة، وفي آذانهم للصلاة، وفي أيام منى الحجاج وسائر أهل الأمصار يكبرون عقيب الصلاة ويكبرون على قرابينهم وهديهم وضحاياهم، والنصارى يسمون عيد المسلمين عيد الله الأكبر لظهور التكبير فيه، وليس هذا لأحد من الأمم غير المسلمين، وإنما كان موسى يجمع بني إسرائيل بالبوق، والنصارى شعارهم الناقوس. وكذلك قوله:"بأيديهم سيوف ذات"